أصيل علي البجلي
تتجاوز ظاهرة النفير العام للقبائل اليمنية في المنظور الاستراتيجي حدود الحشد العسكري التقليدي، لتدخل في طور الهيكلة العقائدية الصلبة التي تدمج وعي الجغرافيا ببأس العقيدة.
إن هذا التدفق البشري القبلي المتسق مع موجهات القيادة، يمثل تجلِّيًا حيًّا لمعادلة "الفتح الموعود" التي أسّست لنمط جديد من الردع الشامل لا يقاس إلا بمدى الارتباط بمصادر القوة الإلهية.
القبيلة اليمنية اليوم أصبحت بنية منظمة تتحَرّك بوعي قرآني حاد، يحول جبالها وتضاريسها المنيعة إلى منصات استراتيجية لكسر غطرسة الاستكبار العالمي وقطع دابر المؤامرات التي تحاك ضد السيادة الوطنية.
إن لاهوت الردع الناشئ من بطون المنهجية القرآنية يفرض على قوى الباطل المعاصرة، وعلى رأسها ثلاثي الشر وأدواتها الإقليمية، مراجعة حساباتها الساقطة أمام ثبات الأرض والإنسان؛ فالتحَرّك القبلي اليماني ينطلق من استبصار عميق لسنن المواجهة، مستندًا إلى قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}، وهي الآية التي تلخص طبيعة الدور القبلي المسند بالوعد الإلهي، حَيثُ يتحول البأس اليماني الشرس إلى أدَاة للتنكيل التاريخي بكل من تجرأ على حصار هذا الشعب أَو النيل من كرامته.
هذا النفير هو هندسة عسكرية واعية لبنية دفاعية وهجومية قادرة على إدارة صراع طويل الأمد وإسقاط المنظومات التكنولوجية الحديثة للعدو تحت أقدام الحفاة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاستجابة الفورية والصارمة لنداء السيد القائد تحفظ للقبيلة دورها الطليعي كصمام أمان للأُمَّـة، وتجعل من تلاحمها مع القيادة حقيقة موضوعية تدمّـر أوهام الاختراق أَو التحييد.
إن شراسةَ الموقف القبلي اليمني تنبع من إدراك جمعي بأن التراجع في معارك الشرف هو انتحار استراتيجي، وهو ما ينسجم مع الحكمة البليغة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حين قال: "رُدُّوا الْحَجَرَ من حَيثُ جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّرُّ".
وهذه الحكمة تمثل العقيدة القتالية الحالية للقبائل اليمنية، فكل حجر وكل اعتداء وكل حصار يُردّ على قوى العدوان بضربات أشد نكالًا وبأسًا، في البر والبحر، وبخيارات عسكرية لا سقف لمدياتها.
إن الرسالة العسكرية القاسية التي يسطّرها النفيرُ العام اليومَ بدم النخوة اليمانية تقول لقوى الاستكبار:
إن اليمن بات يمتلك سيكولوجية ثبات مغايرة، مبنية على التضحية الواعية والتفويض المطلق لقيادته، وإن أية مغامرة قادمة لتركيع هذا الشعب ستواجَهُ بإعصار قبلي جارف يسحق ما تبقى من هيبة عروش الطغاة، متمسكًا بقول الجبار جل وعلا: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}.
ليبقى النفير اليماني معادلة ردع لاهوتية وميدانية لا تقبل المساومة ولا التراجع حتى تحقيق النصر الكامل وتطهير كُـلّ شبر من تراب الوطن.






.png)