أعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين، وارضَ اللهم برضاك عن الشهداء الأبرار، الذين منحتهم شرف الشهادة في سبيلك، ابتغاء مرضاتك، وإعلاءً لكلمتك، ونصرةً للمستضعفين من عبادك، ومنحتهم من عظيم المجد والزلفى لديك، ما قلت عنه في كتابك الكريم، وقولك الحق:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:169-171].
صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيْم
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
وتحية الإعزاز والتبجيل والتقدير لكلِّ أسر الشهداء الصابرة المحتسبة.
يحيي شعبنا العزيز الذكرى السنوية للشهيد، كمناسبةٍ عزيزة، لها قيمتها الإيمانية، تكتسب قدسيتها، وعظمتها، وأهميتها، من القدسية التي جعلها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" للشَّهادة في سبيله، وللشهداء في سبيله، وفي المناسبة هذه يحييها شعبنا العزيز وهو يقدِّم كل يوم قوافل الشهداء، ويحمل راية الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ويتصدى لهجمة الطاغوت المستكبر الظالم المجرم، الذي يعتدي على شعبنا بغير حق، ظلمًا وعدوانًا، وبغيًا واستكبارًا، وشعبنا العزيز ثابتٌ على موقفه وفي نهضته التحررية التي يسير فيها على طريق الحق، متحررًا من سيطرة الطاغوت المستكبر الظلامي.
وشعبنا العزيز حينما يحيي هذه الذكرى بشكلٍ سنوي، يسعى من خلال ذلك إلى:
- ترسيخ المفهوم القرآني عن الشهادة في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الذي هو مفهومٌ عظيم، نتحدَّث عنه في سياق هذه الكلمة.
- وأيضًا لتمجيد أرقى وأسمى عطاء، وهو عطاء الشهداء في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتضحياتهم.
- ولاستلهام أعظم الدروس المستفادة من سِير الشهداء، ومآثرهم، ومواقفهم، وثباتهم، بما يزيدنا كشعبٍ يمنيٍ مسلم مجاهد، عزمًا إلى عزمنا، وثباتًا إلى ثباتنا، ويحيي فينا هذه الروحية العظيمة، التي لها أهميتها الكبيرة في كسر كل قيود الخوف والأغلال، التي يحاول الطغاة، والجبابرة، والظالمون، والمستكبرون، أن يكبِّلوا بها شعوب أمَّتنا الإسلامية، من أجل تدجينها؛ بما يسهِّل لهم السيطرة عليها، والتحكُّم بها، والاستعداد لها.
فشعبنا بإحيائه لهذه المناسبة يحيي هذه الروحية أكثر فأكثر، وهي روحية تحرر الشعوب من أسر الخوف، وتجعل الأمة في مستوى انطلاقتها وفاعليتها على درجة عالية، لا يتمكَّن الطغاة أبدًا من إذلالها، ولا الهيمنة عليها.
والشهداء في سبيل الله هم نماذج ملهمة في عطائهم، في أخلاقهم، في قيمهم، في ثباتهم، وكذلك تستلهم الأمة منهم عظيم الصبر، وعظيم العطاء، وعظيم الثبات في نصرة الحق، وفي المواجهة للطغيان، وفي الذود عن المستضعفين.
والشهادة في سبيل الله هي منزلةٌ عالية، ودرجةٌ رفيعة في الفضل، والأجر، والمقام عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يطمح لها أولياء الله؛ ولذلك حينما نتأمل في الآيات المباركة الكريمة، التي تلوناها في قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[آل عمران:169-170]، يتبيَّن لنا فوز الشهداء، وعظيم منزلتهم عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفضل الشهادة في سبيل الله.
وأتى هذا العنوان المهم في القرآن الكريم: {الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[آل عمران:169]، بما يعنيه، بمصاديقه، بمفاهيمه التي لها أهمية كبيرة جدًّ ا، حينما تعيها الأمة بشكلٍ صحيح؛ حتَّى تتحرك في إطار ذلك على بصيرةٍ وبيِّنةٍ من أمرها.
{فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[آل عمران:169]، هو عنوانٌ عظيم، يربط الإنسان بأرقى الأهداف، وأسمى الغايات، وأعظم المبادئ، وأشرف القيم، وبالموقف الحق، والقضية العادلة، والأخلاق الكريمة؛ لأنه يجعل انطلاقة الإنسان من أجل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، استجابةً لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فعلى مستوى الدافع، يكون دافعًا نظيفًا، سليمًا من كل الشوائب الأخرى، وراقيًا، وعظيمًا، وساميًا، لا ينطلق الإنسان كما هي الحالة السائدة في واقع البشر، في خصوماتهم، في مواقفهم، عادةً ما يكون المنطلق في أكثرها منطلقات سيئة، ظالمة، يتَّجه فيها الناس من خلال أطماعهم، من خلال أحقادهم، من خلال دوافع سلبية في معظمها؛ أمَّا حينما يكون الدافع بهذا المستوى الراقي والعظيم: من أجل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فهو دافعٌ نقي، سليمٌ من كلِّ الشوائب، وراقٍ، يسمو فوق كلِّ الاعتبارات، فوق كلِّ الحسابات، فوق كلِّ الدوافع، دافعٌ عظيم، يجعل الإنسان ينطلق بنفسٍ زكية، وبسموٍ في موقفه، وباندفاعٍ عظيمٍ- في نفس الوقت- بمستوى إيمان الإنسان، وبمستوى علاقته الإيمانية بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
وأيضًا وفق تعليمات الله "تَبَارَكَ وَتَعَالَى"، الانطلاقة في سبيل الله، كما هي على مستوى الدافع: من أجل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هي على مستوى الموقف، وعلى مستوى التحرك، وعلى مستوى الأهداف العملية، وعلى مستوى المسيرة العملية: وفق تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وتوجيهاته "جَلَّ شَأنُهُ"، وهي أرقى التعليمات، تعليمات تجعل الإنسان ينطلق في إطار الموقف الحق، والقضية العادلة، ويتحرَّك من أجل إرساء قيم الخير، والحق، والعدل، تعاليم عظيمة ومباركة، ليس فيها ظلمٌ للناس ولا بغي، وليس فيها أبدًا ما يشوِّه توجُّه الإنسان، أو يسيء إلى الإنسان في ما يفعله ويقوم به في إطار ذلك، وفي التزامه بذلك، فهي شرفٌ عظيم.
منطلقات الكثير من الناس في مواقفهم، والساحة البشرية ساحة فيها الكثير من الخصومات، من الصراعات، من المواقف، من التحركات، على مستوى الحروب والقتال، والمنطلقات فيها- كما ذكرنا- فيها الكثير من السلبيات، والدوافع السلبية، والأهداف السيئة، وأيضًا على مستوى المسيرة العملية والأهداف التي يتحرك الكثير فيها، أهداف إمَّا ظالمة وسيئة، كما هو حال الكثير من القوى المعروفة في الساحة البشرية، في المجتمع البشري، تتحرك لتقاتل، لكن من أجل ماذا؟ من أجل الظلم، والسيطرة، والاستحواذ، والطغيان، والبطش، والجبروت والأطماع، هذه حالة قائمة بشكلٍ كبير في واقع الناس، يتحرك فيها دول وكيانات كبيرة، بإمكاناتها الهائلة، وما تفعله في سبيل ذلك، هو ارتكاب أفظع الجرائم، والمظالم، والمساوئ، وتحوِّل الساحة البشرية إلى ساحة مليئة بالظلم، تسفك الدماء، وتزهق الأرواح، وترتكب أبشع الجرائم من أجل أهدافها السيئة الظالمة، من أجل استحواذها على الشعوب، والسيطرة على مقدراتها، وثرواتها، واحتلال الأوطان... وغير ذلك.
الكثير من الرؤى، التي عادةً ما تكون حاكمةً لتحرك الكثير من القوى في الأرض، رؤى فيها الكثير من الباطل، رؤى ظلامية، ورؤى فيها النقص الكثير، فيما لا يليق بالإنسان أن يكون عليه كإنسان في مستوى القيم الإنسانية، في مستوى التركيز على ما فيه الخير، فيه الحق والهدى للناس، فيه الصلاح للناس، الصلاح لحياتهم؛ أمَّا تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فهي الحق، والعدل، والخير، التي عندما يسير الناس عليها، ويتحركون وفقها، فهم يلتزمون بما فيه الحق، بما فيه الخير، بما فيه العدل، بما فيه الصلاح، وما يرسونه من هذه المبادئ والتعليمات والأهداف هو خيرٌ للناس، فلاحٌ للناس، صلاحٌ للناس؛ لأن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو غنيٌ عن العالمين، غنيٌ عن أعمالهم، عن جهادهم، عن طاعتهم، {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[العنكبوت:6].
فحينما تتحرَّك أمةٌ في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هي تحرر نفسها من سيطرة الطاغوت، والظالمين، والمستكبرين، والمجرمين، وهي تكتسب المنعة والتأييد الإلهي، والمعونة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لمواجهة الأشرار.
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" حينما يدعونا إلى الجهاد في سبيله، والقتال في سبيله، من هم في مثل هذا الموقف أعداؤنا؟ من هم خصومنا الذين نقاتلهم، الذين يدعونا الله ويأمرنا بأن نقاتلهم؟ هم الأشرار، المجرمون، الطغاة، المفسدون، الظالمون، المستكبرون، الذين يتَّجهون- أصلًا- بكل شرِّهم، وإجرامهم، وطغيانهم، لاستهداف المجتمعات البشرية، لاستهدافنا نحن كأمة؛ بهدف الاستعباد لنا، والظلم لنا، والإذلال لنا، والقهر لنا، والاستباحة للحرمات، وانتهاكها بكلها.
الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هو يحقق لنا كأمةٍ الحُرِّيَّة في مفهومها الحقيقي من سيطرة الطغاة، والظالمين، والمجرمين والمستكبرين، والمفسدين، والأشرار، ويجعلنا في موقع القوَّة، في موقع الموقف، في موقف المنعة، للتصدي لشرهم، لإجرامهم، لطغيانهم، لفسادهم، لظلمهم، وهذا ما نحتاج إليه، في واقع الحال نحن بحاجة إلى الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وإلى التحرك في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لنحظى بمعونة الله، بتأييده، ولنكون وفق تعليماته، في إطار الاتِّجاه الصحيح، والموقف الصحيح، والقضية العادلة، والموقف الحق، ونتحرك من أجل أهداف عظيمة، مقدَّسة، سامية، تستحق منَّا أن نتحرَّك من أجلها، ومن الشرف لنا حينما نضحِّي، أن نضحِّي ونحن نحمل تلك الأهداف القيِّمة التي رسمها الله لنا، ونسمو كذلك ونحن نسعى للوصول إلى تلك الغايات العظيمة، التي حددها الله لنا، وفي مقدِّمتها: رضوان الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وما وعد به أولياءهم.
