الجمهورية اليمنية
الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد
قطاع الإرشادوتعليم القرآن
الإدارة العامة للخطباء والمرشدين
--------------------------------
خطبة الجمعة الثالثة من شهر ربيع الآخر 1448ه
🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️🎙️
العنوان: (عطاء الشهادة)
التاريخ: 19/ 5/ 1448ه
الموافق: 30/ 10/ 2026م
الرقم:(17)
➖➖➖➖➖➖➖
🔹أولاً: نقاط الجمعة
نقاط الجمعة
1- الجهاد في سبيل الله ليس مشكلة بل حلا، وليس غاية وهدف بل وسيلة يتحرك فيها المؤمنون بأمر الله لغاية عظيمة، وهدف سام وقضية عادلة
2- الشهادة مرتبة إيمانية راقية وترسيخها ضرورة ملحة لإخراج الأمة من واقعها وما أعجز المشروع الصهيوني إلا ثقافة الشهادة في محور الجهاد
3- أطهر دم هو دم الشهداء وعطاؤهم أقدس عطاء وقد ضحوا من أجل المستضعفين والمقدسات والدين والحق
4-لا يمكن أن تضيع جهود ودماء الشهداء في سبيل الله:(فلن يضل أعمالهم) ولا يمكن أن تنجح مؤامرات الأعداء:(فتعسا لهم وأضل أعمالهم) وأخطر شيء وأكثره تضحية هو التفريط والتهرب من الجهاد
5- بقوة الله وبدماء الشهداء تتحقق الانتصارات وسيكسر الحصار ويرحل المحتل والشهادة إرث ورثه المؤمنون من الأنبياء والأولياء وعاقبته النصر
6- أسر الشهداء أمانة في عنق كل مسلم والإجرام اليومي للعدو السعودي يضاعف علينا المسؤولية في النفير والإعداد والإنفاق ومواصلة الطريق حتى النصر الموعود بإذن الله
➖➖➖➖➖➖➖
🔹ثانياً: خطبة الجمعة
-
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين الذي لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَصِفُهُ لِسَانٌ، القائل في كتابه العزيز: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ، فبلَّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله كل الطغاة والمستبدين والمستكبرين حتى أتاه اليقين، وخَلَّفَ فينا راية الحقِ، من تقدَّمها مَرَقَ، ومن تَخَلَّفَ عنها زَهَقَ، ومن لَزِمَهَا لَحِقَ، اللهم صلِ على سيدنا محمدٍ وعلى آله الأطهار، وارض عن صحابته المنتجبين، وعن سائر عبادك الصالحين والمجاهدين.
أما بعد/ أيها الإخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي أولًا بتقوى الله عز وجل، القائل في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، والقائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
-
أيها المؤمنون الكرام:
الجهاد في سبيل الله ليس مشكلة بل حلًا للأمة لمواجهة حالة الخوف والضعف والوهن والهزيمة النفسية والتدجين الذي يعيق الأمة عن مواجهة التحديات والمخاطر، ووسيلة تقوم من خلاله الأمة بمسؤوليتها المقدسة، والجهاد والتضحية في سبيل الله ليس نهاية المطاف، بل وسيلة يتحرك فيها المؤمنون بأمر الله لتحقيق غاية عظيمة وهدف راقٍ وقضية عادلة، وفيه ردع للطغاة حتى يكون دين الله هو الأعلى، وصراطه هو المسلك للناس، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}، والجهاد اختبار للمؤمنين وتدمير للكافرين قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}، والجهاد إنقاذ للمستضعفين، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}، والجهاد إحقاق للحق وإبطال للباطل، قال تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.
والجهاد لا بد أن يكون في سبيل الله، وسبيل الله هو الطريق الذي رسمه الله للمؤمنين ليسيروا فيه، والمستكبرون يرسمون طرقا أخرى جائرة تؤدي بالناس إلى العذاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ}، وسبيل الله هو منظومة متكاملة من القيم والتعليمات الإلهية والفطرية الإنسانية العظيمة المقدسة، ومن أعظم النعم أن نسير في مشروع القرآن القائم على أساس حمل راية الحق، والسير في طريق الحق، والتمسك بموقف الحق، في الوقت الذي يسير الآخرون تحت راية أمريكا وإسرائيل، وفي طريقٍ رسمتها أمريكا وإسرائيل، ويضحون ويقتلون في تلك الطريق، والله المستعان.
