مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

مبارك حزام العسالي
لم يعد مستغرباً أن تقفَ شعوبُ المنطقة متأملةً بمرارة مواقفَ جامعة الدول العربية، وهي المنظومة التي أُسِّست -في لحظة تاريخية فارقة- لحماية الأمن القومي العربي والدفاع عن سيادة أعضائها.

غير أن المشهدَ اليمني الأخير، وما يحمله من مفارقات صارخة، يضع هذه المؤسسة أمام تعرّية أخلاقية وسياسية وقانونية غير مسبوقة، تُثبت أن مفهوم "السيادة" في أروقتها بات خاضعاً لانتقائية موجهة وتوازنات إقليمية ضيقة لا تعبر عن نبض الشارع أو مبادئ القانون الدولي.

​وقد سارعت الجامعة العربية مؤخراً لإصدار بيانات الاستنكار والتنديد بذريعة "الحفاظ على السيادة اليمنية"، وذلك على خلفية وصول طائرة مدنية إلى مطار صنعاء الدولي؛ هذا التحرك السريع أثار سيلاً من التساؤلات المشروعة؛ فكيف لرحلة جوية طابعها مدني وإنساني محصن بموجب المواثيق الدولية -تستهدف في المقام الأول التخفيف من وطأة حصار خانق ينهش أجساد المرضى ويقيد حركة ملايين المدنيين- أن تُصوَّر كـ "تهديد سيادي" يستنفر الدبلوماسية العربية؟

​وتكمن المفارقة المؤلمة في الصمت المطبق الذي يسبقه ويتلوه، لا في الاستنكار بحد ذاته.

فعندما تعرَّضت الجغرافيا اليمنية، وبنيتها التحتية الحيوية لقصف عنيف مباشر ومستمر من قِبل قوى دولية كبرى -تقود النظام الدولي الأعرج- ومعها الكيان الإسرائيلي، طال الأعيانَ المدنية والمستشفيات والجسور ومحطات الطاقة، ولم يستثني حتى المقابر، لم تحرك الجامعة ساكناً؛ اختفت مصطلحات "السيادة الوطنية" و"الأمن القومي" من قواميسها، وحلّ محلها صمتٌ رسمي مريب يبدو في جوهره أقرب إلى التواطؤ العاجز منه إلى الحياد الدبلوماسي.

​إرث من المعاناة: أحد عشر عاماً من الاستباحة والحصار

​يأتي هذا الموقف السلبي امتداداً لخِذلانٍ أعمقَ طال اليمن طيلة أحد عشر عاماً؛ وهي سنوات عجاف جابه فيها الشعب اليمني بمفرده أعتى الأزمات الإنسانية والسياسية.

لقد تعرضت البلاد خلال هذه الفترة الطويلة لسلسلة من الانتهاكات الممنهجة الشاملة:

1.​تدمير البنية التحتية الحيوية؛ حيث استهدفت آلافُ الغارات الجوية شبكات الطرق والجسور، والمصانع والمنشآت الاقتصادية، والمؤسسات التعليمية والصحية، والأسواق الشعبية وصالات الأفراح والعزاء والمناسبات الاجتماعية، مما أدّى إلى شلل شبه تام في مقومات الدولة الأساسية.

2.​الحصار الشامل والخانق، الذي فُرض على الموانئ البحرية والمطارات الجوية، والمنافذ البرية، وعلى رأسها إغلاق مطار صنعاء الدولي لسنوات طويلة أمام الحالات الإنسانية والرحلات المدنية، مما حوّل البلاد إلى سجن كبير وتسبب في وفاة عشرات -إن لم يكن- مئات الآلاف من المرضى والجرحى العاجزين عن السفر للعلاج.

3.​الحرب الاقتصادية الشرسة، التي تمثلت في نقل وظائف البنك المركزي اليمني، واستهدف العملة الوطنية، وقطع رواتب مئات الآلاف من موظفي الدولة؛ مما دفع ملايين اليمنيين إلى حافة المجاعة وجعل اليمن يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم المعاصر وفقاً للتقارير الأممية.