ولهذا حينما قال الله عن الجهاد في سبيله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}[الصف:11]، خيرٌ لنا في الدنيا، وخيرٌ لنا في مستقبلنا العظيم في الآخرة، خيرٌ لنا في الدنيا، بما يتحقق لنا من العزَّة، العزَّة الإيمانية، {وَلِلَّهِ الْعزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون:8]، من القوَّة حينما نتحرك في سبيل الله، ونحظى بمعونة الله والتأييد من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونأخذ بأسباب النصر، ونكون أمةً منيعةً، عزيزة، عصيةً على الظالمين، على المستكبرين، على الطغاة، بدلًا عن حالة التدجين؛ لأن البديل عن التوجُّه في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله بالمفهوم الصحيح، هو حالة التدجين، التي تخضع الأمة للطغاة، للمجرمين، للظالمين، للمستكبرين، وتجعلها لقمةً سائغة، وفريسةً سهلة، يطمعون في السيطرة عليها، في الاستحواذ على مقدراتها، في الاحتلال لأوطانها، في الاستعباد لها، في الاستباحة لها، في الانتهاك لحرماتها، وهذا ما يحدث في واقع الأمة؛ لأن من المعلوم في واقع المجتمعات البشرية، أنَّه لا بدَّ لأيِّ شعب يريد العزَّة لنفسه، يريد السلامة لنفسه، يريد الوقاية لنفسه، يريد الحماية لنفسه، أن يكون في مَنَعة، في قوَّة، في تمكُّنٍ من الصدِّ لأي عدوانٍ يستهدفه، لأي أطماعٍ تستهدفه من جهات هنا أو هناك، وتؤدِّي إلى أن تتحرك تلك الجهات لاستهدافه بشرِّها، وظلمها، وإجرامها.
فحالة التدجين هي الحالة الخطيرة على الناس، وكذلك حالة التحريف لمفهوم الجهاد في سبيل الله، وتوظيف هذا العنوان لخدمة الأعداء، كما سيأتي الحديث في سياق هذه الكلمة إن شاء الله.
فعلى كلٍّ، الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ضد الطغاة والمجرمين، الظالمين، المفسدين في الأرض، هو عملٌ عظيم، ومقدَّس، ومشرِّفٌ لأمةٍ تتحرك فيه، وفي نفس الوقت الأمة بحاجة إلى ذلك؛ لتدفع عن نفسها شرَّ الأشرار، شرَّ الطغاة، شرَّ المجرمين، هذه وسيلة لحماية الناس من جهة، لتحريرهم من هيمنة الطاغوت، ووسيلةٌ للمنعة، للعزَّة، للقوَّة، تحمي الأمة، ومع قدسية وعظمة هذا الموقف، وللتحفيز الكبير عليه لأن تتحرك الأمة فيه، أتت الشهادة في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" كعطاءٍ إلهي لمن يُقْتل في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هذا يبيِّن لنا عظمة الموقف، عظمة أن تكون مجاهدًا في سبيل الله، شيءٌ عظيم، شرفٌ كبير، أنت في أشرف موقف، في أعظم موقف، موقف يجعل لك منزلتك العالية عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأنه عمل عظيم، له أهميته الكبيرة في نتائجه وثمرته في الحياة؛ لأنه بدونه لا يمكن إرساء قيم الحق، والعدل، والخير في المجتمع، يأبى الأشرار والطغاة والمجرمون ذلك، ويسعون إلى السيطرة بشرهم، بإجرامهم، بطغيانهم، على المجتمعات البشرية، فحينما تتَّجه أمة لإرساء تعاليم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" القيِّمة، بما يحقق في واقع الناس الخير، والعدل، والصلاح، يتَّجه أولئك الأشرار تلقائيًا ومباشرةً بشرِّهم، بإجرامهم، بطغيانهم، لمحاربة ذلك، هم يحاولون أن يطبعوا طابع الحياة كلها بظلمهم، بإجرامهم، بفسادهم، بسيطرتهم، باستعبادهم للناس... هكذا هم الأشرار، الظلاميون، المجرمون، هذه هي نتيجة انتمائهم للباطل، للشر، توليهم للشيطان: أن يكونوا بهذا المستوى من السوء من الشر، من الخطورة على المجتمعات البشرية، لا يدعونها وشأنها.
ولهذا مهما كان هناك شعبٌ مسالمٌ، يريد الخير للناس من حوله، والخير لنفسه، ويريد الصلاح، ويريد الفلاح، ولو اتَّجه اتِّجاهًا لا يعادي فيه أحدًا، لن يسلم من شرهم، هم سيستهدفونه ابتداءً، طالما وهناك في واقعه ما يطمعهم، أو يستثيرهم مما هو عليه من قيم الحق والعدل والخير، ولو على مستوى واقعه، لاتَّجهوا لاستهدافه.
انظروا- مثلًا- إلى واقع الشعب الفلسطيني ما قبل الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني له، هل كان من جانبه شيء في موقف معيَّن، أو عدوان معيَّن، أو تحرك معيَّن ضد اليهود، أو ضد بريطانيا؟ لا، لم يكن من جانبه أي شيء، لا ضد اليهود، ولا ضد بريطانيا، وهو شعب مستضعف، مظلوم، مضطهد، واتَّجهوا لاستهدافه ابتداءً بأطماعهم، لديهم تلك الدوافع الشريرة، دوافع الشر والإجرام، أطماع، وأحقاد، وأهواء، وغطرسة، وطغيان، واستكبار تحركهم.
ولذلك حينما تتحرك أمةٌ وفق تعاليم الله القيِّمة، العظيمة، التي هي قائمة على الرحمة، والحكمة، والخير، والعدل، والصلاح، والفلاح للأمة التي تتحرك فيها، وللمجتمع البشري من حولها، تعاليم الله هي نور، نورٌ للبشر، نورٌ للناس يخرجهم من الظلمات، هي فلاح، هي عدل، هي نجاة، هي خيرٌ بكل ما تعنيه الكلمة للمجتمعات البشرية، حينما تتحرك أمةٌ وهي تحملها، وتتحرك من أجلها؛ فأولئك الأشرار الذين يشكِّلون خطرًا على المجتمع البشري، هم أعداء هذه التعليمات، هذا النور، هذا الهدى، أعداء للحق، وللعدل، وللخير، وللقيم التي تصلح المجتمع البشري، وتصلح بها حياة الناس، فالخصومة معهم.
ولذلك حينما يتحرك من يتحرك في هذا الاتجاه، فهو يتحرك ويحظى بهذا الشرف العظيم: في سبيل الله، في مواجهة الأشرار، والطغاة، والظالمين، والمجرمين، والمستكبرين، يقدِّم بتحرُّكه ذلك خدمةً للإنسانية، خدمةً للمجتمع، إحسانًا عظيمًا إلى الناس لإنقاذهم، إنقاذهم من الأشرار، من الطغاة، وإذا استشهد، إذا قُتِل وهو في هذا الطريق، وهو في هذا التحرك، وهو في هذا الموقف الحق، وهو يتحرك في إطار القضية العادلة؛ يكافئه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بأن يجعله شهيدًا في سبيله، يقابل عطاؤه وتضحيته بحياته، وهو يقاتل في سبيل الله، يتحرك في سبيل الله، يقابل الله هذا العطاء بعطاءٍ عظيم؛ لأنه لا خسارة مع الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" منح الشهداء الذين قُتِلوا في سبيله، منحهم هذا المقام العظيم، وهذا العطاء العظيم جدًّا: أن منحهم حياةً سعيدة، حياةً حقيقية، يحيون فيها بكامل مشاعرهم، يحظون فيها مع التكريم العظيم، والمنزلة الرفيعة، والدرجة العالية، يحظون فيها بالرزق الواسع، والعطاء العظيم، والسعادة الخالصة من كلِّ المنغصات، كما في الآية المباركة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}[آل عمران:169]، فهو يؤكِّد على أنهم أحياء، ويجعل من هذه ميزةً خاصةً بهم؛ لعطائهم في سبيل الله، لتضحيتهم في سبيل الله، قابل الله عطاءهم بهذا العطاء العظيم جدًّا، ينتقلون من هذه الحياة الدنيا، إلى حياةٍ أرقى، أسمى، أسعد، أهنأ، أطيب، في نعيمٍ عظيم، في تكريمٍ كبير، تكريم بهذا المستوى: في ضيافة الله، ضيافة خاصة، تجمع لهم حالة الحياة السعيدة والهنيئة، والتكريم المعنوي.
{بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}[آل عمران:169]، فيما يعنيه ذلك من عظيم المنزلة، والزلفى عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والنعيم، والتكريم، والرعاية العجيبة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الرعاية العظيمة، رعاية فيها تكريمٌ كبيرٌ لهم.
{بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}[آل عمران:169]، هذا يفيد أنها حياة حقيقية، وإن لم يكن لدى الناس تصور عن تفاصيلها؛ لأن هذا فوق مستوى إدراكهم وشعورهم، كما قال في الآية المباركة: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}[البقرة:154]، ولكنها حياةٌ حقيقية أكَّد عليها الله في القرآن الكريم.
{بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[آل عمران:169-170]، هم في حالة سرور دائم بما وهبهم الله من فضله العظيم والواسع، وهذا عنوان عظيم جدًّا: {بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[آل عمران:170]، يفيد أنَّ عطاء الله لهم، والنعيم الذي وهبهم، والحياة السعيدة التي أعطاهم، بكل ما يعطيهم فيها، تجعلهم في ذلك المقام في حالة فرحٍ، وسرورٍ، واستبشارٍ دائم، وهذه أيضًا من حالة التكريم، ومن عظيم النعيم، أن يكونوا في حالة فرح، واستبشار، وسرور على الدوام، ليس هناك أبدًا ما ينغِّص ما هم فيه من النعيم العظيم، أصبحوا في حياةٍ سعيدة، سليمةٍ من كل المنغِّصات.
الفرح في واقع حياتنا في هذه الدنيا، ولا سيَّما مع ما عمله الطغاة، والظالمون، والمجرمون، والأشرار، ومع تفريط الأمة في واجباتها المقدَّسة لقرونٍ من الزمن، بما مكَّن الطغاة، والجبابرة، والظالمين، والأشرار، من أن يملأوا الدنيا ظلمًا، وجورًا، وشرًا، وفسادًا، حتَّى كدَّروا حياة المجتمعات البشرية، وملأوها بالمحن، والأشجان، والمنغِّصات، والأزمات، وحوَّلوا حياة المجتمع البشري إلى حياةٍ مأزومةٍ، ومليئةٍ بالمظالم، والمفاسد، والجرائم، بشكلٍ رهيبٍ جدًّا، وهذا هو الواقع، يعني: كلما تمكَّن الطغاة والأشرار، إنما يتَّجهون بكل إمكاناتهم، بكل قدراتهم، بكل ما لديهم، إلى توجيهها تجاه الناس، تجاه حياة الناس.
ولذلك نرى- مثلًا- كيانات في المجتمعات البشرية تمتلك إمكانات هائلة، وقدرات ضخمة على مستوى الإمكانات المادية: قدرات عسكرية، قدرات اقتصادية، ومعها أيضًا قدرات وإمكانات على كافَّة المستويات، وفي كل المجالات: قدرات إعلامية... قدرات في كل المجالات، ولكن كيف توظَّف هذه القدرات؟ هل بما فيه خيرٌ وصلاحٌ للمجتمعات البشرية، أو أنَّ تلك القوى والكيانات بقدر ما امتلكت من إمكانات وقدرات ونفوذ، اتَّجهت لتوظيف كلِّ ذلك في الطغيان، في الإجرام، في الظلم للمجتمعات البشرية؟
نموذجٌ منها: أمريكا، أمريكا بقدراتها وإمكاناتها الهائلة، لو كانت من قوى الخير، وقوى الصلاح، ووظَّفت كل هذا النفوذ في الساحة البشرية، كل تلك الإمكانات الهائلة لمصلحة المجتمعات البشرية، لإقامة العدل، لإقامة الخير في واقع الناس، كيف سيكون الواقع؟ كيف ستكون الساحة العالمية؟ لكنها وظَّفت كلَّ ذلك لظلم المجتمعات البشرية في أنحاء واسعة من الأرض، استخدمت حتَّى السلاح النووي، والقنابل النووية لقتل مئات الآلاف من المجتمعات البشرية، أطفالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، تصمم أفتك أنواع الأسلحة لتدمير المدن، هكذا مخصصة، يعني: تصنع قنابل من أفتك أنواع السلاح، ومن أشدها تدميرًا وفتكًا وقتلًا، لاستهداف المدن، ومن المعروف أنَّ المدن يعني التي يعيش فيها الناس، التي هي مزدحمة بالمجتمعات البشرية، بالشعوب نفسها، يعني: ليست معسكرات، المدن ليست معسكرات، أحياء سكنية تقطن فيها المجتمعات البشرية المدنية، فالأمريكي بقدراته، إمكاناته الهائلة، يحرص على أن يصمم أفتك أنواع السلاح لتدمير المدن، والقتل والإبادة لسكانها... وهكذا يوظِّف القدرات الإعلامية لنشر الضلال لنشر الفساد، لتدجين الشعوب، لإغوائها، لإفسادها... وهكذا بقية القدرات والإمكانات.
ولهذا ندرك هذه الحقائق المهمة جدًّا في كيف تتحرك قوى الشر، قوى الإجرام، قوى الطغيان، وفي المقابل ندرك قيمة وأهمية وعظمة التحرك في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأنه هو الاتِّجاه الصحيح، الذي يقدِّم للمجتمعات البشرية الخير، الحماية من الظلم؛ لأن الله يقول في كتابه الكريم: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران:108]، يعني: على المستوى العالمي، لا يريد الله لأيِّ مجتمع من المجتمعات البشرية أن يُظْلَم، فما بالك بالمجتمعات المسلمة، التي تنتمي إلى هذا الدين، والتي ينبغي أن تكون في منعة، وعزَّة، وقوَّة، وحماية، من أن تكون شعوبًا يسحقها الأعداء بكل بساطة، مدجَّنة، ضعيفة، لا تمتلك أي مقومات للثبات والمواجهة، بل بعيدة كل البعد من أن تؤدِّي هذا الدور الذي تتحرك فيه وهي تحمل إرادة الخير للمجتمعات البشرية، وتسعى لإقامة العدل في الواقع العالمي، وحماية الشعوب المستضعفة، والسعي لهدايتها والإصلاح لها، لكن هذا هو الحال عندما يبتعد الناس عن مثل ذلك.
فعظمة الموقف في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، له أهميته الكبيرة في سعادة المجتمعات البشرية، قوى الشر، قوى الطغيان، ملأت هذا العالم على المستوى النفسي، وحتَّى في شعوبها، بالحزن، بالشر، بالطغيان، بالإجرام، بالمظالم، جعلت من الواقع البشري في معظمه مأساةً حقيقية، فتجد معظم الشعوب تعيش حالة المأساة، حالة المحن على المستوى النفسي والمعنوي؛ ولهذا كما يقول الله في الآية القرآنية المباركة، التي يتجلَّى لنا فيها عظمة ما يعيش الشهداء فيه من نعيمٍ وتكريم، يقول عنهم: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[آل عمران:170]؛ لأنهم يعملون على أن يقدِّموا لهذه المجتمعات البشرية الخير، الفلاح، النجاح، بما فيه السعادة لها، الخير لها، فالله جعلهم ينتقلون إلى حياة يعيشون فيها حالة السرور الدائم، السَّلامة من كل المنغِّصات.
إذا كانت الفرحة في واقع شعوبنا وأمتنا حالة نادرة، وحالة عابرة، لا تستقر للإنسان في واقعه، إذا فرح بشيء، إذا سُرَّ بشيء، كان مسرورًا بشيءٍ ما، أتى بعده الكثير مما يحزنه، مما يشجيه، مما يجعله مكدَّرًا منغَّصًا في ذلك.
{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[آل عمران:170]، فهذا من عظيم نعيمهم: أنهم في حالة فرح وسرور على الدوام، وهذه حالة قد لا توجد أصلًا في واقع البشر على الأرض.
{وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[آل عمران:170]، هم أيضًا فيما هم فيهم من نعيم، أيضًا يستبشرون لرفاق دربهم، السائرين في ذلك النهج، في ذلك الطريق، أنَّهم متَّجهون إلى ذلك النعيم العظيم، فهم يفرحون لهم، ويستبشرون لهم، يعني: جزءٌ من سرورهم، سرورهم لأنفسهم بما هم فيه من النعيم، وجزءٌ من سرورهم، لاستبشارهم بما سيحظى به رفاقهم، الذين يسيرون معهم في طريق الحق في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، أنهم سيصلون إلى هذا النعيم العظيم، والتكريم الكبير.
{أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}[آل عمران:170]؛ لأنهم في طريق السعادة، طريق الفوز العظيم المؤكَّد اليقين، وكذلك في اتِّجاه لا يشعر الإنسان فيه بالندم أو الخسارة، أنَّه خسر حياته، وخسر ما كان فيه في هذه الدنيا، بل يرى أنَّه ربح وفاز فوزًا عظيمًا، وانتقل إلى ما هو أعظم، وأسمى، وأكرم، وأرقى، من النعيم، من التكريم، من الحياة السعيدة، الهنيئة، السليمة من كل المنغِّصات.
{أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ}[آل عمران:170-171]، فهم فيما هم فيه في نعيمٍ عظيم، وهم أيضًا يتجلَّى لهم وهم في عالم الشهادة والشهداء، في عالم التكريم والضيافة الإلهية، أنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أعدَّ لهم ما هو أعظم أيضًا من النعيم، من نعمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من فضله الواسع الكبير، الذي يشمل كل ما يرغب فيه الإنسان، وتطمح له نفسه من النعيم والتكريم، وأرقى من أماني الإنسان، ما يفوق تخيل الإنسان أصلًا، فهم في نعيمٍ وتكريمٍ عظيم، وهم في نفس الوقت يتجلَّى لهم، يشاهدون في عالمهم ذلك، يشاهدون أيضًا مما هو في مستقبلهم في جنَّة المأوى، في جنة الخلد، من النعيم العظيم، في مستقبلهم الأبدي والدائم الذي لا نهاية له، فهم يستبشرون أيضًا بما سيمنحهم الله في ذلك المستقبل.
{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:171]، ما بذلوه من العمل الصالح، ما قدَّموه من جهود، ما بذلوه من جهود، ما واجهوه في سبيل أدائهم لمسؤولياتهم الجهادية والمقدَّسة، من عناء، من صعوبات، من متاعب، من ظروف معينة، يدركون أنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لم يضعِ شيئًا من أجرهم، ما كانوا يسمعون عنه من أجرٍ عظيم، من فضلٍ كبير، أصبحوا هناك يعاينونه، يشاهدونه، يرونه، فهم أصبحوا على يقينٍ أكثر، واطمئنان أكثر، ومعاينة ومشاهدة، كانوا في الدنيا على يقينٍ وثيقة بوعد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأنَّه لا يخلف وعده، ولكن في مقام الشهداء، من هناك أصبحوا يدركون ويعيشون هذا النعيم العظيم، ويرون أيضًا ما هو مدَّخرٌ لهم في مستقبلهم في جنَّة المأوى.
{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:171]، المؤمنين الذين استجابوا لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وانطلقوا في سبيله، ووثقوا بوعده، فتحرَّكوا وهم على ثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
فلهذا نرى أنَّ الشهادة بنفسها، بما فيها من النعيم والتكريم العظيم جدًّا، هي تحفيز كبير للتحرك في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، تحفيز كبير على الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأنها أولًا تعالج أكبر عائق قد يعيق الكثير من الناس من الانطلاقة، وهو خوفهم من أن يقتلوا عندما يتحركون في سبيل الله، مع أنَّ الأمة تتكبَّد الخسائر الأكبر إن لم تتحرك في سبيل الله، يقتلها الأعداء، يبيدها الأعداء، تتكبَّد الخسائر الكبيرة جدًّا دون ثمرة لما هي فيه من خسارة، من اضطهاد، من ظلم، من استعباد، من قتل، من استباحة، ومن دون موقف، من دون أن تكون في موقفٍ مثمر، من دون أن تكون تضحياتها في إطار الموقف الذي يستهدف الأعداء: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}[التوبة:111]، بدلًا من ذلك تكون في وضعية استباحة وسحق يسحقها الأعداء وتتكبَّد الخسائر الكبيرة.
فالشهادة في سبيل الله تعالج هذا العائق النفسي، ويندفع الإنسان مستبسلًا في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهو يدرك أنَّه في حال قُتِل في سبيل الله؛ حظي بالشهادة، بهذا المقام العظيم الرفيع، بالحياة السعيدة، التي يعقبها أيضًا امتدادها هو الحياة الأبدية، يعقبها والامتداد لها هو الحياة الأبدية في سعادةٍ عظيمة، ونعيمٍ كبير، وتكريمٍ عظيم، فهي تحفيز كبير.