-
الإخوة المؤمنون:
الشهادة في سبيل الله هي مرتبة إيمانية راقية، وتمثل ذروة العطاء والبذل، وتجارة رابحة مع الله، وفوز عظيم، قال تعالى: {فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، وثقافة الشهادة هي ثقافة الحياة الحقيقية التي تمنح الإنسان حياة عند الله، وتمنح الأمة حياة العزة والكرامة والتمكين، وهي أقوى ثقافة تفشل أمامها ثقافة التخويف من الموت التي يجيدها الظالمون، والشهادة في سبيل الله هي تضحية واعية في سبيل الله في إطار قضية عادلة؛ لتحقيق أهداف سامية من أهمها: دفع الظلم وإنقاذ المستضعفين، ولو حمل المسلمون اليوم ثقافة الشهادة لما عاشت أمة الإسلام مظلومة مكلومة مقهورة، ويرعبها الأعداء بكل الوسائل، ويقتلونها بكل الأسلحة، ويتآمرون عليها بمختلف أنواع الحروب، وينهبونها ويستذلونها ويقهرونها، ومن بين الأمة الإسلامية يبقى محور الجهاد والمقاومة وأبناؤه أكثر الناس عزة وكرامة، وتعجز أمريكا وإسرائيل عن قهرهم، وعن ترويضهم وتدجينهم لطغيانها، وما ذلك إلا لثقافة الشهادة المترسخة في قلوبهم.
ونحن المسلمون حمّلنا الله مسؤولية الجهاد في سبيله لمواجهة أعدائه وعلى رأسهم اليهود والنصارى، وبالتالي لا حلّ لنا في مواجهة المشروع الصهيوني الإجرامي الذي يقوم على التخويف والإرجاف لإخضاع الشعوب لليهود، إلا بثقافة الشهادة في سبيل الله، ولأن الله قد ضرب على اليهود الذلة والمسكنة، والخوف الشديد من الموت والقتل؛ فالحلّ أن نحمل ما يخافون منه كما أمرنا الله، ونجاهدهم في سبيل الله، متوكلين على الله، واثقين بوعده، قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}.
-
الإخوة المؤمنون:
إنّ أطهر دم يسفك على الأرض هو دم الشهداء المسفوك لله وفي سبيله، وإن أسمى وأقدس عطاء، وأشرف تضحية، وأزكى بذل، هو عطاء وتضحية وبذل الشهداء، فقد بذلوا أغلى ما يملكون وهي الروح والحياة، وهم الكرماء فوق كل كرم، وهم الأوفياء فوق كل وفاء، وهم الشرفاء فوق كل شرف، وهم الأعزاء، وهم الأغنياء، وهم الأذكياء، وهم الذين ضحوا لأهداف إيمانية وأخلاقية وإنسانية؛ لكي لا يُظلم المستضعفون ولا يقهروا، ضحوا لأجل الأطفال والنساء الذين يقتلهم العدو بلا رحمة في غزة وفي اليمن وفي كل مكان، ضحوا من أجل اليتيم والأرملة، والشيخ الكبير الضعيف، ضحوا لأجل القدس ومكة والمدينة المنورة، ولأجل الأقصى والمسرى، ولأجل الكعبة والقرآن، ولأجل الأموال والأعراض، ولكي يبقى للناس كرامتهم ودينهم، ولكي تبقى الأمة خير أمة، وهم الأكثر إيثارا: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ}، وهم الأكثر إحسانا: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، وهم الأعظم عطاء؛ لأن عطاؤهم الروح وليس المتاع الزائل.
وشتـان جوداً بين من كان رِفدهُ مداداً وثانٍ رِفده القلـب والنحــرُ
وبحرينِ هذا ماؤه الحرف والرؤى وهذا الدم الفوّار والمهج الخضرُ
وبالتالي فالشهداء هم النماذج الراقية، والقدوات الحسنة للناس من بعدهم، وهم قدوة في مكارم الأخلاق، وهم قدوة في التضحية والإحسان والإيثار والجدية والصبر والمثابرة، وهم قدوة في خدمة القضايا المهمة للأمة.
-
عباد الله:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، وها نحن نشاهد مصاديق كلام الله الذي يقول: {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}؛ فالشهداء الذين ضحوا في سبيل الله، وسُفكت دماؤهم في مواجهة الطواغيت والمستكبرين؛ لم تضع دماؤهم ولا جهودهم وأعمالهم وتضحياتهم، ودماء الشهداء تزرع حياة في الأرض كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء}، فهم حياة للقلوب والضمائر، وحياة للنفوس والمشاعر، وحياة للأمة من بعدهم، وما طلب الله منهم التضحية بحياتهم إلا ليهبوا الحياة للأمة، أما الكافرون فمهما عملوا وأضلوا وأفسدوا وأجرموا، ومهما تآمروا ومكروا وأنفقوا ورتبوا لاستئصال الحق والدين وضرب المؤمنين؛ فالله قد تكفل بإفشال كل مؤامراتهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}، وها نحن نشاهد على شعبنا مؤامرات كبيرة، وتحالفات عالمية، ومكرا كبيرًا، وجهدا عظيمًا؛ إلا أنّ كلها تخيب وتضيع، وتغيب وتتلاشى وتضمحل؛ لأنها في سبيل الشيطان المدحور الضعيف: {فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء
الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}.
