أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
وصلنا في المحاضرة الماضية، في قصة نبي الله موسى، إلى الآيات القرآنية المباركة، في قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:16-17].
وتحدَّثنا في آخر المحاضرة الماضية عن كيف كان اهتمام نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وكان همه أن يحظى بالمغفرة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فيما حصل في موقفه من نتيجةٍ غير مقصودة، وليست حتَّى في عداد الجرائم، قد يعتبرها خطأً في أسلوب العمل، فيما نتج عنه بشكلٍ غير مقصود، وهذا يدلُّ:
- على حرصه الكبير، واهتمامه البالغ، في أن يكون أداؤه العملي على نحوٍ صحيح، فيما يخدم الموقف الحق، والقضية العادلة، ويرضي الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
- وعلى حرصه أن يكون منضبطاً في أدائه العملي، وفق ما يوفِّقه الله له، ويهديه إليه.
وهذا كله ما قبل بعثته بالرسالة، فهو كان ولياً من أولياء الله، يحمل هذا الحرص، وهذا الإيمان، وهذه الاستقامة العملية.
ولذلك لم يكن قلقه فيما يمكن أن ينتج عن ذلك، فيما يؤثِّر على وضعه الشخصي، في مسألة أمنه، في مسألة ظروفه، ووضعيته التي كان فيها سابقاً، في النعمة المادية، في النعمة في ما يتعلق بالمقام الرفيع، والوضع الاعتباري في المجتمع؛ باعتباره كان محسوباً على أنَّه ربيب قصر فرعون، ويحظى بالاهتمام نتيجةً لذلك، فيما هيَّأه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والمنَّة لله "جَلَّ شَأنُهُ"، فما يمكن أن يترتب على الموقف من مخاطر على حياته، من خسائر في التعبير الشائع، يعني: من تضحيات فيما يتعلَّق بظروفه المعيشية، وظروف حياته واستقراره... وغير ذلك، ليس هذا هو مصدر القلق لدى نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، فهو كان جاهزاً في إطار الموقف الحق أن يضحي بكل شيء؛ وإنما كان همه ألَّا يحصل في موقفه خطأٌ حتَّى غير مقصود، وتكون نتيجته بتأثير معين حتَّى على مستوى الحصول على المغفرة من الله؛ ولذلك لجأ إلى الله ليطلب منه المغفرة، {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[القصص:16].
والحالة التي وصل إليها بعد ذلك الموقف، هي: مرحلة جديدة، وحسَّاسة في نفس الوقت، ومرحلة مفاصلة بكل ما تعنيه الكلمة، وبين مفترق طرق، يعني: الوضع لم يعد كما كان سابقاً، يمكنه أن يستمر في نفس الوتيرة والعمل في وضعه هناك، بين ذلك المجتمع، الفراعنة سيحسبون ألف حساب لما حدث، ويتَّجهون إلى إجراء عملي حاسم، للتخلص من موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، إن كان سيستمر في هذه الطريق: في الاهتمام بأمر المظلومين والمستضعفين، والسعي لخلاصهم، والاهتمام بهم، فهو بين مفترق طرق:
- إما أن يواصل هذا الدور، ولكن في ظل ظروفٍ مختلفة، ووضعيةٍ مختلفة.
- وبين أن ينتقل إلى وضعيةٍ أخرى.
- وبين أن يعتذر ويرجع عن هذا الطريق، ويحاول أن يسترضي الأطراف تلك، يسترضي الفراعنة، يسترضيهم، ويسعى للاعتذار منهم، وإلى معالجة ما حصل بالتودُّد إليهم، وبالتخلِّي عن النهج الذي هو فيه، والموقف الذي هو عليه، والاهتمامات التي يتحرَّك على أساسها، في العناية بالمستضعفين، والسعي لخلاصهم وإنقاذهم.
فالمرحلة مرحلة مختلفة عن كل ما قد سبق، والحادثة بنفسها حادثة فاصلة، ما بعدها سيختلف عمَّا قبلها، فكيف كان توجُّه نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"؟
كان توجُّهه هو كما ذكره الله في الآت القرآنية: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17]، كان موقفاً عظيماً، هو يدرك كل ما يمكن أن يترتب على ما قد حصل من نتائج: فيما يتعلَّق بالتركيز عليه لاستهدافه في حياته، فيما يتعلَّق بتغيُّر وضعه بشكلٍ كامل، لم يعد بإمكانه أن يتحرَّك بشكلٍ آمن، ومن دون استهداف، ومحتمياً بما كان عليه من حماية سابقة، ولا أن يتحرَّك بنفس الطريقة التي كان فيها سابقاً، ويتاح له المجال من جهة الفراعنة، يواصل الاهتمام بأمر المستضعفين بتلك الطريقة السابقة، الوضع أصبح وضعاً حسَّاساً.
المرحلة هي مرحلة سيتَّجه فيها الفراعنة إلى اتِّخاذ إجراء حاسم ضده، وهو سيضحي بكل شيء: بأمنه، برفاهية حياته، بظروف معيشته، بالمخاطرة حتَّى بحياته، مع كلِّ ما هو في إطار الثمن لهذا الموقف الذي وقفه، وهو موقف حق، فإنه كان في اعتزازٍ تام، وثباتٍ تام على موقفه، وقال هذه الجملة العظيمة المهمة، للتعبير عن ذلك: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17]، وهذا يعبِّر عن التجائه إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأنه أيضاً قطع وعداً وعهداً على نفسه بينه وبين الله، في الثبات على موقفه ضد المجرمين، وهذا يدلُّ على ارتباطه القوي بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، واعتزازه العظيم بموقف الحق الذي هو فيه، فهو لم يندم على أنَّه قد وصل إلى وضعية مفاصلة تامَّة بينه وبين الفراعنة، يعني: الحالة من بعد تلك الحادثة، هي حالة حرب بينه وبينهم، هم سيركِّزون على أن يستهدفوه في حياته، وأن يتحرَّكوا ضده كعدو بكل ما تعنيه الكلمة، وسيتعاملون معه على هذا الأساس: كعدوٍّ يحرصون على استهدافه بكل طريقة.
فتلك الوضعية التي قد يراها البعض وضعية خطيرة، وضحَّى فيها بأمنه، والظروف السابقة التي كان فيها في حياته ومعيشته، وخاطر فيها حتَّى بحياته، قد يراها الكثير من الناس أنها وضعية خسارة، وأنها وضعية خطيرة، وأنها ورطة، بحسب التعبير السائد عند الكثير من الناس في توصيف ثمن الموقف الحق، الذي يكون أحياناً حتَّى في إطار أحداث عابرة، أو أحداث مرحلية، يهيِّئ الله ما بعدها متغيرات كبيرة، لكنهم يعتبرون ذلك ورطةً، وخسارةً، وعبرةً لغيره، في أن يحذر من أن يقف موقف الحق كما وقف هو، وأدَّى هذا إلى أن يضحي بتضحيات كبيرة، من جوانب متعدِّدة: مخاطرة بحياته، ومشاكل على وضعه، وكذلك استهداف لظروف حياته المعيشية... وغير ذلك.
نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، في ارتباطه القوي بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، اعتبر ما هو فيه من الموقف الحق، والمفاصلة مع الطغاة والمستكبرين، والمقارعة للطغيان، والمباينة للمجرمين، أنَّه نعمةٌ عظيمة، وما أهَّله الله به من مؤهلات لهذا الموقف الحق، وفي نفس الوقت التوفيق من الله له بأن يقف هذا الموقف الحق، اعتبر كل ذلك نعمةً عظيمةً من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" تستحق الشكر، والشكر كيف هو؟ شكر عملي، في الثبات على الموقف، وفي الاستمرار في الطريق، وفي مواصلة المشوار في مواجهة الطغاة والمستكبرين والظالمين.
هذه الجملة العظيمة المهمة، التي تضمَّنت وعداً وعهداً قطعه على نفسه بينه وبين الله؛ لشكر نعمة الله عليه بالمباينة للمجرمين، وأن يكون مبايناً لهم، وعدواً لهم، قال عنها شهيد القرآن أنها: ((من أجمل ما قاله الأنبياء "عَلَيْهِمُ السَّلَامُ"))، يعني: كلمة عظيمة؛ لأنها تعبِّر عن أشياء كثيرة:
- تعبِّر عن ثبات على الموقف الحق.
- تعبِّر عن اعتزاز بالموقف الحق.
وهذا ما يجب أن يكون عليه كلُّ الذين يستجيبون لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ويتحرَّكون في إطار الموقف الحق، والقضايا العادلة، المشرِّفة، العظيمة، حينما تقف الموقف الحق تكون معتزاً بذلك، وإن لامك اللائمون، وإن لامك اللائمون.