وفي نفس الوقت هي مواساةٌ عظيمة لأسر الشهداء، عندما ينطلق ابنك، أو أبناؤك، أو إخوتك، أو أقاربك، واستشهد البعض منهم في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فالله طمأنك عنهم، عن مستقبلهم، عن مقامهم، أنهم شهداء في سبيل الله، والشهيد يحظى بهذا الشرف العظيم، بهذه السعادة العظيمة، بهذه الحياة الهنيئة، {عِنْدَ رَبِّهِمْ}[آل عمران:169].
الأم عندما تقلق على ابنها، فالشهيد هو عند ربه، عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في ضيافة الله، في الزلفى عند الله، في الكرامة التي أعدها الله له، يحظى بالرعاية العظيمة من رحمة الله، وفضله، ونعمته، وكرمه، بما لا يمكن أن يتخيله الإنسان، مستوى عظيم جدًّا فوق خيال الإنسان.
فهو مواساة لكلِّ أسر الشهداء؛ ولهذا نرى- مثلًا- حينما تحمل الأمة هذا الوعي، هذه الثقافة، هذه البصيرة، وتستوعب هذه المفاهيم القرآنية، كيف تكون الأسر التي تقدِّم الشهداء في سبيل الله معتزةً غاية الاعتزاز بما قدَّمته في سبيل الله، وأنَّ أبناءها شهداء في سبيل الله، صابرة ومحتسبة، وهذا ما نراه في مجتمعاتنا المجاهدة التي تتحرك في سبيل الله، كيف هو صبرها، وثباتها، واستبسالها، {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا}[آل عمران:146]، مجتمعات صامدة مهما قدَّمت من شهداء، إنما تزداد ثباتًا، وعزمًا، وصمودًا، واستبسالًا في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، لا تنكسر إرادتها، ولا يوهنها ذلك بل تزداد ثباتًا وصمودًا، فما نرى عليه أقارب الشهداء في منطقهم، منطق يعبِّر عن حالة الثبات، عن حالة الاحتساب عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لِمَا قدَّموه في سبيل الله، منطق يعبِّر عن الصبر، الأمهات، أقارب الشهداء بشكلٍ عام، ومجتمعهم المجاهد من حولهم، عبارات كلها عبارات قوية، تعبِّر عن ثبات، عن قوَّة، عن صمود، عن استبسال، وعن اعتزاز بالشهداء، وبالتضحيات في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
فروحية العطاء في سبيل الله، والشهادة في سبيل الله، هي روحية إيمانية، ترتقي بالأمة التي تحملها لمواجهة أعتى الطغاة، وأشرَّ الأشرار، وتحمّل الصعوبات، والثبات في مواجهة التحديات مهما كان مستوى التحديات، أمة تعتصم بالله، تثق بالله، تتوكَّل على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتنطلق في مسيرة حياتها، تجعل حياتها لله، ومماتها لله، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162]، هذه الروحية العالية التي تجعل الأمة في مستوى متقدِّم وقوي في مواجهة الطغاة، والجبابرة، والظالمين، أمة لا تنكسر بجبروت الطغاة، بظلمهم؛ لأن الطغاة، والجبابرة، والأشرار، يلجأون إلى استخدام وسائل الطغيان والجبروت للفتك بالشعوب، للفتك بالناس، للاستهداف للمستضعفين، يمارسون الجرائم: جرائم الإبادة، جرائم القتل للناس، صغارًا، كبارًا، الاستهداف الشامل.
لكن حينما يكون في مواجهتهم أمة تتَّجه وهي تحمل روحية الشهادة في سبيل الله، ببصيرة وبيِّنة، بوعيٍ صحيح، باتجاه صحيح، في إطار الموقف الحق، والقضايا العادلة، والاتجاه الذي ينسجم كليًا مع القرآن الكريم، فالأمة تكون ثابتة، لا تنكسر أبدًا في مواجهة أولئك المجرمين والطغاة.
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}[التوبة:111]، بهذه الروحية المعطاءة الصابرة، المنشدة إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في ما تقدِّم من تضحيات، وهي تعي بأنها رابحة مع الله، وأنَّه لا خسارة مع الله نهائيًا، وأنَّ التضحيات التي تقدَّم في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يقابلها في المقابل الفوز العظيم، العطاء الإلهي الكبير: {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}[التوبة:111]، مع العطاء في الدنيا، أنَّ الله يعطي الأمة المجاهدة في سبيله، المضحية في سبيله، يعطيها العزَّة، والمنعة، والنصر، والقوَّة، ويجعلها تعيش في هذه الحياة بِحُرِّيَّة حقيقية، لا تخضع للطغاة والمستكبرين والظالمين، تعبِّد أنفسها لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ولا تخضع للطغاة، والجبابرة، والظالمين، والمفسدين في الأرض، مع ذلك هذا المستقبل المضمون: الجنَّة، المستقبل الأبدي، أرقى نعيم، النعيم الخالص، الذي يفوق كل ما يمكن أن يقدِّمه الآخرون من إغراءات وبدون مقارنة، ما يقدِّمه الآخرون مما يندفع الكثير من الناس بسببه إلى موقف الباطل، وإلى خدمة الباطل، وإلى نصرة الظلم والإجرام، إلى الوقوف في صف المجرمين والمستكبرين، من إغراءات تافهة، لا يساوي شيئًا أبدًا في مقابل ما تحظى عليه الأمة المجاهدة في سبيل الله، التي وعدها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالخير في الدنيا وفي الآخرة، الخير في الدنيا: بما يهبها من العزَّة، والقوَّة، والتمكين، وإن كان هناك مراحل فيها صعوبات، فيها معاناة، فيها تضحيات، ولكن العاقبة التي أكَّد عليها الله في القرآن الكريم بأنَّها للمتقين: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128]، في الدنيا نفسها.
ثم أيضًا حينما يقتل الإنسان في سبيل الله، ينتقل إلى حياة الشهداء، الحياة التي وعد الله بها الشهداء في سبيل الله، حياة كلها سعادة من دون أي منغِّصات، يحظى فيها بضيافة الله، بالتكريم العظيم من الله، بالنعيم الواسع، بالاستبشار بمستقبله الذي يعاينه أيضًا فيما هو عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"... وغير ذلك من البشارات والنعيم والتكريم.
ومع ذلك أيضًا: الجنَّة، في جنَّة المأوى، في المستقبل الأبدي بكل نعيمها العظيم، التي قال عنها رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، في كلماتٍ إجمالية: ((فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر))، أرقى نعيم، وأعظم مستقبل، فلا خسارة مع الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أبدًا.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب:23]، بهذه الروحية في العلاقة الإيمانية بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، علاقة إيمانية راقية، فيها هذا المستوى من العطاء، من التضحية في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ينطلق المؤمنون بثبات، بثبات، ثمرة هذه الانطلاقة الإيمانية الجهادية، التي تحمل فيها الأمة المؤمنة روحية الشهادة، روحية العطاء بأرقى مستوياته: تتجه بثبات، وباستقامة، استقامة على نهج الله الحق، وعلى الموقف الحق، وعلى الاتجاه الحق، وفي مواجهة كل التحديات والمخاطر، مواجهة كل الأعداء مهما كانت إمكانياتهم، ومهما كان جبروتهم، وطغيانهم، وإجرامهم، مهما كانوا عليه من الظلم والفساد، فذلك أدعى وأكثر دفعًا إلى مواجهتهم، والتصدي لطغيانهم وشرهم وإجرامهم؛ ولذلك يأتي هذا العنوان: عنوان الصدق، وعنوان الثبات، {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب:23]، وعنوان الاستقامة.
ولهذا نجد أنَّ القرآن الكريم يقدِّم لنا تصنيفًا وتقييمًا مهمًا لفئتين لهما الدور الأبرز في واقع الحياة، دور لخدمة الشر، ودورٌ لخدمة الخير والحق والصلاح في هذه الحياة، الفئة التي تؤدِّي دورًا خطيرًا في المجتمعات البشرية، دورًا تخريبيًا، دورًا سيئًا، يقول عنها الله في القرآن الكريم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعزَّة بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة:204-207]، وهو يقدِّم في هذه الآيات المباركة نموذجين:
من يتحرك وهو يحمل العناوين التي يسعى من خلالها إلى خداع الناس فيما يقول، الأقوال والعناوين المخادعة، وقوى الشر والإجرام هي تركِّز على أن تقدِّم لتحركاتها الظالمة والباطلة والإجرامية عناوين مخادعة للمجتمعات والشعوب، وهذا شيءٌ معروف في واقع الناس، أنَّ كلَّ قوى الطاغوت، والإجرام، والشر، والظلم، في ما تقدِّمه على المستوى السياسي والإعلامي، والعناوين التي تعنون بها تحركاتها الإجرامية والظالمة، ومواقفها الباطلة، هي تقدِّم عناوين مخادعة، تحاول أن تخدع بها الشعوب، وتحاول أن تبرر بها ما تفعله من إجرام، وتحاول أن تروِّج لِمَا تتَّجه فيه من باطل، فهي على مستوى القول ترفع العناوين المخادعة، لكن اتِّجاهها العملي واضحٌ في أنَّه شر، واضحٌ كل الوضوح في أنَّه إجرام، في أنه طغيان.
ولهذا ينبغي أن تكون هذه المقارنة بين الفجوة الهائلة، والتباين التام ما بين العناوين، وما بين الأعمال والمواقف، بالشكل الذي يصنع البصيرة الكافية، والوعي التام لدى الشعوب، لدى المجتمعات؛ ليكون لديها هذا التقييم القرآني، هذا النور والهدى من الله، الذي يزوِّدها بالبصيرة اللازمة، والتقييم الصحيح؛ حتَّى لا تكون مخدوعةً بمجرد العناوين مهما كان التباين معها في المواقف والأعمال، وهذا ما نشاهده في عصرنا وزماننا؛ لأن القرآن نور لكلِّ عصر، لكلِّ زمن، لكلِّ مجتمع، ولكلِّ جيل.
ما ترفعه أمريكا وإسرائيل من عناوين مخادعة، والغرب الكافر من حولهما، الصهيونية الظلامية التي تحمل راية الشيطان، وتتحرك بالظلم، والإجرام، والإفساد في المجتمع البشري، بكل أذرعها الظالمة، والمفسدة، والمضلة، والمجرمة، تحمل في الترويج لِمَا هي عليه من ظلم، وباطل، وأطماع، وطغيان، وشر، وإفساد، عناوين مخادعة للشعوب، حتَّى عنوان التحرير للشعوب، حتَّى عنوان الرفاه الاقتصادي للشعوب، حتَّى عنوان الرخاء، وعناوين التحرر، وعناوين حقوق الإنسان... ومختلف العناوين، يرفعونها، ولكن واقعهم على مستوى الممارسات، في حجم الظلم، الإجرام، وفي الطغيان الممنهج، الذي هو سلوكٌ مستمر، سمة قائمة باستمرار لأعمالهم، لجرائمهم، واضحٌ كل الوضوح، بيِّنٌ بشكلٍ واضح.