4.​الأوبئة وانهيار المنظومة الصحية، ونتيجة لانعدام المستلزمات الطبية وشح الوقود، تفشت أوبئة مميتة مثل الكوليرا والدفتيريا وغيرها، وعجزت المستشفيات عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الطبية، وسط تجاهل شبه كامل من المنظومات الإقليمية.

 

​انتقائية السيادة وتسييس المِلف الإنساني

​يكشف هذا التناقض الصارخ عن أزمة بنيوية تعصف بالعمل العربي المشترك، وتتجلى في مستويين رئيسيين:

1.​تسييس المِلف الإنساني بشكل فج؛ حيث تحولت الاحتياجات الأساسية للشعب اليمني، كحق السفر والعلاج والتنقل عبر مطار صنعاء، إلى أوراق ضغط سياسي ومساومات في أروقة المجتمع الدولي، بدلاً من التعامل معها كحقوق آدمية أصيلة فوق كل الخلافات السياسية والعسكرية.

2.​ارتهان الإرادة السياسية للجامعة، وعجزها عن صياغة رؤية قومية مستقلة تعبر عن مصالح الشعوب؛ مما جعل مواقفها وبلاغاتها الرسمية مجرد صدى لإملاءات القوى الكبرى وتوازنات النفوذ الإقليمي، بدلاً من أن تكونَ درعاً لحماية الدول الأعضاء من الاعتداءات الخارجية المباشرة.

​"السيادةُ الوطنية في العُرف السياسي هي كُلٌّ لا يتجزأ؛ فلا يمكن ادعاء الغيرة عليها عند هبوط طائرة مدنية تسعى لإغاثة إنسان، في حين يُغض الطرف عنها عندما تُستباح الأرض وتُدمر المقدرات الحيوية بغارات دولية سافرة."

 

​التداعيات القانونية والمسؤولية الدولية

​يمثل صمت الجامعة العربية تجاه الغارات الخارجية التي تستهدف الأعيان المدنية في اليمن، وتجاه الحصار المستمر منذ أكثر من عقد، انتهاكاً غيرَ مباشر لالتزاماتها بموجب ميثاقها التأسيسي، وتنصُّلاً واضحاً من قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تجرم استهداف المنشآت الحيوية وحصار المدنيين.

والتغاضي عن هذه الجرائم لا يمنحُ المعتدين غِطاءً سياسياً للاستمرار في انتهاكاتهم فحسب، بل يضعف الموقف القانوني للدول العربية مجتمعة في مواجهة التحديات الدولية، ويؤسس لسابقة خطيرة تُشرعن استباحة الأجواء والأراضي العربية دون رادع مؤسسي.

​كما أن استدعاء مفهوم السيادة لمواجهة رحلات إنسانية، وإسقاطه تماماً أمام ضربات الصواريخ الأجنبية، يفرغ القانون الدولي من محتواه الأخلاقي ويحوله إلى أداة عقابية انتقائية ضد الشعوب المحاصرة؛ مما يساهم مباشرة في إطالة أمد المعاناة الإنسانية وحرمان الملايين من حقوقهم الأساسية في الحياة والعلاج والعيش الكريم.

​إذن..

​يتضح أن معيار السيادة الحقيقي لا يُصنع في أروقة الدبلوماسية المرتهنة، بل يتجسد في القدرة على حماية الأرض والإنسان ورفض التبعية بكافة أشكالها.

وطالما استمرت هذه الازدواجية في المعايير داخل المنظومة العربية الرسمية، ستستمر الفجوة في الاتساع بينها وبين الشعوب التي أُسست باسمها، وسيبقى الشارع العربي ينظر إلى هذه البيانات باعتبارها مجرد مناورات سياسية فاقدة للمصداقية والمشروعية الأخلاقية.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر