أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
وصلنا في الآيات المباركة من (سورة القصص)، في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، إلى الحديث عن مرحلة شبابه، والآيات المباركة التي تكشف لنا جوانب مهمة من حياته، في مرحلة شبابه، قدَّمت لنا من أبرز الصِّفات التي يتحلَّى بها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، صفةً عظيمةً ومهمة، هي: صفة الإحسان، وكيف أنَّ الله وهبه حكماً وعلماً، ثم قدَّم الله لنا سنَّةً من سننه الثابتة، وهي- في نفس الوقت- بشارة عظيمة لكل المحسنين، ودلالة على سببٍ من أعظم وأهمِّ الأسباب في الحصول على العلم والحكمة، حينما قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14].
وتحدثنا- باختصار وإيجاز- عن أهمية الإحسان؛ لأنه من المواضيع التي حظيت بالحديث الواسع عنها، والحثِّ عليها، والترغيب فيها في القرآن الكريم، ولو لم يكن إلَّا قول الله "تَبَارَكَ وَتَعَالَى": {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[البقرة:195]، والمحبة من الله هي أعظم وسامٍ يمكن أن يحصل عليه الإنسان المؤمن، ووراءها الخير الكبير في الدنيا والآخرة، والشرف العظيم.
ولهذا فالإحسان الحقيقي، هو يقوم على الإخلاص لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الدافع الخالص، ليس هناك دوافع استغلالية، ولا لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية من الناس، ولا للرياء، وكذلك ينبع من زكاء النفس، الإخلاص الحقيقي ينبع من زكاء نفس الإنسان.
الإنسان الذي يتحلَّى بمكارم الأخلاق، وتزكو نفسه، فتنمو فيها مشاعر الخير، وإرادة الخير للآخرين، والمقت للظلم والطغيان، وكذلك المشاعر الإنسانية الراقية، التي هي فطرة فطر الله الناس عليها، في التألم لآلام الناس، وأوجاعهم، وأحزانهم، ولاسيَّما البائسين، والفقراء، والمستضعفين بشكلٍ عام، والمظلومين.
فالإحسان درجة رفيعة جدًّا في موقعه الإيماني، في المرتبة الإيمانية للأعمال، والمواصفات الإيمانية العظيمة، له مرتبة عالية جدًّا، وقربةٌ عظيمةٌ إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يجعل الإنسان محبوباً عند الله وعند خلقه، والمهم عند الله، لكن بشكلٍ تلقائي، في الحديث النبوي: ((جُبِلَتِ القُلوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيهَا، وَبُغْض مَنْ أَسَاءَ إِلَيهَا)).
فلهذا الإنسان حينما يركِّز على هذه الصفة، وعلى أساس الإخلاص لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ولِمَا تجمعه من مكارم الأخلاق، وتساعد في بناء النفس، فالإنسان يرتقي ارتقاءً تكاملياً في مساره الإيماني؛ لأنها صفة تجمع متفرِّقات مكارم الأخلاق، ولها أثرها العظيم، ويحظى الإنسان من خلالها برعايةٍ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في هدايته له، في أن يمنحه حكماً وعلماً، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، تعني: أنَّها سنَّة ثابتة من سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
في نفس الوقت، كما تحدثنا في المحاضرة الماضية، عن أهمية الحُكْم والحكمة في إطار هذا المفهوم، والعلم في مسألة الإحسان نفسه، يعني: الإحسان سببٌ لهما، أن يهبك الله حكماً وعلماً، وفي نفس الوقت في عمل الإنسان في الإحسان يحتاج إلى الحكمة، يحتاج إلى العلم، يحتاج إلى أن يمتلك في واقعه النفسي الرشد والتوازن النفسي، فيعمل بشكلٍ صحيح؛ لأن الإحسان دائرةٌ واسعةٌ جدًّا، وتشمل مع المتفرقات والاهتمامات الفردية، تشمل برامج عمل كبرى، ومواقف كبرى، واهتمامات كبرى، وهذه مسألة مهمة جدًّا؛ لأن الإنسان- مثلاً- الإنسان المحسن، سيهتم في ما هو في متناول يده على المستوى الفردي، والاهتمامات الفردية والشخصية، في مواساة من يحتاج إلى مواساة، في الاهتمام: الاهتمام الواسع، الاهتمام الواسع بحال المستضعفين، وحال الناس، في مختلف المجالات، فيما هو في متناوله، وفي وسعه، وباستطاعته، وفيما يمكنه أن يقدِّمه، أو أن يسعى له، ثم سيسهم في إطارٍ واسع، في اهتماماتٍ واسعة، ضمن برامج واسعة، مواقف كبيرة، في واقعه الإيماني مع رفاقه المؤمنين، ضمن مسارٍ عمليٍّ عظيمٍ، ومشروعٍ عظيمٍ يتحرَّك فيه، يحقق الإحسان في نتائج كبرى في واقع الأُمَّة.