وكذلك هو حال من يرتبط بهم من المنتمين للإسلام، كيانات، أنظمة، قوى، تشكيلات، جماعات، لها ارتباطها الواضح بهم، لها علاقتها الوثيقة بهم، البعض منها يقدِّم نفسه بشكلٍ صريح، بشكلٍ معلن على أنَّه حليفٌ لهم، مثلما هو حال النظام السعودي، هو يقدِّم نفسه، يعلن نفسه حليفًا لأمريكا، حليفًا للغرب، حليفًا لاتِّجاههم فيما هم عليه من إجرام وطغيان، وهو في كلِّ برنامجه في أوساط الأمة، يعمل في إطار ما يخدمهم، في إطار سياساتهم، توجُّهاتهم، المواقف التي يريدونها.
ولذلك نجد على مستوى الممارسة والسلوك، أنَّ المسألة واضحة، يرتكبون أبشع الجرائم، وبشكلٍ ممنهج ومستمر، وسِمة لازمة يستمرون فيها، ليست خفية، ولا نادرة، ولا غامضة، ولا بشكلٍ يفهم منه أنه بعيد كل البعد عن توجُّهاتهم، وبدون ما يرضونه أو يقبلون به.
الاتِّجاه للإفساد في الأرض، إفساد في كل المجالات، إفساد لحياة الناس، إفساد للقيم، على مستوى القيم، على مستوى الأخلاق، على مستوى الاستقرار لحياة الناس، في المجال السياسي، في المجال الاقتصادي، في المجال الاجتماعي... في كل المجالات، وعمل على تفريغ المجتمع من كلِّ قيم الخير، والصلاح، والفلاح، والقيم الإيمانية، والأخلاق الإيمانية، والاستقامة على مستوى التعاليم الإلهية... وغير ذلك، إفساد شامل، بكل أنواع الإفساد في الأرض.
ومستوى الطغيان الذي يمارسونه، وحجم الإجرام الذي يرتكبونه، عبَّرت عنه الآية الكريمة في قوله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}[البقرة:205]، بهذا المستوى طغيانهم، إجرامهم، ظلمهم، تكبرهم، ممارساتهم في الطغيان: إهلاك للحرث والنسل، تدمير لمقومات الحياة، على مستوى الاستهداف لمقوِّمات الحياة الاقتصادية، للشعوب التي يستهدفونها، وعلى مستوى أيضًا الاستهداف للناس في حياتهم، النسل: على مستوى النسل البشري والمجتمع البشري، وعلى مستوى أوسع فيما يتعلَّق بالثروة الحيوانية، وهذا ما يعملونه.
كيف هي ممارسات العدو الصهيوني، العدو الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وكذلك ضد بقية الشعوب، حينما يتَّجه لاستهداف أي شعب، ما فعله ويفعله في لبنان؟ إهلاك للحرث، استهداف حتَّى للزراعة، يعني: كم دمَّر العدو الإسرائيلي من المزارع والحقول الزراعية في لبنان، يستهدف ليس فقط على مستوى المزارع، بل حتَّى على مستوى الجبال، بما فيها من أشجار، الغابات... وغير ذلك، يدمِّر تدميرًا شاملًا، يستهدف كل مقومات الحياة، حاول أن يحوِّل تلك المناطق إلى خراب، خراب كامل، لا يبقى فيه أي شيء من مقومات الحياة.
ما فعله في غزَّة كذلك، الحرث والنسل، تدمير لكلِّ مقوِّمات الحياة، واستهداف للناس بالإبادة والقتل.
الجرائم الأمريكية في عالمنا الإسلامي بذلك الشكل، وحتَّى في المجتمعات الأخرى بذلك الشكل: تدمير شامل، إبادة، طغيان وجبروت لا يستثني أحدًا، إجرام رهيب جدًّا.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}[البقرة:205]، وإصرار على ذلك بدون أي وازع، لا ضمير، ولا دين، ولا تقوى لله... ولا أي اعتبارات أبدًا، لا يرعوي عند أي شيء مما يفترض أنه وازعٌ، أو دافعٌ، أو ضابطٌ، ليس هناك لا ضوابط ولا قيود لِما يفعلونه، يتَّجهون بكل انفلات لارتكاب أبشع أنواع الجرائم، وبأيِّ مستوى يصلون إليه من الإجرام.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعزَّة بِالْإِثْمِ}[البقرة:206]، حالة تكبُّر، التكبُّر سِمةٌ من سماتهم، تكبر بكل ما تعنيه الكلمة، حتَّى في ما يرتكبونه من إجرام فيها نزعة التكبر والاستضعاف للمستضعفين، وفي إصرارهم على الموقف الباطل، على الظلم، على الإجرام، على الطغيان، فيها سِمة التكبُّر أيضًا، {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}[البقرة:206].
هذه الفئة تشكِّل خطرًا على المجتمع البشري، فيما هي عليه من دوافع إجرامية، وممارسات إجرامية، وحجم إجرامها، وظلمها، وشرها كبير جدًّا، وإفساد في الأرض، إفساد لحياة الناس، إفساد للمجتمعات البشرية بكل أنواع الإفساد، وإفساد للحياة نفسها، تتحوَّل حياة الشعوب إلى حياة مليئة بالظلم، يملأون الأرض ظلمًا وجورًا، وهذا شيءٌ واضح، يعني: كل ما يمتلكونه من قوى، وإمكانات، وقدرات، وطاقات، لو أنهم جهة خير، كيف يفترض بالأرض أن تكون، وبواقع الشعوب أن يكون؟ لكانت الأرض مليئةً عدلًا، وخيرًا، وحقًا، وصلاحًا، وفلاحًا، ولكانت حياة الناس مختلفةً عمَّا هي عليه من البؤس والحرمان، ولكن واضح ما عليه الواقع العالمي، واقع مأزوم، واقع مليء بالظلم والطغيان والإجرام، وكل أشكال الطغيان قائمة في الواقع.
هذا النوع، هذه الفئة التي هي من الناس، يعني: حالة قائمة، حالة واقعية، حالة بالفعل لها حضورها الإجرامي في واقع المجتمعات، سواءً من داخل الأمة، يعني: من داخل المنتسبين للإسلام، {وَمِنَ النَّاسِ}[البقرة:204]، أو من خارج الأمة، عنوان: {وَمِنَ النَّاسِ}[البقرة:204] هو عنوانٌ واسع، يعطينا الله به البصيرة اللازمة؛ حتَّى لا ننخدع بأي فئة تتجه بهذا المستوى من الإجرام والطغيان والشر، وتحاول أن تخادع الناس بعناوين مهما كانت عناوينها، طالما واتجاهها هو للإفساد في الأرض، لإهلاك الحرث والنسل، لارتكاب أبشع الجرائم، الجرائم الرهيبة جدًّا، ولا ترعوي أبدًا لأي اعتبار، لا وازع ديني، ولا ضمير، ولا قيم، ولا أخلاق، ولا أي ضوابط ترعوية لها، وتتجه بكل استكبار، بكل طغيان، بكل إصرار على ما هي عليه من ظلم.
من يمكن أن يقف في وجه هذه الفئة؟ هل من يحمل ثقافة التدجين، ثقافة الاستسلام، ثقافة العمل على أن يكون الناس مجرَّدين من كل عناصر القوَّة، التوجُّه لكل ما يزيد الأمة ضعفًا إلى ضعفها؟
القرآن قدَّم لنا النموذج المصلح في أرض الله، الذي يقدِّم الخير للناس، ويسعى لدفع الشر عنهم في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة:207]، هذه النوعية أيضًا التي تتحرك في واقع المجتمع البشري {وَمِنَ النَّاسِ}[البقرة:207]، يعني: ليست المسألة مرهونة بدور ملائكي عن خارج إطار المجتمع البشري، ننتظر ملائكة لينزلوا إلى الأرض، ويقومون بالدور هم بدلًا عن المجتمعات المسحوقة والضعيفة، وعن المجتمعات التي تريد الخير، وتنشد الخير، وتنشد الصلاح، وتريد أن تتجه في مسيرة حياتها الاتجاه القائم على الصلاح، والرشد، والخير، والفلاح، والقيم الإنسانية، والكرامة الإنسانية... وغير ذلك، وتريد أن تكون حياتها ومسيرة حياتها قائمة على العدل، والبر، والإحسان، والقيم العظيمة، والمبادئ العظيمة، ليست المسألة أنَّه سينزل ملائكة ليقوموا بحمايتها، ليقوموا بالدفاع عنها، هذا دور لا يزال في نطاق المسؤولية الإيمانية في واقع الناس، بل ومن أعظم ما يجلِّي القيم الإيمانية، والانتماء الإيماني الصادق والأصيل، من الناس من يتحركون وفق سنة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}[البقرة:251].
الفئة التي تتحرك بجدارة عالية، بجدارة بكل ما تعنيه الكلمة، لتكون في مقابل تلك الفئة التي تخرِّب، تفسد، تهلك الحرث والنسل، فئة تحمل هذه الروحية الإيمانية العالية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}[البقرة:207]، يبيع نفسه من الله، ثم يتحرك عندما تهب نفسك ابتغاء مرضات الله، وأنت تنشد أسمى غاية، هي هذه الغاية: رضوان الله، ومرضاة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، أين ستتحرك؟ وماذا ستعمل؟ وما الذي يرشدك الله إليه؟ ستتحرك وأنت تسعى للدعوة إلى الخير، لإقامة العدل، وفق تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتتحرك لتصلح في أرض الله وعباد الله، وتواجه تلك الفئة التي تمثِّل الشر والإجرام والطغيان، وتوالي الشيطان، وتسعى للإفساد في الأرض، وتسعى لإهلاك الحرث والنسل، من يقف في وجهها، من يتصدَّى لها، من يشكِّل أملًا بالمظلومين والمستضعفين، هو من يتحرك بأرقى مستوى من الانتماء الإيماني والعطاء الإيماني، وهو مستعد أن يهب نفسه في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وابتغاء مرضاة الله؛ ولهذا تعتبر هذه الفئة من نعم الله على المستضعفين والمظلومين، ويعتبر أيضًا فتح هذا الباب لاستثمار حياة الإنسان، واستثمار مماته، نهايته المحتومة التي لا بدَّ منها في هذه الحياة، أن يستثمرها في سبيل الله، يعتبر بابًا من الأبواب التي فتحها الله برحمته ورأفته لعباده.
