د. بكيل محمد الكليبي
نسمع بين الحين والآخر العديد من التوترات الإقليمية التي تنشب نتيجة تداخل المصالح المتضاربة بين الدول التي تستغل وجود أزمات وأماكن صراع طويلة الأمد، دون أن تلفت تلك الصراعات نظرَ الموقف الدولي، المتمثل بمنظمة الأمم المتحدة التي تُعد مؤسّسة دولية ترعى مصالح دول العالم.
ورغم ذلك، فإن جهودَها مرتبطةٌ بمصالح الدول الخمس الكبرى داخلها والمنتصِرة في الحرب العالمية الثانية، والتي تتمتعُ بمقعد دائم في مجلس الأمن، أهم جهاز تنفيذي داخل المنظمة، وهي: "الولايات المتحدة الأمريكية، والاتّحاد السوفيتي سابقًا وحلت روسيا الاتّحادية بدلًا عنه، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وجمهورية الصين الوطنية حتى عام 1975م، وحلت بدلًا عنها جمهورية الصين الشعبيّة الحالية".
ورغم ذلك، كانت منطقة القرن الإفريقي بؤرة للصراع الدولي المرتبط بالتنافس بين القطبين: "الولايات المتحدة الأمريكية، والاتّحاد السوفيتي"، اللذين دعما دولتين هما: إثيوبيا التي كانت تسير في فلك النفوذ الأمريكي، وجمهورية الصومال التي كانت تسير في فلك النفوذ السوفيتي، وكان التنافس قائمًا على الحدود، وتداخل المناطق بينهما.
شكل إقليم "أوغادين" ذو الجذور العِرقية والقومية والثقافية الصومالية، لكنه تحت السيادة الإثيوبية منذ اتّفاق الدول الاستعمارية: بريطانيا وإيطاليا للمنطقة في القرن 19م.
وظل الإقليم بؤرة للصراع بين الصومال وإثيوبيا، رغم محاولات حكومة الصومال انتزاع الإقليم من إثيوبيا بالقوة العسكرية، بعد أن أصبح الجيش الصومالي من أقوى الجيوش في قارة إفريقيا، منذ انقلاب "محمد سياد بري" عام 1969م، وتحوله نحو الاتّحاد السوفيتي الذي منح الصومال العديد من المساعدات العسكرية المجانية، فتعاظمت قوة الجيش الصومالي، وبدأ التفكير باستعادة إقليم "أوغادين" من إثيوبيا التي كانت تحت حكم الإمبراطور "هيلا سيلاسي" الحليف القوي لأمريكا في القرن الإفريقي، حتى الانقلاب العسكري الشيوعي عام 1974م الذي أطاح بالإمبراطور، بقيادة "منغستو هيلا مريام"، الذي حول تحالف إثيوبيا من الغرب إلى الشرق نحو الاتّحاد السوفيتي.
وفي خضم تلك الأحداث التي نشبت بين البلدين؛ بسَببِ الإقليم الصومالي خلال عامي 1977-1978م، دعم الاتّحاد السوفيتي الدولتين الحليفتين له، لكن إمْكَانات الجيش الصومالي كانت أقوى بمراحل من الجيش الإثيوبي، وكاد أن يسيطر على إقليم أوغادين الصومالي، فتدخل الاتّحاد السوفيتي بإرسال جسر جوي بين "موسكو" و"أديس أبابا"، وحال هذا الدعم العسكري الكبير دون سيطرة الصومال على الإقليم.
وكان ذلك التدخل السوفيتي سببًا في تحول التحالفات؛ إذ بدأ الصومالُ بالتحول نحو بناء علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، في حين عملت إثيوبيا على تقوية الروابط مع الاتّحاد السوفيتي، فزاد التوتر في الإقليم بصورة أكبر.
شكّل عام 1991م البداية الأولى لانهيار الدولة المركَزية في الصومال، بعد توقف المساعدات الأمريكية لهذا البلد، فدخلت البلادُ في أَتون نزاع وصراع داخلي، وحرب أهلية قضت على جميع مؤسّسات الدولة المركزية الصومالية، وأخذت أقاليم البلاد تحكم نفسها.
ومن ذلك إقليم "صومالي لاند" أَو "أرض الصومال" الذي تمتعُ بحُكم ذاتي بعيدًا عن الصراع الذي تعيشُه بقية أقاليم الصومال الأُخرى، وظل يتمتع بنوعٍ من الاستقلال الذاتي ويعيش حالة من الأمن والاستقرار.
ومكّن موقع الإقليم الجغرافي المتميز المطل على خليج عدن، عند مدخل باب المندب، من أن يكون مكانًا استراتيجيًّا مهمًّا، ناهيك عن وجود موانئ بحرية متميزة جعلتها محل تسابق الشركات العالمية التي ترغب في استثمار الموانئ.
وكان على رأس ذلك شركة "موانئ دبي العالمية" التابعة لدولة الإمارات عام 2017م، لمدة 30 سنة قابلة للتجديد لمدة 10 سنوات، مقابل حصول حكومة أرض الصومال على مبلغ "442" مليون دولار لتمويل المرحلة الأولى من الصفقة، وهي تحويل ميناء بربرة إلى ميناء محوري ينافس الموانئ في المنطقة.
ساهم دخول الإمارات في علاقة استثمار في فتح الباب أمام إقليم أرض الصومال لفتح قنوات اتصال غير رسمية بين الإقليم وكيان الاحتلال، وعقد لقاءات بين عدد من القيادات السياسية في الإقليم ومسؤولين "إسرائيليين".