ولهذا نجد- مثلاً- مسار نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" في إحسانه، وصل في نهاية المطاف إلى مشروعٍ إلهيٍ عظيم، يحقِّق الإحسان على أرقى المستويات، وتترتب عليه نتائج كبرى وحاسمة، يعني: من اهتمامات فردية وشخصية، وقضايا معينة، واهتمامات معينة؛ وصولاً إلى مشروعٍ إلهيٍ عظيم، هو: رسالة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، التي فيها الإحسان بكل أشكاله وصوره.
الإحسان إلى الناس بالعمل على هدايتهم، وإصلاحهم، وتزكيتهم، ونجاتهم في الدنيا والآخرة، وإنقاذهم من الظلم، والعمل على الاهتمام بمختلف شؤونهم وأحوالهم... وهكذا هو مسار الإحسان، مسار تصاعدي، ومسار يشمل الواقع الشخصي والاهتمامات الشخصية إلى نطاقٍ أوسع في الاهتمام الجماعي لأُمَّة مؤمنة، تتَّجه قائمةً على هذا الأساس.
فيما يتعلَّق بنبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، في إحسانه، واهتمامه الكبير بأمر المستضعفين، في ظروف صعبة جدًّا، بالغة التعقيد، يواجه فيها مشاكل كبيرة جدًّا على إحسانه، برز دوره، وتجلَّت هذه الصفة في واقع اهتماماته مع الناس، مع المستضعفين، وهذا قبل النبوَّة، قبل البعثة بالرسالة، حتَّى كان أملاً للمستضعفين، يعني: أصبح معروفاً في المجتمع أنَّه يهتم بحال المستضعفين، وأمورهم، وظروفهم، وكان ذلك واضحاً في عمله، وأنشطته، واهتماماته، ويظهر من خلال الآيات القرآنية المباركة، ومن خلال الأخبار التاريخية، وبعض الروايات: أنَّ الفراعنة كانوا قد ضاقوا منه؛ لأنه في ظل اهتماماته، يتَّجه اتِّجاهاً معاكساً لسياساتهم، كانت سياستهم تجاه المستضعفين قائمة على التسلط، والقهر، والظلم، والحرمان، والعمل على صناعة المأساة لهم، بل إلى الدفع بهم- في نهاية المطاف- إلى التلاشي؛ وهو اتَّجه إلى العناية بهم، الاهتمام بهم، بفعل الخير لهم، بدفع الظلم عنهم، ولربما كان يواجه قضايا يومية في اهتماماته العملية متنوعة، يعني: في من يكون الإحسان إليهم فعل خيرٍ لهم، أو مواساة في واقعهم المعيشي، في من يكون فعل الخير لهم، دفع ظلم عنهم، أو اهتمام بقضايا لهم، أو... وكلها بشكل صحيح، واتِّجاه عملي صادق، ليس فيه ابتزاز، ولا أغراض، ليس كإحسان البعض، الذين يغلِّفون نشاطهم بعنوان الإحسان، ثم يبتغون من وراء ذلك جني أموال، أو ابتزاز، أو مصالح شخصية، أو مكاسب شخصية، أو يتحرّكون بجهل، وأساليب عمل خاطئة، ليست صحيحة، وكان راشداً، منحه الله ما منحه من الحُكْم والعلم، ويتحرَّك بصورة صحيحة.
فعلى العموم، في ظل توجُّهه ومساره العملي، واهتماماته اليومية بأمر المستضعفين، وبمجمل أنشطته المتنوعة للعناية بهم، كان يتَّجه اتِّجاهاً عكس التيار كما يقولون، يعني: في تصادم مع السياسة الفرعونية في كل تشكيلاتها، وأجهزتها، وامتداداتها في الساحة، وهذا كان فعلاً يجعله في حالة تصادم، وهو يعمل في بيئة معقَّدة، وبيئة صعبة.