المصاديق والنماذج في واقع حياتنا، في عصرنا، في زمننا قائمة، ويجب أن نستفيد من القرآن الكريم، الهدى، والنور، والبصائر، التي تزيدنا وعيًا تجاه كل المخاطر والتحديات، ونحن في هذه المرحلة كأمةٍ مسلمة مستهدفة بأشد مستويات الاستهداف، أعداؤنا في مقدِّمتهم: الصهيونية العالمية، التي تتحرك بكل أذرعها، سواءً في الغرب الكافر، الأمريكي ومن معه، والإسرائيلي كذلك، الذي زرعه الأعداء في منطقتنا، وكذلك من يدور في فلكهم، ويتحرك معهم، ويواليهم، ويتَّجه معهم، وينضوي تحت لوائهم، هذا هو حالهم: أنَّهم يشكِّلون هذا الخطر على شعوبنا وعلى أمتنا، فنحن أمة مستهدفة، نحتاج إلى أن نتحرك بهذا المستوى من الصلة بالله، الصلة الإيمانية التي نحظى فيها بتأييد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بمعونة الله، بالنصر من الله في وعده الحق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، بهذه الروح العالية التي لا تنكسر، عندما نقدِّم التضحيات في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بل نعتز بما نقدمه في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، نتحرك باستبسال، بثبات، هذه الروحية الإيمانية الجهادية الواعية المستبصرة.
وشعبنا العزيز في واقع هذه الأمة يتحرك كما يتحرك الأحرار والأخيار من أبناء الأمة، في نهضته الإيمانية التحررية، التي يأبى فيها الخضوع للطغاة، والمستكبرين، والظالمين، من الكافرين والمنافقين، تحركٌ مشروع بكل الاعتبارات، يعني: من حق شعبنا العزيز أن ينعم بالحُرِّيَّة، بالاستقلال، بالكرامة، وألَّا يكون خاضعًا لا للأمريكي، ولا للإسرائيلي، ولا للبريطاني، ولا لمن معهم في الغرب، ولا لمن يواليهم من المنتمين إلى أمَّتنا الإسلامية، ولكن الأعداء يستكبرون، تأخذهم العزَّة بالإثم، فيتَّجهون الاتِّجاه الظالم، في محاولتهم لإخضاع شعبنا العزيز، كما هو حالهم مع بقية الأمة، هم يستهدفون هذه الأمة بشكلٍ عام، في السعي لإخضاعها، والسيطرة عليها، والاستعباد لها، وهم في موقفهم على مستوى منطقتنا بشكلٍ عام، لا يريدون أن يكون هناك شعب، ولا أمة، ولا جماعة، تتحرك وهي تحمل روحية التحرر من الطاغوت، والوقوف ضد الطغيان، والاستكبار، والظلم، والإجرام، والشر الصهيوني، الذي يستهدف هذه الأمة بكل أذرعه وكياناته.
فشعبنا العزيز هو يحمل راية الجهاد في سبيل الله، وهو يواجه العدوان، العدوان منذ بدايته، العدوان منذ العام 2015 في 26 مارس، هو عدوان بإشراف أمريكي، ودفع صهيوني إسرائيلي واضح ومعلن، وبشراكة بريطانية، وأداته التي تنفِّذ هذا العدوان، تموٍّل، تتبنّى هذا العدوان، هو النظام السعودي، قرن الشيطان، وقارون العصر المستكبر، الذي تنطبق عليه هذه المواصفات بكل ما تعنيه الكلمة، واقعًا عمليًا، وسلوكًا عدوانيًا، إجراميًا، مفسدًا، وظالمًا، وضالًا، فهو تحرك منذ البداية بإشراف أمريكي، وأُعلن من أمريكا قبل أن يعلن من السعودية، أعلن من أمريكا، أُعلن من هناك، واستمر وإلى اليوم.
مررنا بمرحلة ما يعبَّر عنه بخفض التصعيد منذ العام 2022، ولكن الآن الحال مختلف، عاد النظام السعودي تحت الإشراف الأمريكي، بالدفع الصهيوني، عاد باستمرار لممارسة إجرامه في أعلى مستويات التصعيد والطغيان والإجرام، وبسمة واضحة: الإهلاك للحرث والنسل، حتَّى على مستوى الحقول الزراعية، أكثر من (أربعة عشر ألف حقل زراعي) استهدفه السعودي بالقنابل الأمريكية لإحراقه وتدميره، الإجرام بشكلٍ يومي، وواضح، وصريح، وبيِّن، السعودي في كل يوم بإشراف أمريكي، ودور إسرائيلي معلن، تحدَّث عنه مسؤولون، حتَّى أمريكيون، حتَّى (ترامب) بنفسه، الكافر (ترامب) شهد بنفسه أنَّ العدو الإسرائيلي متعاونٌ مع السعودي في العدوان على بلدنا، وأنَّ السعودي سعيدٌ بذلك، ومرتاحٌ لذلك؛ لهذا التعاون الصهيوني معه.
بمعنى: أنَّ هناك شراكة صهيونية إسرائيلية، والبعض يقولون عن هذا المستوى من التعاون أنَّه بتقديم المعلومات الاستخباراتية، وبتحديد الأهداف التي تقصف، يعني: يأخذ الدور الأمريكي، الإسرائيلي، البريطاني، دور الإشراف، دور تحديد الأهداف، دور التخطيط، دور الإدارة، والدور السعودي هو في التنفيذ، في التمويل، في التبنِّي للعدوان؛ لأنهم يريدون لأن يكون لهذا العدوان واجهة عربية، تنتمي للإسلام، وتمتلك الإمكانات اللازمة؛ لحجم هذا العدوان ومستواه، يحتاج إلى إمكانات كبيرة جدًّا.
وتحقق لهم ذلك، تحقق للأمريكي، للإسرائيلي، للبريطاني، أن يكون لهم من هذه الأمة من ينتمي إليها، واجهة عربية إسلامية، تقدِّم نفسها كجهة مسلمة، تنفِّذ هذا العدوان، تتبنَّاه، تموِّله، تقدِّم له كل ما يلزم، تتحرك فيه وتبذل فيه كل طاقاتها وإمكاناتها، وبمستوى كبير: النظام السعودي بسيطرته على الجزيرة العربية، بما فيها من الثروات الهائلة، يسخِّر هذه الثروات الهائلة التي قدَّم منها تريليونات الدولارات للأمريكي، يسخِّرها في العدوان على شعبٍ مسلم، في إبادة هذا الشعب، في القتل اليومي للأطفال والنساء في هذا الشعب، لتدمير مساكن هذا الشعب، لتدمير مقوِّمات الحياة في هذا البلد المسلم؛ خدمةً لأمريكا، خدمةً لإسرائيل، خدمةً لبريطانيا، خدمةً للصهيونية، خدمةً للغرب الكافر، في إطار السياسات والتوجُّهات الغربية، الهادفة إلى تدمير هذه الأمة، وإغراقها في الصراعات والأزمات والمشاكل، بما يمزقها أكثر، بما يبعثرها أكثر.
ويصر على هذا العدوان، اتجه فيه بدون أي مبرر، بدون أي مبرر، ولا يمتلك أي مشروعية منذ عدوانه بدايةً من 26 مارس 2015، وإلى اليوم، أي مبرر للسعودي؟! ليس له ما يبرر له أن يعتدي على بلدنا، عدوانٌ ظالم، وحصارٌ جائر، وحرمانٌ لشعبنا من ثرواته الوطنية التي يمتلكها، والتي يحتاج إليها، والتي هي حقٌّ له، يحتاج إليها أمسَّ الحاجة للرواتب، للخدمات العامة، لخدمات الصحة، لخدمات التعليم، يحرم من كل ذلك عدوانًا وظلمًا، الهدف من وراء ذلك بكله هو: إخضاع هذا الشعب، الشعب الذي هو يمن الإيمان والحكمة، إخضاعه للسيطرة الصهيونية، إخضاعه لأمريكا، إخضاعه لإسرائيل، إخضاعه لبريطانيا.
السعودي يبرز فعلًا في التبنِّي كواجهة للعدوان، ومموِّل، ومنفِّذ، ويسخِّر الطاقات والإمكانات والثروة الهائلة في الجزيرة العربية، التي كان من المفترض أن ينعم بها شعب الجزيرة العربية، وأن ينهض بها نهضةً حقيقية، بدلًا من أن تسخَّر في خدمة أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، وفي تدمير هذه الأمة والاستهداف لهذه الشعوب.
العدو السعودي يتَّجه بكل ذلك للقيام بهذا الدوري الوظيفي، لا قضية له، وليس له أي مبرر أبدًا في الاستهداف لشعبنا، لكن الأعداء يجعلونه واجهة، ولا سيَّما حينما تكون الأمور مكلِّفة، تحتاج إلى تمويل هائل، إلى إمكانات كبيرة، وإلى واجهة لها نفوذها في الساحة العربية والإسلامية، واجهة مقبولة على أنَّها عربية ومسلمة؛ بحيث تستقطب لهذا الصراع، ولهذا العدوان، ولهذا الموقف الظالم ضد شعبنا العزيز، الكثير من السذج، والبعض من الحاقدين أصلًا، ممن حتَّى لو عرفوا بالحقائق، هم يتَّجهون عمدًا للشراكة في مثل هذا الظلم، والإجرام، والعدوان ضد شعبٍ مسلم، من أعظم الشعوب العربية والإسلامية أصالةً في انتمائه للإيمان، إلى الدرجة التي شهد له بها رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم": ((الْإِيْمَان يَمَان، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة))، يتَّجهون لارتكاب أبشع الجرائم ضد هذا الشعب.
في كل يوم هناك جرائم واضحة، قتل للأطفال والنساء، استهداف للشعب اليمني في الأحياء السكنية، في المدن وفي القرى كذلك، بل ملاحقة حتَّى في الريف، للبيوت النائية، والبيوت التي هي متواضعة جدًّا، في ظروف شعبنا الصعبة للغاية، وقتل لأهلها، قتل لهذا الشعب المظلوم المضطهد بغير وجه حق، استهداف لكلِّ مقوِّمات الحياة، تدمير مستمر للمدارس، تدمير مستمر كذلك للمنشآت الخدمية، التي هي ذات طابع خدمي، ومدنية وبشكلٍ واضح، يستهدف هذا الشعب، ويستهدف كل مقوِّمات الحياة فيه، ويصرّ على الاستمرار في العدوان والحصار بغير وجه حق.