-
عباد الله:
يجب أن نستوعب أنّ خطورة التفريط والتخاذل عن المواجهة أكثر من كلفة الجهاد في سبيل الله، بل جعل الله من سنته قصف أعمار المتذاكين على الله، والمتهربين عن الجهاد في سبيله، فقال تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً}، والأمة التي تتنصل عن مسؤوليتها الجهادية وتقعد وتتخاذل؛ تقدم أثمانا أكبر وأكثر وبشكل أسوأ، وتضحي بأكثر من الأمة المجاهدة، وهذا معروف عبر التاريخ، وقد حصل ذلك كثيرا للمسلمين في تاريخ مواجهتهم مع الكافرين، وقد ضحّت الأمة بالملايين حين تخاذلت عن مواجهة التتار؛ ففي بغداد قتلوا مليون مسلم ومسلمة حين دخلوها، وكانوا يبيدون قرى ومدنًا بأكملها، وتفرج أهل الشام على العراق وظنوا أنه لا دخل لهم؛ فتحول التتار إلى الشام وفعلوا بها كما فعلوا بالعراق، وحين تخاذل المسلمون عن مواجهة الصليبيين كانوا يقتلون عشرات الآلاف، ويأخذون عشرات الآلاف من أطفال ونساء المسلمين كعبيد وجواري، وحين احتل الفرنسيون الجزائر قتلوا أثناء احتلالهم للجزائر قرابة عشرة مليون من أبنائه، وحين جاهد الجزائريون احتاجوا لمليون شهيد وفي بضع سنوات تحرروا، وكل من يرى في الجهاد مشكلة لا بد أن يصبّ الله عليه المشاكل ويلقى المعاناة، كما قال الإمام علي "عليه السلام": (إِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَ شَمِلَهُ الْبَلَاءُ)، وها نحن نشاهد أنّ كل من رأى أنه لا دخل له بغزة وفلسطين وأنها مشكلة لا تعنيه؛ كيف يدخلهم واحدًا بعد واحد في مشاكل أخرى، ونرى أنّ كل من لم يستجب لله ليجاهد في سبيله ولأجل المستضعفين في غزة؛ كيف أنهم يستجيبون لأمريكا لتسوقهم في تحالفات ضد المؤمنين لصالح إسرائيل، وبدلًا من أن يجاهدوا في سبيل الله؛ يُساقون ليقاتلوا ويضحوا في سبيل أمريكا وإسرائيل، وليخسروا الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ}، وهكذا يجد الإنسان في التاريخ دروسا لا يجوز أن تتكرر، بل نأخذ منها العظة والعبرة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، إنّه تعالى جوادٌ برٌ رؤوفٌ رحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولكافة المؤمنين والمؤمنات فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، ورضي الله تعالى برضاه عن صحابته الأخيار المنتجبين.
أما بعد/ أيها المؤمنون:
لو تأملنا هذه الأيام لحال الأمة مع أمريكا وإسرائيل؛ لوجدنا أنه لا عائق يعيق أمريكا وإسرائيل عن تنفيذ مشاريعهما سوى الجهاد والمجاهدون في محور الجهاد، ولو تخيلنا أنه لا يوجد محور الجهاد فما الذي كان سيعيق اليهود عن تشكيل إسرائيل الكبرى؟ واحتلال المنطقة العربية بين النيل والفرات؟
فالزعماء سيخضعون لتهديدات أمريكا، والجيوش ستتلاشى، وستحقق إسرائيل ما تريد، لكنّ الذي أعاق إسرائيل هو محور الجهاد والمقاومة ودماء الشهداء الذين صعدوا إلى الله من هذا المحور وخاصة في معركة طوفان الأقصى التي كانت هي الوقود الذي يحرك الأجيال لتواصل الطريق، وتبني سدًا يمنع العدو من تحقيق مآربه، وتبني قوة تسحق إسرائيل، وتهزم أمريكا، وكل نصر نراه على الأعداء، وكل عجز لأمريكا وإسرائيل عن تحقيق أهدافهما في فلسطين واليمن ولبنان وإيران هو بفضل الله وببركة دماء الشهداء، وكل تقدم نراه في التصنيع والإعداد والقتال هو بفضل الله وببركة دماء الشهداء، وكل الأرض التي تحررت من دنس المحتل السعودي وأوليائه حررتها دماء الشهداء، وكل قوافل الشهداء التي نقدمها إنما نقدمها في سبيل الله لهدف مقدس، وغاية عظيمة لا يمكن أن نتراجع عن تحقيقها، وسيُكسر الحصار، ويرحل المحتلون عن أرضنا رغما عن كل إجرامهم ومؤامراتهم، وهذا دائما ما يتحقق لكل أمة حملت روحية الجهاد والشهادة في سبيل الله؛ فالشهادة ثقافة أخذناها من القرآن، وتلقيناها من أنبياء الله الذين قال الله عنهم: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، والشهادة إرث ورثناه من نبي الله زكريا ومن يحيى بن زكريا، ومن تربية رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال: (وددت أني قتلت في سبيل الله ثم عدت ثم قتلت ثم عدت ألف مرة)، وورثناها من ياسر ومن شهداء
الأنصار مع رسول الله ومن أهل بيت رسول الله، وورثناها من آبائنا وسنورثها لأبنائنا، وستبقى حتى يتحقق النصر والفتح الموعود.