في عصرنا هذا تتَّجه حملات اللوم في الدعاية الإعلامية الهائلة، لما يمتلكه أعداء الحق: من إمكانات إعلامية متنوعة، ومن أبواق كثيرة، ومن جيوش إعلامية من الموالين لهم، حتَّى من الوسط العربي والإسلامي، ويتوجَّهون باللوم بكل أشكاله، والتوبيخ، والتشكيك، والإساءات ليلاً ونهاراً، لا يَفْتُرُون، يعني: بمثل ما هناك في مقام إيماني عظيم، ورفيع، ومشرِّف لملائكة الله: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}[الأنبياء:20]، فعلى العكس من ذلك: تتَّجه الأدوات الإعلامية، والأبواق الإعلامية، والأقلام الدعائية السيئة، الموالية للطاغوت، في تعظيم موقفه، وخدمة موقفه الباطل، الإجرامي، الظالم، وفي اللوم للمستضعفين والمؤمنين، الذين يقفون الموقف الحق، والإساءة إليهم، والتشكيك بموقفهم، ومحاولة إثارة الشبهات حول موقفهم ليلاً ونهاراً، الليل والنهار لا يفترون، مهما كان لوم اللائمين، ومهما تنوَّع خطابهم، وأساليب لومهم كانت متنوعة: ما بين من يتكلم باسم الدين، ما بين من يتكلم باسم المصالح، لغة المصالح المادية والاقتصادية... وغير ذلك، ما بين من يغلِّف كلامه بالحسابات السياسية... كل الاعتبارات، والخطابات، والعناوين، التي يوظِّفونها في اللوم، لا ينبغي أبداً أن تعطيها أي قيمة إطلاقاً حينما توجَّه ضدك؛ لأنك وقفت الموقف الحق، الذي يرضي الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والذي يخدم قضيةً عادلةً، واضحة، واضحة، أنت تستند إلى قضية عادلة، ثابتة، وموقف حق واضح، لا لبس فيه؛ وبالتالي أنت ترضي الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فوق كلِّ اعتبار، وتثق حتَّى بحسن العاقبة تجاه ذلك، وأنَّك مع الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وباستعداد للتضحية.
يعني: نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" قال ذلك وهو في مقام الثبات على الموقف الحق، والتضحية في نفس الوقت، لم يكن في حالة ندم على أنَّه قد خاطر بحياته، وخسر وضعه السابق الذي كان فيه في وضعية آمنة، وظروف معيشية جيِّدة، ومرتاح هناك، يحظى بمقام رفيع، وحماية معينة... وغير ذلك، مع كل التضحيات التي هي في خدمة الموقف الحق، كان في غاية الاعتزاز بذلك الموقف، هذا يعبِّر عن انشداد عظيم إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن الانسان المؤمن يحسب حساب موقفه بالدرجة الأولى فيما يتعلَّق بمرضاة الله: (هل هذا الموقف يرضي الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؟).
عندما تدرك أنَّ ذلك الموقف الحق هو من أعظم ما تتقرَّب به إلى الله، من أعظم ما يرفع منزلتك عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ تعطي لذلك قيمة فوق كلِّ اعتبار، فوق كلِّ أهمية، ثم- في نفس الوقت- الوعي، الوعي بقيمة الموقف الحق، أنَّه الموقف الصحيح، الذي يمثل حلاً للناس، والاتِّجاه في إطار الحل، حتَّى لو لم يكن حلاً سريعاً، لو لم يكن إلَّا أن تحدِّد المسار في إطار الاتِّجاه الصحيح، وتقدِّم النموذج المؤثِّر، المقنع، الملهم، ثم يكون لذلك أثره في وقتٍ ما، مع أنَّ الله هو الذي يكافئ على الجهود، وعلى التضحيات، ويهيئ المتغيرات، ويصنعها، ويتولى هو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" تثمير المواقف والتضحيات العظيمة، وكتابة النتائج لها، وتحقيق نتائج عظيمة لها، الله يتولى هو برعايته عباده المؤمنين، في تضحياتهم، في استجابتهم له، فيما يقدِّمونه، ويكافئهم على ذلك المكافآت العظيمة.
هو أيضاً يدرك أهميَّة ذلك الموقف في: نتائجه، وآثاره، وما يترتب عليه فيما بينه وبين الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، أنَّه حينما يرضى الله عنه، سيمده بالمزيد من الهداية والتوفيق... وغير ذلك، وهذا شيءٌ مهمٌ جداً: كيف يمتلك الإنسان وعياً راسخاً بقيمة الموقف الحق.