لماذا يصر السعودي على أن يواصل العدوان ضد شعبنا؟ يعني: مطلب شعبنا هو واضح:
- أن يوقف السعودي عدوانه.
- وأن يوقف حصاره لشعبنا.
- وأن يرفع يده عن الثروات السيادية التي يسيطر عليها، ويحرم شعبنا منها.
- وأن يترك لشعبنا حقه في الحُرِّيَّة والاستقلال.
ولكنه يصرّ على مواصلة العدوان والإجرام، والظلم والطغيان، ويسعى من خلال ما هو عليه في حصاره، وظلمه، ومواصلته لعدوانه، إلى تجييش الآخرين معه، يعني: لا يكتفي بما يفعله هو بكل إمكاناته، بكل ما يسخِّره من ثروات شعب الجزيرة، في العدوان على بلدنا، وفي تقديم التريليونات للأعداء، لأمريكا وإسرائيل وبريطانيا؛ بل يفتري الافتراءات الفظيعة، ويحرِّك عناوين كثيرة بهدف الاستقطاب والتجييش في أوساط الأمة، ويتحرَّك بالشكل الذي يعمِّق حالة الفرقة والشتات بين أبناء الأمة: العناوين الطائفية؛ من أجل أن يستقطب في الوسط التكفيري والمد التكفيري، والصناعة التكفيرية التي تتحرك دائمًا في بوصلة عدائها حيث يريدها الأمريكي أن تكون، ولا تتحرك في الاتِّجاه الحق الواضح، كمثل القضية الفلسطينية، والمظلومية الفلسطينية، والمواجهة للعدو الصهيوني الإسرائيلي، مهما فعل، ومهما كان حجم المعركة، مهما كان حجم المظلومية في فلسطين، كما حدث في غزَّة.
لكن يأتي العنوان الذي يحشد مثل هذا النوع من الناس، يحشدهم دائمًا في خدمة أمريكا، والأمريكي اعترف، وكذلك السعودي بنفسه اعترف، بأنه يحرِّك أولئك في إطار ما يخدم أمريكا، وبطلب من أمريكا والغرب، يعني: فيما يخدمهم بلا شك، فيما هو خدمةٌ لهم.
عندما تحرك العدو السعودي المعتدي الظالم أيضًا، ورفع عنوان البهتان العظيم على شعب اليمن، على يمن الإيمان والحكمة، يمن الجهاد، والشرف، والقيم، ومكارم الأخلاق، البهتان العظيم بأنه يستهدف المقدَّسات الإسلامية، يستهدف مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، وهو بهتانٌ عظيمٌ، مكشوف، مكشوف للناس، لكل من يحمل ذرة من الوعي، والبصيرة، والفهم الصحيح، والتحرر في نظرته، بل البعض من الناس، حتَّى وإن كانوا على مستوى رهيب من الغباء، كان بإمكانهم أن يتريثوا، وأن يتحققوا، قبل أن يبادروا بالأحكام المغلوطة، لكن بحسب ما نعرفه عن البعض ممن يتلقُّون هذا البهتان، أنهم يعرفون بأنه بهتان، ولا شك عندهم في ذلك، وهم على يقين من ذلك، والبعض يتَّضح ذلك حتَّى في كلامهم مع أطراف معينة، أو مع أشخاص مِنَّا، وجهات منَّا، يعترفون بالحقيقة، ولكنهم لا يكترثون بأن يتلقُّوا ذلك البهتان، وأن يتبنوه في إطار مكاسب مادية، أو مصالح معينة مع السعودي، البعض بدافع الأحقاد، الأحقاد الشديدة، والكره الشديد، والعقد الطائفية والمذهبية... وغير ذلك، دوافع متنوعة.
ولكن السعودي عندما رفع هذا العنوان، وأطلق ذلك البهتان ضد شعب اليمن المسلم، الأصيل في انتمائه الإيماني، في قيمه، في أخلاقه، في موقفه لنصرة الإسلام والمسلمين، في موقفه المعروف في الحمية على المقدَّسات الإسلامية، والغَيرة عليها، هو يسعى بذلك أولًا إلى الإساءة إلى المقدَّسات، وضرب مكانتها وقيمتها المعنوية في أوساط الأمة، حينما يوظِّف بهتانه المسيء إليها، في إطار تحركاته الظالمة والإجرامية، وفي إطار خدمته لأعداء الإسلام، ثم أيضًا حينما يتحرك بهذا البهتان لارتكاب المزيد من الجرائم، ولتعميق الفرقة بين أوساط الأمة؛ ليزرع الفرقة على نحو واسع.
من العجيب جدًّا كيف يتحرك هذا النظام الظالم، العميل، الخائن، في خدمة أعداء الإسلام، المقدَّسات الإسلامية وفي مقدمتها: مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، هي من أهمِّ عوامل الوحدة بين المسلمين، يُجْمِع المسلمون جميعًا على تعظيمها وتقديسها، يرتبطون بها في شعائرهم الدينية، مكَّة المكرَّمة، والكعبة المشرَّفة قبلةٌ لصلاتنا، وكذلك شعائر الحج، وفريضة الحج، وكذلك العمرة مرتبطةٌ بها، فرائض، وشعائر، وعبادات، وأعمال، وقدسية معروفة في واقع الأمة، لكلِّ الأمة، لا تستثني فئةً من فئات الأمة، يعني: هذا حال المسلمين جميعًا، كل من ينتمي للإسلام، والقرآن، والرسول، وفي انتمائه الإسلامي، هو على هذا المستوى، المقدَّسات بنفسها هي معالم عامة لكل المسلمين، الله في القرآن الكريم يقول عن مكَّة المكرَّمة، يقول عن بيته الحرام: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}[الحج:25]، يعني: ليس هناك مزيد من الحقوق والاختصاص... وغير ذلك لفئة هناك؛ لأنها تسكن هناك، فتصبح وكأنها تمتلك البيت الحرام، تمتلك تلك المقدَّسات.
ولهذا نقول فيه كلماتنا السابقة، وكلمتنا في هذا اليوم، وكلماتنا اللاحقة: تلك المقدَّسات الإسلامية ليست مِلكًا للسعودي، ولا نعتبرها له، هي معالم إسلامية، حالنا كمسلمين فيها على حدٍ سواء، يتفاوت الحال في مستوى التعظيم والتقديس، ونحن- بفضل الله- في عقيدتنا، في مبادئنا، في ثقافتنا، من أعظم المسلمين تقديسًا للمقدَّسات، وتعظيمًا لشعائر الله.
الشعب اليمني هو في مقدِّمة الشعوب على مستوى التعظيم لشعائر الله، والتقديس للمقدَّسات الإسلامية، في مقدِّمة الشعوب، تشهد له مواقفه، يشهد له انتماؤه الأصيل للإيمان، الذي عبَّر عنه رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ" بقوله: ((الْإِيْمَان يَمَان، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة)).
ثم مع هذا الاعتبار الإيماني، والإسلامي، والقيمي، والأخلاقي، حتَّى على مستوى الحكمة في الحديث النبوي: ((وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة))، أي أحد من أبناء الأمة يكون له- مثلًا- مشكلة مع النظام السعودي، يمكن أن يفكِّر حتَّى على مستوى التفكير، أو أن يخطر بباله أن يفعل شيئًا ضد المقدَّسات التي هي مقدَّسات لكل المسلمين، يعني: حتَّى الحمقى والطغاة من أبناء الأمة الإسلامية، من المنتمين للإسلام في الوطن العربي وغيره، كم كان هناك من حمقى، وطغاة، وأشرار، وحكام يتَّصفون بالحمق والطغيان، لم يفكروا حتَّى التفكير بأن يفعلوا ذلك، والبعض كان لهم مشاكل هنا أو هناك، وربما حتَّى لم يخطر ببالهم أصلًا، يعني: ما الذي سيدفع- مثلًا- الشعب اليمني على أن يستهدف مقدَّسات هي مقدَّسات له هو قبل غيره يعني، وهو أكثر تقديسًا لها من السعودي، السعودي ليس مقدِّسًا للمقدَّسات، هو مستغل للمقدَّسات، مستثمر سياسيًا، واقتصاديًا، وتجاريًا في المقدَّسات الإسلامية، مستثمر بالنفوذ بكل أشكاله، وموظِّف لذلك في خدمة أعداء الإسلام والمسلمين.
ولذلك الشعب اليمني لن يستهدف مقدَّساته، تلك هي مقدساتنا، هذه هي مقدسات شعبنا المسلم العزيز، الأصيل في انتمائه الإيماني، الشعب العظيم في قيمه، في أخلاقه، في انتمائه الأصيل للإسلام، ثم مقدَّسات لكل المسلمين، يعني: ليست لنا مشكلة لا مع المقدسات، ولا مع الأمة الإسلامية، وتلك هي مقدَّساتنا نحن، نحن نحمل هذا الشعور تجاهها، نعظِّمها، نرتبط بها في شعائرنا وعبادتنا الدينية، وانتمائنا الإيماني، لها موقعها العظيم في عقيدتنا، في ثقافتنا، في مبادئنا... في كل شيء؛ ولهذا ((وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة))، هل يمكن أن يكون من الحكمة أن يتصرف هذا الشعب بهذه الطريقة، وبدون أي سبب، لأي سبب، لأي اعتبار، يعني: بأدنى مستوى من التفكير والتأمل، يمكن لأغبى غبي في عالمنا الإسلامي، الذي هو على أكبر مستوى من الغباء، أن يفهم أنَّ البهتان السعودي باطل، ولا أساس له من الصحَّة.
فعندما يأتي البعض- سواءً باسم زعامات دينية علمائية، أو زعامات سياسية- لتلقِّي مثل ذلك البهتان، فذلك له دوافع أخرى، أحقاد، ضغائن، البعض يبنون على أن يتقبَّلوا ما يقدِّمه السعودي ليؤيِّدوه في موقفه بدوافع: إمَّا دافع ارتباط مادي، أو ارتباط سياسي، أو دوافع من الأحقاد والضغائن، وكل هذه النوعية هي من النوعية التي تلعب دورًا سلبيًا في واقع الأمة، يعني: حتَّى البعض من الجهات التي تقدِّم نفسها جهات دينية، ماذا تفعل للأمة؟ وماذا فعلت؟ عندما حصلت مأساة غزَّة، والعدوان الهمجي الصهيوني على الشعب الفلسطيني في غزَّة إلى أسوأ مستوى من الطغيان، والظلم، والإجرام، والإبادة الجماعية، أين كانت تلك الجهات؟ ماذا فعلت؟ وماذا قدَّمت؟ كيف تحرَّكت؟ أين هو دورها؟ خذلت، وأسهمت في التخذيل لأمتنا الإسلامية عن القيام بواجبها المقدس في نصرة الشعب الفلسطيني.