-
الإخوة المؤمنون:
لقد ضحى الشهداء من أجل المجتمع كله، ورحلوا تاركين أسرهم في أعناقنا جميعًا، حيث تركوا آباء وأمهات قدموا ثمرات قلوبهم في سبيل الله والمستضعفين، وتركوا زوجات وأولادًا فقدوا العائل والكافل والظل والحامي، وهم قدموا ما قدموه في سبيل الله ومن أجل المجتمع والأمة؛ فليكن كل مسلم ولدًا لآباء الشهداء، وظلا حانيا على أولاد الشهداء؛ لأن المسؤولية تجاه أسر الشهداء ليست رسمية فقط، بل هي إنسانية وأخلاقية ودينية ووطنية على كل فرد مسلم، قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}؛ فلتكن مناسبة ذكرى الشهيد محطة لرعاية أسر الشهداء وأولادهم، من خلال: التكريم، والزيارات، وتقديم المساعدات، وحل المشكلات، ومعالجة صعوبات الحياة التي يعانونها؛ لكي تتعزز الثقة بأنّ الأمة لا تنسى شهداءها، ولا تنسى تضحيات أبنائها.
وفي هذه الأيام لا يمر يوم إلا وللعدو السعودي في أبناء اليمن جريمة أو أكثر بحق الأطفال والنساء، وقد اجتمع في أعدائنا كل إجرام الفراعنة، وكل طغيان الطواغيت، وكل فساد المفسدين في الأرض، وكل فسق وظلم وجور الزمان، وكل جريمة تحدث تضاعف المسؤولية على كل يمني غيور ليتحرك، وفي كل يوم نرى العظات والعبر والدروس التي تزيدنا وعيًا وبصيرة، وقد شاهدنا ما يفعل العدو السعودي في شبوة، وشاهدنا كيف ينظر إلى نساء ورجال اليمن كخدام لديه فقط، ومن جانب آخر نشاهد الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة اليمنية، والضربات الصاروخية التي تكبّد الأعداء خسائر كبيرة، وتغلق مطاراته وتحاصره كما يحاصرنا، وهذا كله يجعلنا في مقام المسؤولية لننفق في سبيل الله لدعم القوة الصاروخية والطيران المسير، ورفد معسكرات التدريب والجبهات.
هذا وأكثروا في هذا اليوم وأمثاله من ذكر الله، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وآله؛ لقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، اللهم صلِ وسلم وبارك وترحم وتحنن على سيدنا محمدٍ بن عبدِالله بن عبدِ المطلب بن هاشم، وعلى أخيهِ ووصيهِ وباب مدينة علمهِ ليث الله الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلى زوجتهِ الحوراء، سيدةِ النساءِ في الدنيا والأخرى فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى ولديهما سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين الشهيدين المظلومين، وعلى آل بيت نبيك الأطهار، ومن ساروا بنهجهم واقتفوا أثرهم إلى يوم الدين، وارض اللهم عن صحابةِ نبيِّك الأخيار، مِنَ المهاجرين والأنصار، وعنا معهم بمنِك وفضلك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل لنا من كلِ همٍ فرجًا، ومن كلِ ضيقٍ مخرجًا، ومن النارِ النجا، اللهم احفظ وانصر عَلَمَ الجهاد، واقمع بأيدينا أهل الشرك والعدوان والفساد، وانصرنا على من بغى على أمتنا واستضعفها: أئمة الكفر أمريكا وإسرائيل ومن تآمر معهم وحالفهم وعاونهم من العرب والعجم، وانصر المجاهدين في غزة واليمن ولبنان وإيران والعراق، في البر والبحر والجو، وفي كل الجبهات والثغور والميادين، وثبت أقدامهم وسدد رمياتهم يا قوي يا متين، واشف مرضانا، وارحم شهداءنا وموتانا وموتى المؤمنين، يا رب العالمين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
-
عباد الله:
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
➖➖➖➖➖➖➖
📝 صـادر عـن الإدارة العامــة للخطباء والمرشدين
بديـوان عــام الهيئة.
----