ففي بعض الأخبار والروايات، وكما سيظهر من الآيات القرآنية التي نتلوها، يظهر أنَّ الفراعنة كانوا قد وصلوا معه إلى حالة توتر، للوضع معه، توترٍ واضح؛ ولهذا في بعض الأخبار: أنهم كانوا قد قاموا بنفيه من المدينة، يعني: قرَّروا إخراجه ونفيه؛ لأنهم يعتبرونه مزعجاً لهم، وفي نفس الوقت يتَّجه في أنشطته اتِّجاهاً معاكساً لسياساتهم الظالمة، الظالمة والإجرامية.
وفي الآية القرآنية التي نتلوها، يظهر لنا كيف أنَّه كان قد صار أملاً للمستضعفين، ومعروفاً بينهم، ويعلِّقون عليه الآمال، ويلتجئون إليه، وفي نفس الوقت كيف أنَّه كان قد صار خارج المدينة، يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص:15].
في الآيات المباركة يتبيَّن لنا أنَّه كان خارج المدينة، وأنَّه دخل المدينة في وقت محدَّد، وهذا الوقت الذي عبَّرت عنه الآية المباركة بقول الله تعالى: {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا}[القصص:15]، البعض يفسِّر هذا الوقت بأنه في وسط النهار، حينما يترك الناس أعمالهم، ويعودون إلى منازلهم للاستراحة، وتناول الأكل... وغير ذلك، والبعض يفسِّره على أنَّه في أول الليل؛ باعتبار الحالة- كذلك- حالة عودة للناس إلى منازلهم، وإقفال لمحلاتهم التجارية، وعودة من نشاطهم في أمور الحياة في الساحة؛ كلا الوقتين من أوقات الغفلة، التي يعبَّر عنها بساعة الغفلة، والله أعلم في أيِّ منها كان الوقت!
على العموم هو دخل: {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ}[القصص:15]، لماذا؟ هذا قد يكون- ربما والله أعلم- من المؤشرات على ما ورد، كما ذكرنا في بعض الأخبار التاريخية، أنَّه كان قد نُفِي من المدينة، ودخل في ذلك الوقت؛ حتَّى لا ينتبه له الفراعنة وجلاوزتهم، ولكنه عندما دخل في تلك الساعة، وتلك اللحظة، وجد هذا المشهد: (رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ)، أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه، وقد تكون الحالة ملفتة، حتَّى مسألة أن الشخص الذي هو من الفئة المستضعفة، وعبَّرت عنه الآيات القرآنية، بقول الله تعالى: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ}[القصص:15]؛ لأنه يعني من الفئة المستضعفة، وفي نفس الوقت الذين قد تفاعلوا مع موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، أصبحوا مشايعين له: موالين له، متفاعلين معه، وحتَّى- لربما- كان من أثر هذا التفاعل، أن يجرؤ هذا المستضعف على أن يواجه، يواجه ذلك الرجل الذي هو من الفئة المستكبرة، يعني: على غير عادة، في واقع أولئك المستضعفين، كانوا في حالة رهيبة جدًّا من مستوى الاستضعاف، ليس من المتوقع أن يجرؤ أحد منهم على أن يواجه، أو يصل إلى هذه الدرجة من المنازعة لأحدٍ من أولئك المستكبرين.
في الفرز هذا، في الفرز في الآيات المباركة: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}[القصص:15]، قد يكون هذا أيضاً من المؤشِّرات على مستوى النشاط الذي كان قد قام به نبي الله موسى، والعمل في الساحة، إلى درجة أن يكون هناك فرز بهذا المستوى، يعني: أصبح في صراع مع الفراعنة، وعداوة بيِّنة، وهم أعداء له على كلِّ حال، وأصبح هناك من المستضعفين من يعلِّقون الأمل عليه، ويتفاعلون معه في نشاطه وعمله، فكان هذا المشهد: مشهد الاقتتال ما بين شخصين.
في الأخبار التاريخية يقولون: أنَّ الشخص الذي من الفئة المستكبرة، كان يحاول إرغام ذلك الرجل الذي من الفئة المستضعفة، إلى أن يحمل كمية كبيرة جدًّا من الحطب، ليس بوسعه أصلاً أن يحملها، فامتنع عن ذلك؛ فقام بضربه، وهو واجه حالة الضرب له.