السعودي مرتبطٌ- يا أمة الإسلام- بالأمريكي والإسرائيلي، مرتبطٌ بالصهيونية، حتَّى في عدوانه على الشعب اليمني، هو في إطار ذلك الارتباط بالصهيونية، بأمريكا وإسرائيل وبريطانيا، ودورهم واضح:
- الأمريكي يعلن ويعترف أن معه خبراء عسكريين يؤدون هذا الدور في إدارة العدوان على بلدنا، ويتواجدون في السعودية.
- وكذلك من الحقائق الثابتة التي تحدَّث عنها الكثير، بما فيهم جهات مسؤولة، يعني: أصحاب مناصب رسمية في عدة بلدان، منها: أمريكا، وكذلك جهات إعلامية، جهات بحثية، جهات أصحاب اطِّلاع ومعرفة، يشهدون بالدور الصهيوني الإسرائيلي المباشر مع السعودي في العدوان على بلدنا، وعلى الشعب اليمني المسلم.
- وكذلك أيضًا الدور البريطاني معلن.
هل يمكن أن تكون الطائرات الأمريكية، القنابل الأمريكية، الضباط والخبراء الأمريكيون، والخبراء من الضباط الإسرائيليين، ومعهم أيضًا البريطانيين، والسلاح الأمريكي، والعتاد الأمريكي، لحماية مكَّة والمدينة؟! أحد له عقل يفكِّر بهذا التفكير! أحد له فكر، له فهم، له أدنى تمييز، أن يكون الموقف الأمريكي، والإسرائيلي، والبريطاني، والغربي، داعم لطرف يقوم بخدمة المقدَّسات الإسلامية، والدفاع عنها، فلماذا لم يحصل ذلك من أجل الأقصى، من أجل القدس، من أجل المسجد الأقصى؟! لم يحصل ذلك، من أجل فلسطين، من أجل الشعب الفلسطيني، المسألة واضحة.
العدو السعودي- يا أمة الإسلام- يفتح أجواء بلاد الحرمين الشريفين للصهاينة، لإسرائيل، لليهود، وفي نفس الوقت يحظر أجواءنا نحن الشعب اليمني علينا، أجواء بلدنا، نحن لا نقول له: افتح لنا أجواءك، يحظر أجواء اليمن على الشعب اليمني، يحرم الشعب اليمني من الاستفادة من مطاراته، يمنع هذا الشعب من السفر حتَّى للمرضى وللمسافرين لأي غرض من شؤون الحياة، ويحاصر هذا الشعب أشد الحصار، ويحرمه من ثروته، ثروتنا نحن كشعب يمني، نفطنا، بترولنا، غازنا، عائداته للخدمات العامة، للمرتبات، ويسعى لتجويع هذا الشعب، يرتكب أبشع الجرائم: يقتل أطفالنا، يقتل نساءنا كشعبٍ يمني بشكلٍ مستمر، بشكلٍ يومي، قامت قيامته لأن شعبنا استعاد سيادته على أراضيه في باب المندب، ولم تقم قيامته والعدو الصهيوني يسعى لأن يكون له موطئ قدم في أرض الصومال، مع أنَّ الشعب الصومالي بحاجة إلى من يعينه، من يتدخل معه عسكريًا لمنع ذلك، ولكن هكذا هو الموقف السعودي.
ولذلك نحن نؤكِّد أنَّ موقفنا حينما نواجه العدوان السعودي، الذي هو بإشراف أمريكي، إسرائيلي، بريطاني، موقف حق، وأننا أصحاب قضية عادلة، وشعبٌ مظلوم، السعودي هو المعتدي علينا، هو الذي يقتل هذا الشعب، يقتل الأطفال والنساء، يدمِّر كل مقوِّمات الحياة، فنحن ندافع عن أنفسنا، عن حُرِّيَّتنا، عن كرامتنا، عن استقلالنا، ونواجه الظالم، المعتدي، الباغي، المجرم، المحاصر لشعبنا بدون وجه حق، وهو المصر على مواصلة عدوانه، وعلى مواصلة حصاره، ينصحه الكثير من الدول، من الشخصيات، من الجهات، بأن يوقف عدوانه، وأن ينهي حصاره، فيصر على مواصلة ذلك، فالمسألة من جانب المعتدي السعودي أنَّه هو المعتدي بغير حق، ليس في واقع دفاع عن النفس، هو المعتدي.
عندما نعمل على إرساء معادلة (الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد)، فنحن في الموقف الحق، ونحن نمتلك القضية العادلة، ونحن نتحرك على أساس شرعية القرآن الكريم، وتعاليم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[البقرة:194]، {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}[الشورى:41]، وهكذا الكثير من الآيات القرآنية المباركة، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}[الحج:39]، فنحن نتحرك في الموقف الحق، والقضية العادلة، ونحن متمسِّكون بموقفنا الثابت والمبدئي فيما يتعلَّق بقضايا أمَّتنا الكبرى، وفي مقدِّمتها: القضية الفلسطينية، فيما يتعلَّق أيضًا بكل التحديات والمخاطر على أمتنا الإسلامية، على شعوبها، على بلدانها، من جهة العدو الأمريكي والإسرائيلي، وأعداء الإسلام والمسلمين.
في ختام هذه الكلمة، ندعو المعتدي السعودي إلى وقف عدوانه وحصاره ضد شعبنا اليمني المسلم العزيز، هذا هو خيرٌ له، إصراره على مواصلة العدوان لن يزيده إلَّا خسارةً، ولن يزداد مع كلِّ إجرامه إلَّا وزرًا وإثمًا، وتحمُّلًا للتبعات الخطيرة في الدنيا وفي الآخرة.
نحن كشعبٍ يمني، بقوَّاته المسلَّحة، وعلى المستوى الرسمي والشعبي، لن نألو جهدًا في التصدي للعدوان الظالم الجائر، ونحن- بتوفيق الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ومعونته- في موقفٍ متقدِّم، العدو يخسر كل يوم خسائر كبيرة، ويضع نفسه في ورطة حقيقية، وموقفٍ مخزٍ، في عناده، في تكبره، في إصراره على مواصلة العدوان، فيما يرتكبه يوميًا من جرائم رهيبة، منها بالأمس: الجريمة الفظيعة التي ارتكبها في سوق الحزم، وقبله كذلك أسواق أخرى في تعز وأماكن أخرى، في كل يوم جرائم لقتل الأطفال، لقتل النساء، هذا يزيده وزرًا إلى وزره، يسبب له غضب الله، وسخط الله، وفي نفس الوقت هذه المظلومية الكبيرة لشعبنا هي من أسباب أن ينصره الله، أن يعينه الله، أن يؤيِّده الله بنصره؛ لأنه شعبٌ مظلوم، وفي موقف الحق، ويمتلك القضية العادلة.
كذلك نؤكِّد على بقية شعوبنا العربية والإسلامية، أن تكون على بصيرة تجاه الافتراء والبهتان السعودي، وكل الدعايات الباطلة التي يروِّج لها، السعودي يكذب، السعودي فاسق، النظام السعودي فاسق، حينما نقول: السعودي، يعني: نقصد النظام السعودي، لا نقصد شعبنا في الجزيرة العربية، النظام السعودي فاسق، مجرم، متكبِّر، ومنافق، وعميل، يخدم أعداء الإسلام والمسلمين، ويعمل لصالح الصهيونية، وهذه حقائق مؤكَّدة، ليست تجنيًا عليه، شواهدها، دلائلها، براهينها قائمة، في الوثائق، والمواقف، والأعمال، والسياسات، والتصرفات، والجرائم؛ ولذلك ينبغي لكل شعوبنا العربية والإسلامية أن تكون على بصيرة ووعي تجاه ما يرفعه من عناوين، ودعايات، وبهتان، وافتراءات، وأكاذيب.
شعبنا العزيز هو متوكِّلٌ على الله، واثقٌ بالله، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}[النساء:45]، {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}[الأنفال:40]، مهما كان حجم التحديات، وحجم المخاطر، فنحن واثقون بالله، متوكِّلون عليه، ومعتمدون عليه، {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}[آل عمران:150].
كذلك هناك الموقف الإيجابي والمشترك لكلِّ أحرار الأمة، وأحرار العالم، في قول كلمة الحق، في التضامن بكل أشكاله المتاحة والممكنة مع شعبنا المظلوم، ونحن لا نستوحش من مواقف كل المجاملين للأعداء والمتمالئين معهم، والذين يتبنون الباطل ويقفون فيه، هم يضرون بأنفسهم، يحملون أنفسهم الوزر الرهيب، ويشتركون في الإجرام بكل أنواعه، من يؤيِّد العدوان السعودي يكون شريكًا حتَّى في الجرائم التي يرتكبها المعتدي السعودي، حتَّى في قتل الأطفال والنساء.
فيما يتعلَّق بالميدان، ومستجدات الميدان: نؤكِّد لأهلنا وأحبائنا في المحافظات الجنوبية، أنهم ليسوا مستهدفين من جانب القوَّات المسلَّحة، المستهدف فقط هو التحشيدات السعودية، التي يقودها ضباط سعوديون، ويتحركون بها لقتل أبناء هذا الشعب.
وكذلك نشيد في ختام هذه الكلمة بأهلنا وأحبائنا في محافظة تعز، تعز العز، الذين وقفوا وقفةً مشرِّفة إلى جانب القوَّات المسلَّحة، ونؤكِّد أنَّ مزاعم العدو السعودي بأن مدينة تعز محاصرة، هي مزاعم باطلة ومفتراة، ليس هناك أي حصار لمدينة تعز على مستوى المواد الغذائية، والاحتياجات الإنسانية، المجال مفتوح لإدخال أي شيءٍ منها، الذي يُمنع فقط دخوله إلى الميليشيات التابعة للعدو السعودي، التي تقتل أبناء الشعب اليمني، هو السلاح، هو السلاح فقط؛ أمَّا دخول المواد الغذائية إلى أهالي المدينة، وحتَّى إلى تلك الجماعات التابعة للسعودي، ما يدخل من مواد غذائية، من أدوية، من احتياجات إنسانية، المجال فيه مفتوح، ولمن أراد أن يتأكد من ذلك، بإمكانه أن يتأكَّد، وأن يذهب إلى مدينة تعز، ويتأكَّد من هذه الحقيقة، السعودي يكذب، والزمرة الموالية له، التابعة له، الخائنة لشعبها ووطنها، هي أيضًا تكذب، وتتعمَّد الكذب، وتتعمَّد الزور والبهتان.
فِي خِتَامِ هَذِهِ الكَلِمَة، نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛



