وليد فاضل
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزماتُ وتتصارع فيه القوى الكبرى على رسم ملامح العالم، تبرز فنزويلا كأحد أهم مسارح المواجهة بين الهيمنة الأمريكية وإرادَة الشعوب في الدفاع عن سيادتها.
عدوان واشنطن على كراكاس مواجهة مفتوحة بين مشروع إمبريالي يسعى للهيمنة على ثروات الشعوب، وبين دولة قرّرت أن تقول "لا" في وجه الطغيان.
وقد جاء منشور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة "تروث سوشيال" ليكشف بوضوحٍ طبيعة هذا العدوان، حَيثُ كتب: "نفذت الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها، الرئيس نيكولاس مادورو، الذي تم القبض عليه مع زوجته وترحيلهما جوًّا إلى خارج البلاد".
هذه الهمجية تعكس جوهر السياسة الأمريكية: استخدام القوة العارية لإزاحة القيادة الشرعية، وفرض واقع جديد يخدم مصالح الشركات الكبرى ويعيد رسم الخريطة السياسية بما يضمن استمرار الهيمنة.
الأهداف هنا متعددة: السيطرة على النفط الفنزويلي، إسقاط النموذج البوليفاري الذي يرفع شعارَ العدالة الاجتماعية، وتوجيه رسالة ردع لبقية دول القارة.
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود فنزويلا، فالعدوان يحملُ أَيْـضًا بُعدًا دوليًّا؛ إذ تسعى واشنطن إلى ضرب نفوذ روسيا والصين وإيران في المنطقة، وإلى منع تشكّل محور عالمي متعدد الأقطاب.
بهذا المعنى، يصبح العدوان على فنزويلا جزءًا من معركة كبرى على مستقبل النظام الدولي.
الدلالات السياسية والاستراتيجية لسيناريو الاختطاف
لو أخذنا تصريحُ المهرج ترامب على محمل الجد، أن واشنطن أقدمت بالفعل على اختطاف الرئيس مادورو وزوجته، فإن الدلالات ستكون مدوّية:
أولًا: سيكون ذلك إعلانًا صريحًا عن انهيار القانون الدولي، وتكريس منطق القوة العارية.
ثانيًا: ستنكشف الصورة الحقيقية لواشنطن كقوة إمبريالية لا تتورع عن استخدام أساليب القرصنة السياسية لتحقيق أهدافها.
على المستوى الشعبي، مثل هذا العدوان سيؤدي إلى انفجار مشاعر الغضب في أمريكا اللاتينية، وسيعزز خطاب المقاومة ويمنح الحركات اليسارية زخمًا جديدًا.
أما على المستوى الدولي، فستجد القوى الصاعدة نفسها مضطرة إلى تعزيز تحالفاتها مع فنزويلا ودول مشابهة، ما يسرّع من تشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
حتى داخل أمريكا، سيطرح تصريح ترامب أسئلة محرجة حول أخلاقيات السياسة الخارجية وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية.
إن الدلالة الأعمق تكمن في أن العدوان على فنزويلا ليس مُجَـرّد مواجهة مع دولة واحدة، بل هو معركة على مستقبل العالم: هل سيبقى خاضعًا لهيمنة قطب واحد يفرض إرادته بالقوة، أم سيتجه نحو نظام أكثر عدلًا وتوازنًا؟
العدوان الأمريكي على فنزويلا، مقرونًا بتصريح ترامب عن "القبض على مادورو وزوجته"، يعد مرآة تكشف طبيعة الصراع القائم: صراع بين الهيمنة والمقاومة، بين منطق القوة ومنطق السيادة، بين مشروع إمبريالي يسعى لابتلاع ثروات الشعوب، ومشروع وطني يصرّ على أن يقول "لا".
فنزويلا، بهذا المعنى، ليست مُجَـرّد دولة في أمريكا اللاتينية، إنها رمز لمعركة عالمية على العدالة والسيادة والكرامة.
وما يجري حولها اليوم، سيحدّد ملامح الغد، ليس لشعبها وحده، بل لشعوب العالم بأسره.

.png)


.jpg)


