مبارك حزام العسالي
تقف المنطقة اليوم عند نقطة تحوّل استراتيجية متقدمة في مسار الصراع؛ نقطة تتداخل فيها المعطيات الميدانية مع معركة فرض الإرادات والسيطرة على الممرات الملاحية في البحر الأحمر وباب المندب.
وفي وقتٍ تصاعدت فيه المساعي الإقليمية والدولية لإعادة هندسة المشهد البحري تحت عناوين "الأمن الجماعي"، تجد الأطراف المقابلة نفسها أمام واقع عملياتي تُفرض فيه صنعاء معادلات الردع المباشر والشلل التكتيكي قبل اكتمال جاهزيتها الهجومية.
القراءة الفاحصة للتطورات الميدانية المتسارعة التي بدأت منذُ أسابيع وحتى اليوم، والتي كان آخرها العمليات الباليستية والمسيّرة التي طالت تحشيدات العدو السعودي في المخا وسفن إمداداته المتجهة إلى ميناء المخاء، بالتزامن مع الاستهداف المكثف لمواقع التحشيد في مأرب؛ تكشف عن "ما ذكرته في مقالٍ سابق" من انتقال عملياتي حاسم نحو استراتيجية "الردع الاستباقي".
فلم يعد العمل الميداني ينحصر في ردود الفعل التأديبية، فقد ارتقى إلى تفكيك الترتيبات العسكرية واللوجستية في مهدها التنظيمي، لمنع إعادة تنشيط الجبهات البرية بالتوازي مع الترتيبات البحرية المتسارعة، وحرمان الخصم من خيارات المناورة متعدّدة الجبهات.
وتؤكّد دقة هذه العمليات وتوقيتها أن المعلومة الاستخبارية والقدرة على الاختراق باتت السلاح الأهم في إدارة هذه المرحلة؛ إذ إن التنبؤ بنوايا الحركة العسكرية ورصد تحركات الإمداد يفرغان أيّ تجميع عسكري أو مظلة حماية من فاعليتها وقدرتها على المناورة، وبذلك يتحول الامتلاك الخاطف للبيانات إلى ركيزة أساسية تُبطل المراهنة على أمان القواعد البرية أو مراكز التوجيه الميداني التي كانت تُعد، حتى وقتٍ قريب، خطوطاً خلفية آمنة.
وفي السياق ذاته، تسعى مسارات التدويل -عبر إنشاء تكتلات أمنية وإطلاق ترتيبات عسكرية مشتركة عابرة للحدود في المياه الإقليمية- إلى إيجاد واقع بحري جديد يغطي على حالة الانكشاف الميداني، ويمكّن من كسر خيارات الحصار والتأثير المباشر على حركة الشحن.
غير أن هذه الهندسة المتكلفة تصطدم بواقع أن القطع البحرية والموانئ المستحدثة أضحت مكشوفة بالكامل تحت مرمى الاستطلاع التقني والتوجيه الصاروخي الدقيق، ما يرفع كلفة التواجد العسكري وتأمين القطع البحرية أمام تكتيكات الحرب غير المتماثلة، ويمحو خطوط الحصانة المفترضة لهذه التجمعات.
كما لا يمكن إغفال التحول الاستراتيجي في إدارة معركة التكنولوجيا العسكرية؛ حيث أثبتت المعطيات أن منظومات الدفاع الجوي والبحرية الباهظة لم تعد قادرة على شل فاعلية التكتيكات المرنة المعتمدة على الطائرات المسيّرة والتوجيه الصاروخي الدقيق منخفض الكلفة؛ هذا التباين الحاد في كلفة المواجهة ينشئ معادلة استنزاف مستمرة لخصوم صنعاء، ويجعل القواعد البرية المستحدثة والتكتلات البحرية أهدافًا ثابته تكلف المليارات لتأمينها دون تحقيق نجاعة عملياتية حقيقية، ما يفرض واقعًا عسكريًا يتجاوز أوهام التفوق التسليحي التقليدي.
وعلى الصعيد القانوني والسيادي، يعيد المشهد التذكير بحقيقة أن أمن الممرات المائية في البحر الأحمر وباب المندب هو مسؤولية أصيلة ومباشرة للدول المشاطئة، وليس مجالاً مفتوحًا لإعادة التدويل عبر آليات البند السابع أو القواعد العسكرية العابرة للحدود.
ووفقًا للمعطيات؛ فإنّ أيّ انتقاص من السيادة اليمنية، أو محاولة لفرض مفاهيم أمنية مجزأة تؤمن طرفًا وتستثني حق الشعب اليمني في أمنه واقتصاده، لن تؤدي إلا إلى إبطال القواعد الحاكمة للملاحة وتجريد الاتفاقيات الدولية من مضمونها الميداني.
كما أن الدبلوماسية الدولية لم تكن بمعزل عن هذا الانكشاف؛ إذ تجلى ذلك في المواقف الأخيرة داخل مجلس الأمن الدولي، وتحديدًا عبر الموقف الروسي الصريح الذي طالما انتقد عسكرة البحر الأحمر بشرعنة غربية، ورفض منح غطاء أممي للتكتلات البحرية التي لا تقدم قيمة مضافة سوى نقل اللوم وإطالة أمد الأزمة؛ فقد كشفت الجلسات الدولية أن محاولات توظيف الذرائع الأمنية وفرض التدويل تفتقر حتى للإجماع الدولي، وأن المراهنة على الضغوط الدبلوماسية أو الحصار لن تعوض العجز على الأرض.
وفي البعد الاقتصادي والإقليمي، أثبتت الرسائل العسكرية الأخيرة قدرتها على فرض التوازن الصارم بين الاستقرار الملاحي وبين الملف الإنساني والاقتصادي؛ حيث بات استقرار حركة الشحن مرتبطًا بفك الحصار واستعادة إيرادات الثروات السيادية لصالح كافة أبناء الشعب؛ وهذا الربط العملياتي الصارم يضع العدو السعودي أمام ضرورة تجاوز الضغوط الدولية والهندسات البحرية المتكلفة، والتوجه الصريح نحو تفاهمات مباشرة تلبي الاستحقاقات السيادية والإنسانية كشرطٍ رئيس لإحلال السلام والاستقرار الإقليمي.
وفي ظل حالة الجمود السياسي وتراجع فاعلية المبادرات الدبلوماسية الدولية التي اكتفت بإدارة الأزمة بدلاً من حلها، يتأكد أن الرهان على إعادة توزيع الأدوار في الموانئ والجبهات البرية لن يغير من واقع الأمر شيئًا؛ فكلفة حماية التكتلات البحرية والقواعد المتقدمة باتت تتضاعف أمام تكتيكات الردع غير المتماثل؛ ليصبح السبيل الوحيد لإعادة الاستقرار الإقليمي والملاحي مرهونًا بالاعتراف بالمعادلة الميدانية الجديدة، والاستجابة الصريحة للاستحقاقات السيادية والإنسانية بعيدًا عن سياسات الالتفاف وتقطيع الوقت.

.jpg)