والهدف: فتح المجال أمام إقليم أرض الصومال للاعتراف الدولي به كدولة مستقلة، بعيدًا عن حكومة مقديشو الرافضة للتطبيع مع كيان الاحتلال، والتي اتهمتها بالتدخل المباشر في شؤونها الداخلية وانتهاك سيادتها.
مهّدت الإمارات العربية المتحدة الباب أمام كيان الاحتلال ليكونَ لها موطئ قدم ونفوذ في إقليم أرض الصومال الاستراتيجي، وهو ما لم تحلم به من قبل، لا سِـيَّـما أن الإقليم يوفر لكيان الاحتلال نافذة استخباراتية، وقاعدة عسكرية متقدمة لمراقبة حركة الملاحة في بحر العرب، وخليج عدن، ومدخل باب المندب والبحر الأحمر، ومنح كيان الاحتلال نقطة مراقبة إقليمية لمتابعة الأوضاع في اليمن، وبقية مناطق جنوب البحر الأحمر.
ومثل هذه الفرص لا يمكن لكيان الاحتلال أن يهملَها، لا سِـيَّـما أن الإقليم يمنحها حرية الوصول إلى بحر العرب، وجنوب البحر الأحمر، والمحيط الهندي.
والسؤال الملح هنا: من المستفيدُ من وراء هذا التحَرّك الإسرائيلي في المنطقة، ومن الخاسر؟ وبالنظر الموضوعي نجد أن وراء ذلك التحَرّك مجموعة من المعطيات بالنسبة للرابحين والخاسرين على النحو الآتي:
أولًا: القوى المؤيدة للتحَرّك "الإسرائيلي" في القرن الإفريقي:
إن القول بأن تحَرّك كيان الاحتلال مرتبط بإيجاد نافذة "إسرائيلية" في المنطقة يُعد تحليلًا سطحيًّا وغير موضوعي؛ لأن
التحَرّك بحد ذاته بوجود تحالف بدأت تتشكل ملامحه في المنطقة، بين كيان الاحتلال، والإمارات، وإثيوبيا.
والسؤال: ما هي فوائد هذه الدول من منظور الربح والخسارة؟ فالإمارات تحاول الاستفادة من الغطاء "الإسرائيلي" في الإقليم؛ مِن أجلِ تحقيق أرباح اقتصادية كبيرة، ومنها استغلال موانئ القرن الإفريقي وعلى رأسها موانئ إقليم أرض الصومال، على الرغم من مجازفتها في هذا التحَرّك المتناقض مع موقفها السياسي تجاه وحدة أراضي الدول العربية، ومنها جمهورية الصومال؛ لأن هذا التحَرّك الإماراتي يُعد بمثابة تدخل في الشؤون الداخلية واعتداء على سيادة الصومال، الدولة التي تجتمع مع الإمارات في جامعة الدول العربية.
أما بالنسبة لإثيوبيا، فإنها الفرصة المواتية لاستغلال الإمارات التي تلهث وراء مصالح اقتصادية، والغطاء "الإسرائيلي" الذي يمنحها قوة نفوذ كبيرة في الإقليم، على حساب وحدة أراضي جمهورية الصومال.
ومصلحة إثيوبيا في ظل تلك التناقضات هو الحصول على ميناء بحري عند مدخل البحر الأحمر، ليكون منفذًا لها؛ باعتبَارها دولة حبيسة.
وهذا المنفذ البحري سيمنحها القدرة على بناء قواتها البحرية ويمنحها فرصة للهيمنة البحرية في البحر الأحمر، على حساب مصر والسعوديّة، واليمن، وجمهورية الصومال.
ثانيًا: القوى المناهضة للتحَرّك "الإسرائيلي" في القرن الإفريقي:
تتصدر اليمن الموقفَ السياسيَّ الرافضَ للتواجد الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال؛ لما ينطوي على ذلك التواجد من مخاطرَ وتهديدات، منها عسكرة البحر الأحمر، وتهديد الأراضي اليمنية والموانئ بصورة مباشرة.
لذلك تحرص اليمن على وَحدة أراضي جمهورية الصومال.
وهذا الموقف السياسي الواضح تشترك فيه كُـلٌّ من: السعوديّة، وجمهورية مصر، وجمهورية السودان، إلى جانب بعض القوى الإقليمية الوازنة مثل تركيا، وإيران، وباكستان.
والجميع يقف إلى جانب وحدة الأراضي الصومالية، ويدين أي تحَرّك إسرائيلي يهدّد وحدة أراضيها؛ لأن إقامة علاقات سياسية بين كيان الاحتلال وإقليم أرض الصومال يُعد تدخلًا سافرًا في شؤون جمهورية الصومال، ويهدّد استقلالها.
وطالما اجتمعت تلك الدول في إعلان بيانات إدانة مختلفة للتحَرّك الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال.
والخلاصة: إن المنطقة مقبلة على تحولات سياسية جذرية تقود إلى ولادة تكتلات سياسية تعمل على رعاية مصالح دول المنطقة، لا سِـيَّـما أن ملامح ذلك بدأت تظهر على السطح من خلال اجتماعات وزراء خارجية تركيا، وباكستان، ومصر، والسعوديّة، واحتمال انضمام إيران إليهم مستقبلًا، للوقوف أمام عبث كيان الاحتلال في المنطقة، ويقابل ذلك وجود تحالف مضاد تقوده كيان الاحتلال ومعها الإمارات، وإثيوبيا، والهند.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار






.png)