كما أنَّ الإنسان المؤمن زاكي النفس، أيضاً على مستوى مشاعره الإنسانية يرتاح؛ لأن الموقف الحق في إطار قضية عادلة يريح الضمير، تشعر أنَّك لست مقصراً، لست مهملاً، أنَّك قمت بما عليك أن تعمل، في مستوى استطاعتك وقدرتك، فيرتاح ضميرك لذلك؛ لأن الإنسان المؤمن هو زاكي النفس، مما يقترن بالإيمان مع الوعي، مع الفهم: زكاء النفس، في حالة زكاء النفس يرتاح الإنسان حينما يقف الموقف الصحيح.
هذا يعبِّر أيضاً عن وعيٍ راسخ، عن توجُّهٍ جادٍ ومسؤول في إطار ذلك الموقف، عن مرتبة عالية من الوعي، لا يمكن أن يزحزحها أي مخاطر، أو ضغوط، أو تحديات، أو لوم... أو أي شكل من أشكال الضغوط التي تؤثِّر على البعض من الناس، أو الإثناء عن ذلك الموقف من أي طرف، فهو لا يُحِسّ بأي حرج من الموقف الذي هو فيه؛ لأنه تحرَّك من منطلق غَيْرَته على المستضعفين، وكراهيته للباطل، واعتزازه بالموقف الحق، ورأى نفسه في مواجهة كافرين، مجرمين، طغاة، ظالمين، سيئين، فقطع على نفسه هذا العهد: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17]: لن أكون مساعداً ولا معيناً للمجرمين طيلة حياتي، رأى نفسه أنَّه أصبح في موقف حق، في عمل حق، وأنَّه وفِّق لأن يكون مِمَّن ينطقون بالحق، ويعملون بالحق، ويهدون بالحق، ويعدلون بالحق، فقطع على نفسي هذا العهد مع الله تعالى.
البعض من الناس- يعني- قد لا يشعر بهذا النوع من النعم، كيف تقييم الناس للنعم؟ الكثير من الناس النعمة عنده عندما تكون- مثلاً- مكاسب مادية تحقَّقت له، عائد مالي من مزرعته، أو متجره، أو مكاسب معيَّنة، أو وظيفة معيَّنة، قد يشعر بأنها نعمة، لا يحمل مثل هذا الشعور بأن التوفيق لأن تقف الموقف الحق تجاه مظلومية كبرى، وقضايا عادلة، وفي إطار ما يرضي الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، أنَّه نعمةٌ عظيمة؛ لما يترتب عليها من نتائج، لما لها من أهمية، لما يمنحك الله إياه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في الدنيا والآخرة، وأيضاً في أثرها في النفس، هي شرف، ولها أثر في سموم النفس، وزكاء النفس، وهذا درس مهم جداً.
فنبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" لم يعتبر نفسه في ورطة، كما قد يشعر البعض، حينما ينظرون فقط- مثلاً- إلى المشقَّة، إلى المخاطر، ويحسبون الأمور بهذه الحسابات، ويصبحون قلقين، يحاولون بأيِّ طريقة أن يتخلَّصوا من الموقف الحق الذي هم فيه، كيف يحاولون أن يخرجوا من ذلك بأي شكلٍ من الأشكال.
{فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17] وفعلاً كان مبايناً لهم، صدق في ذلك، واتَّجه لمباينتهم.
هنا يبرز أمامنا عنوان مهم، عنوان هو عن الجرم الرهيب في الإعانة للمجرمين؛ لأن الكثير من الناس يتورَّطون في ذلك، تستقطبهم قوى الإجرام والشر، فيعملون لصالحها بأيِّ شكلٍ من الأشكال:
- البعض قد يتجنَّد مع المجرمين عسكرياً، يقاتل معهم، يقاتل في خدمتهم، يقف ضد أهل الحق، ضد المستضعفين، الذين في موقف الحق والمظلومين.
- البعض قد يتجنَّد مع المجرمين للخدمة في المجال الأمني: إما استخباراتياً، أو معلوماتياً، أو لتنفيذ جرائم لخدمتهم.
- والبعض قد يتجنَّد معهم إعلامياً.
- البعض قد يتجنَّد معهم سياسياً.
- البعض قد يخدمهم مادياً.
في كل شكلٍ من أشكال الإعانة للمجرمين؛ يكون الإنسان مجرماً بذلك، وشريكاً لهم في إجرامهم، يعني: حتَّى الذين قاموا من أبناء هذه الأُمَّة، من المنتسبين للإسلام، مِمَّن يعتبرون أنفسهم عرباً، قاموا بالتعاون مع العدو الإسرائيلي إعلامياً؛ هم يشتركون معه في كل جرائمه، مِمَّا قاموا به من تبرير لإجرامه، من تثبيط للأُمَّة عن أيِّ موقفٍ حق، من معاداة لمن يقف موقف الحق ضد ذلك العدو الإسرائيلي، وضد جرائمه تلك، هم بتعاونهم مع المجرم؛ اشتركوا معه في إجرامه الرهيب.
الجرائم الكبرى حينما تتحرَّك قوى متمكِّنة، مثلما عليه حال اليهود الصهاينة، بأذرعهم من القوى الدولية المتمكِّنة: (أمريكا، وبريطانيا، والعدو الإسرائيلي)، يرتكبون بإمكاناتهم، بقدراتهم، جرائم رهيبة جداً، جرائم كثيرة جداً، وفظيعة للغاية، وأسوأ أنواع الجرائم يرتكبونها، فمن يؤيِّدهم بأيِّ شكل من أشكال التأييد، ويتَّجه ضد من يقف الموقف الحق في مواجهتهم؛ هو شريكٌ لهم في جرائمهم.
ومن أهم ما يركِّز عليه القرآن الكريم: أن يحمي الإنسان المسلم من التورُّط في كلِّ أشكال الإعانة للمجرمين؛ ولذلك هو يحرِّم الولاء لهم تحريماً شديداً، يعني: من أشدِّ المحرمات، من أشدِّ المحرمات، عندما نقرأ في القرن الكريم في الآيات المباركة، فيما يتعلَّق بخطورة هذا الجانب، إلى درجة أن يقول الله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}[المائدة:51]، تحريم بِشدَّة، منطق رهيب جداً في التحريم، يعني: كافٍ في الزجر لمن بقي في قلبه ذرةٌ من الإيمان.
حينما يقول أيضاً: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ}، يعني: في التَّوَلِّي للكافرين، {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ}[آل عمران:28]، يعني: تشديد كبير جداً جداً، وكم من آيات قرآنية، {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}[هود:113]، والركون يعني: الميل اليسير.
كل أشكال التعاون مع أعداء الله، مع الطغاة المجرمين، هي خطيرةٌ جداً، وتجعل الإنسان شريكاً معهم في مختلف جرائمهم، ويحاسب يوم القيامة معهم، يُبعث معهم، يُحاسب معهم، يُحسب منهم فيما هم عليه من إجرام وطغيان.
ولهذا في هذا العصر- للأسف الشديد- هناك تورُّط بكل ما تعنيه الكلمة، من أنظمة وحكومات كثيرة، ومن نخب في الشعوب: نخب سياسية، نخب إعلامية... وغيرها، وكثر من أبناء هذه الأُمَّة يتورَّطون بكل ما تعنيه الكلمة، ليس فقط في التعاون مع المجرمين من أبناء هذه الأُمَّة، من الظالمين منها، بل مع أسوأ المجرمين في كل التاريخ، مع اليهود الصهاينة، ومع أنصارهم وأعوانهم:
- البعض يقدِّمون الدعم السياسي.
- البعض يقدِّمون الدعم المالي والاقتصادي.
- البعض يقدِّمون الخدمة الإعلامية.
- والبعض في الخدمة الاستخباراتية والمعلوماتية.
وهكذا أشكال كثيرة جداً؛ ولهذا حينما قال الله في القرآن الكريم: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[المائدة:51]، يعتبر الإنسان شريكاً معهم في ظلمهم، وهو أسوأ ظلم أصلاً.
ولهذا- في العودة إلى قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"- نجد أيضاً في كلامه هذا، في التجائه إلى الله، وفيما قطعه على نفسه من عهدٍ ووعد: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17]، أنَّه حسم خياره ومساره بعد ذلك الموقف الفاصل، ودخل في مرحلة جديدة وحسَّاسة، ولو كان الثمن أن ينتقل إلى وضعٍ صعب، وحالةٍ خطرة، وهو يدرك ويعي ما يترتب على ما حدث من ردَّة فعل من جهة الفراعنة، مع قسوتهم، وجبروتهم، واستكبارهم، وهم من لا يرحمون حتَّى الطفل الرضيع.
{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص:18-20].
إن شاء الله نتحدث عن ضوء الآيات المباركة في المحاضرة القادمة.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛





.jpg)