{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}[القصص:15]، {فَاسْتَغَاثَهُ}: طلبه أن يغيثه، وأن ينقذه، حينما شاهد نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وهذا يعني: أنه كان فعلاً أملاً للمستضعفين، لربما لو كان غير موسى لم يؤمِّل فيه أن ينفعه بشيء، وأتى موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"؛ لأن ذلك الذي هو مستضعف هو في الموقف الصعب، وذلك يعتدي عليه الذي من الفئة المستكبرة، يعتدي عليه، وهو مستقوٍ بمركزه وانتمائه إلى الفئة المستكبرة، فنبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" أقبل بمبادرة وسرعة لإنقاذ ذلك المستضعف، ولكن بعد كل التراكمات، بعد كل ما قد عاناه، ولربما- كما ذكرنا آنفاً- مواقف يومية كان يعيشها، يواجهها، يتعامل معها، يعمل على كيف يعالجها، اتَّجه وهو بغضبٍ عارم، على كلِّ ما يحصل من ظلم، من طغيان، من إجرام؛ ولهـذا كان تدخُّله بهذا النحو: {فَوَكَزَهُ مُوسَى}[القصص:15]، يقول البعض من أهل اللغة في تفسير مفردة (وَكَزَهُ): أنها بالمعنى الذي يعبَّر عنه في عصرنا بـ (لكمه)، يعني: دفعه بقبضة الكف بعد أن جمع كفه، أصابعه في كفه، وضربه بها.
نبي موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" أولاً كان ذو بنية جسدية قوية جدًّا، ولكن مع ذلك كان هناك حالة غضب واستياء شديد جدًّا، وتراكم لهذا الغضب في المشاهد اليومية من الظلم التي يراها، ممَّا يمارسه أولئك المستكبرون، الظالمون، فهو ممتلئٌ غضباً وألماً، وكذلك أسىً للمستضعفين؛ فكانت ضربةً قاضية.
{فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}[القصص:15]، وهو لم يرد أن يقتله، كان هدفه أن يدفعه عن الاعتداء على ذلك المستضعف، وأن ينقذ ذلك المستضعف منه.
{فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص:15]، هذه الحادثة كانت تعني مرحلة انفجار الوضع كما يقال ويعبَّر عنه في تعبيرنا المعاصر، يعني: وصلت المسألة بعد هذه الحادثة إلى مرحلة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة، في وضع موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وفي صراعه مع أولئك المستكبرين؛ لأن المسألة مسألة كبيرة، يعني: في ظل تلك الظروف، وخاصةً مع كِبْر الفراعنة، وشدَّة حقدهم، ويعتبرون هذه المسألة مسألة لا يمكن التغاضي عنها إطلاقاً مهما كان، المرحلة في ظل ذلك بالتأكيد- يعني- أنها وصلت إلى مرحلة صراع ساخن، ومرحلة انفجار في الوضع، ومرحلة حسَّاسة من حياة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وهذا ما قبل نبوَّته، أو بعثته بالرسالة.
هنا يتَّضح لنا كيف كانت نفسية نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، كيف كانت توثُّبه في العمل على إنقاذ المستضعفين، ذهب هو ليضرب ذلك المعتدي من الفئة المستكبرة، الذي كان يحاول أن يسخِّر ذلك المستضعف لخدمته، فيما لا حق له فيه، وفي نفس الوقت فيما لا طاقة لذلك المستضعف به، وكيف دخل في خصومة مباشرة معه، ولشدَّة اهتمامه وتألمه، نزل هو في الميدان بدلاً عن ذلك المستضعف، الضربة نفسها، تلك الضربة القاضية، كانت تعبِّر:
- عن شدَّة ألمه، عن سخطه الشديد، عن غضبه الشديد لِمَا يقوم به أولئك المستكبرون من ظلم مستمر بكل أشكاله.
- وكذلك عن اهتمامه الكبير بأمر المستضعفين.
هذا كان ممَّا يدل عليه ذلك الموقف، حدث- كما ذكرنا- ما لم يرده نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" وهو القتل؛ لأن المرحلة نفسها لم يكن مناسباً فيها إطلاقاً أن يدخل في صراع بهذا الشكل، يعني: هو لا يستند على أيِّ قاعدة جماهيرية يمكن أن تقف ولو للحظة واحدة لتقاتل، ومسعاه هو مسعى لتغيير ذلك الوضع، لإنقاذ أولئك المستضعفين، ليس لمجرَّد مشكلة واحدة، أو صراع بغير وسائله وإمكاناته، ولو في حدها الأدنى يعني، ولو في أبسط المستويات، فأن يتحرَّك بشكلٍ منفرد، في- مثلاً- مواجهة مسلحة، ليس هناك قاعدة جماهيرية واقفة معه، ليس هناك من يمكن أن يتحرَّكوا معه في هذا المستوى من الموقف، الظروف لم تكن مناسبة، إضافةً إلى أنَّه يريد أن يكون تحرُّكه وفق تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في مستوى الموقف الذي يقفه، وفيما يتناسب في إطار التدبير الإلهي، فيما يخدم القضية التي يتحرَّك من أجلها.
ولهذا، فالإشكال هنا ليس في أصل الموقف، أصل الموقف حق، والذي قُتِل هو من فئة مستكبرة، ظالمة، تقتل، ترتكب أبشع الجرائم، تذبح الأطفال بشكلٍ مستمر، يعني: هو من فئة قاتلة، مجرمة، ترتكب أبشع الجرائم، وهو حاله حالهم، يعني: من جبابرتهم، من المجرمين فيهم، فهو مجرمٌ من مجرمين؛ ذلك المعتدي الذي قضى عليه بتلك الضربة، ولم يكن يريد القتل له، فلم يكن الإشكال- مثلاً- في مسألة أنَّ ذلك قُتِلَ ظلماً، ذلك المعتدي، أو أنَّه لم يكن هناك أي حق في هذا الموقف، الموقف حق، ولكن الحالة التي حصلت طبيعة هذا التصرف فيما نتج عنه، لم تكن مناسبةً لخدمة القضية التي يتحرَّك من أجلها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وفي ذلك التوقيت نفسه؛ ولهذا أدرك أنَّ هناك خطأً- كما يعبَّر في تعبيراتنا المعاصرة- خطأً تكتيكياً، يعني: فِعل ليس وقته، في مرحلة لا يخدم القضية التي يتحرَّك من أجلها، وهذا فيما نتج عنه، مع أنه غير مقصود، هذه النتيجة لم تكن مقصودة في نفسها؛ ولهـذا نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" طلب من الله المغفرة، أولاً: استاء من هذه النتيجة، لم يكن راضياً عنها، ولا مرتاحاً لها؛ ولهـذا عبَّر عن ذلك: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص:15].
وهنا في مبادرة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، حينما استغاثه ذلك المستضعف، وبادر على الفور، واستجاب له، وعمل على إنقاذه، درسٌ عظيمٌ لكل مسلم، لكل مسلم؛ لأن المدرسة الإسلامية بكلها، والتربية الإيمانية قائمة على الاهتداء بالقرآن الكريم، والاهتداء من أنبياء الله، من سيرتهم، ممَّا ذكره الله عنهم في القرآن الكريم، إضافةً إلى أنَّ من الحقائق الكبرى في القرآن الكريم هي هذه الحقيقة: العمل على إنقاذ المستضعفين، على خلاصهم، على مقارعة الظلم، والطغيان، والاستكبار، ومقارعة الطغاة، والمواجهة للظالمين المستكبرين.
نحن في مرحلة تاريخية مهمة كأمةٍ مسلمة، تُسحق شعوبٌ بأكملها، وليس مستضعفاً يصرخ لوحده، من ذلك، وفي مقدِّمة قضايا هذه الأُمَّة: القضية الفلسطينية، ومظلومية الشعب الفلسطيني، وكلنا ندرك كم هي صرخات الشعب الفلسطيني، برجاله ونسائه المظلومين، المستضعفين، وكيف كانت استغاثتهم ونداءاتهم حتَّى على مدى عامين كاملين، وما قبل ذلك، وما بعد ذلك، وواقع هذه الأُمَّة، الأُمَّة الكبرى، المسلمون الذين هم مئات الملايين، أكثر من ملياري مسلم، وهم يتجاهلون تلك الاستغاثة، ولا من مغيث، بالرغم من إمكانات الأُمَّة الهائلة.
لا شكَّ أنَّ تخاذل الأُمَّة الإسلامية، وهي أُمَّة كبرى، من أكبر الأمم على وجه الأرض، في عددها، وعديدها، وعتادها، وإمكاناتها، ورقعتها الجغرافية، ومقوِّماتها، وقدراتها، هو ذنبٌ عظيم، وفي نفس الوقت إشكالية خطيرة على هذه الأُمَّة بينها وبين الله في الدنيا والآخرة، وهو من العوامل المشجِّعة بشكلٍ كبير على تزايد الطغيان اليهودي، ضد الشعب الفلسطيني؛ لأنه يفعل ما يفعل، ويرتكب ما يرتكب من إجرام، وهو مطمئن، ويقيس- كذلك- يقيس ردة الفعل، يصعِّد أكثر فأكثر، يُقْدم على خطوات إضافية في غاية الخطورة، يعني: مساره التصاعدي في طغيانه، في عدوانه، في إجرامه، في خطواته لتثبيت سيطرته الكاملة على فلسطين، بشكلٍ يقيس فيه ردة الفعل بعد كلِّ مرحلة، وفي كل مرحلةٍ جديدة.
ولذلك- مثلاً- مساره على المسجد الأقصى، مسار تصاعدي:
- في الانتهاكات.
- في الاستباحة لحرمته.
- في العمل في الحفريات تحته.
- في تهويد مدينة القدس.
إجراءات كثيرة، كلما أقدم على خطوة، يرى هذه الأُمَّة على ما هي عليه: تخاذل، تفرج، كأن الأمر لا يعنيها شيئاً.
كذلك ما يفعله بالشعب الفلسطيني، الضِّفَّة وغزَّة هي من آخر معاقل الشعب الفلسطيني، مع أنَّ الضفة تحت الاحتلال واقعاً، لكن هو يريد- كما يعبَّر في التاريخ المعاصر- يريد تطهيراً عرقياً، يعني: يريد أن ينهي أي وجود للشعب الفلسطيني في الضِّفَّة الغربية وفي قطاع غزَّة، ولذلك ماذا يفعل؟
- يسيطر.
- يغتصب الأراضي التي بأيديهم ويأخذها عليهم.
- يقلع أشجار الزيتون.
- يهدم المنازل.
- يشرِّد الشعب الفلسطيني من مساكن، من مخيمات، من قرى، من أماكن.
- حتَّى البدو يطاردهم، ويرحِّلهم، ويشرِّدهم من أماكنهم.
- ويقوم بنهب الثروة الحيوانية من الأغنام وأحياناً الأبقار.
- وفي بعض الحالات مع النهب، ومع السطو، ومع السرقة، حالات قتل، يقتل أعداداً كبيرةً منها.
- يحرق المركبات.
- يرتكب أبشع الجرائم، في مقدِّمتها: القتل، يقتل أبناء الشعب الفلسطيني، في كل يوم هناك جرائم قتل، واعتداءات بالضرب، اعتداءات بالاختطافات.
- والتعذيب في السجون، بأبشع أشكال التعذيب، ويذهب المجرم [بن غفير] إلى السجون للتلذُّذ والاستمتاع بالتعذيب للأسرى والمخطوفين في السجون...
كل أشكال الاعتداءات المتصاعدة ضد الشعب الفلسطيني مستمرَّة، والأُمَّة لا تُغِيث هذا الشعب، لا تستمع إلى نداءاته، ولا تلتفت إلى أوجاعه ومعاناته، ولا تقوم بأي خطوة جادَّة للحد من ذلك، أو حتَّى لإيقاف العدو الإسرائيلي عن التصعيد أكثر وأكثر، وعن خطوات أكثر خطورةً على الوضع.
هذه الحالة حالة خطيرة جدًّا، والله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" توعَّد عليها في القرآن الكريم، في قوله "جَلَّ شَأنُهُ": {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[التوبة:39]، في قوله "جَلَّ شَأنُهُ": {فَتَرَبَّصُوا حتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[التوبة:24]، وفي آيات كثيرة جدًّا في القرآن الكريم.
الحالة حالة خطيرة جدًّا على الأُمَّة، وهي- كذلك- تكشف عن تدنِّي روحية الإحسان، تدنِّي الحالة الإيمانية، تدنِّي الجانب الإنساني بنفسه، حتَّى على المستوى الإنساني، الجانب الأخلاقي، والقيم، والمبادئ، ليست المسألة عادية، هي تكشف عن هذه الحقائق الخطيرة، الحقائق المهمة، الحقائق الخطيرة، كيف حالة التراجع الرهيب جدًّا في واقع الأُمَّة على كلِّ المستويات.
نكتفي بهذا المقدار.
وَنَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛


.jpg)




