مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
السردية الأمريكية حول أنصار الله: الأهداف الحقيقية، مرتكزات الخطاب، وحدود الفاعلية في ضوء العدوان على إيران ومعادلة الممرات البحرية

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - متابعات - 26 شوال 1447هـ
تحليل|  هاشم الوادعي

  • مقدمة

تكشف القراءة المتقاطعة لما نشرته مجلة "بروفيدنس" الأمريكية في 30 مارس/آذار 2026 تحت عنوان: “لا يزال "الحوثيون" يشكلون تهديدًا، فهل سيقضي عليهم ترامب أخيرًا؟”، وما نشرته لاحقًا جهات أمريكية أخرى مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وبيانات وزارة الخارجية الأمريكية والقيادة المركزية الأمريكية، أن ثمة اتجاهًا أمريكيًا متصاعدًا لا يكتفي بوصف أنصار الله كخصم عسكري أو طرف يمني مؤثر، بل يعمد إلى إعادة تعريفهم داخل بنية خطابية أشمل، تقوم على ثلاث وظائف متداخلة: أولها نزع الشرعية السياسية عنهم عبر الإصرار على توصيفهم كـ"أداة إيرانية صرفة"، وثانيها تحويل فعلهم العسكري والسياسي إلى “خطر ملاحي عالمي” يهدد التجارة والطاقة، وثالثها تهيئة الرأي العام الأمريكي والغربي لتقبل سياسات أكثر عدوانية، تتدرج من الضغط والتصنيف والعقوبات إلى التصفية واستهداف القيادة وتوسيع المواجهة عسكريًا.

هذا الاتجاه لا يمكن النظر إليه كاجتهاد فكري محايد، لأن لغته ومفرداته وخلاصاته متطابقة إلى حد بعيد مع اللغة الرسمية التي استخدمتها واشنطن منذ إعادة تصنيف أنصار الله "منظمة إرهابية أجنبية" في مارس/آذار 2025، ومع خطاب القيادة المركزية الأمريكية التي أعلنت في أبريل/نيسان 2025 أنها تشن حملة “مكثفة ومستدامة” ضد ما تسميه “المنظمة الإرهابية الحوثية” بهدف استعادة حرية الملاحة والردع الأمريكي.

من هنا فإن التعامل مع هذه المواد لا ينبغي أن يكون بوصفها “تقارير رأي” منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من بيئة تبرير سياسي–إعلامي تتشكل على وقع الحرب الأوسع في المنطقة، وخاصة في ظل العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من انتقال الصراع إلى واحد من أخطر مستوياته البحرية، حين أعلن ترامب هذا الأسبوع المضي في حصار بحري يستهدف الموانئ الإيرانية في الخليج وخليج عُمان وبحر العرب شرق مضيق هرمز، بعد أن كان قد لوّح قبل أيام بخيارات أوسع تخص مضيق هرمز نفسه، وهو ما رفع أسعار النفط عالميًا، وأعاد إلى الواجهة مركزية الممرات البحرية في هذا الصراع. هذا التطور بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل النقاش من مجرد “تهديد حوثي في البحر الأحمر” إلى معادلة بحرية إقليمية مترابطة تمتد من هرمز إلى باب المندب، وتؤكد أن اليمن لم يعد ساحة هامشية في حسابات الصراع، بل عنصرًا فاعلًا في هندسة الضغط والردع والتأثير.

  • أولًا: بنية الخطاب الأمريكي وكيف يعيد تعريف "أنصار الله"

إن الفكرة المركزية التي تقوم عليها معظم الكتابات الأمريكية الحديثة حول "أنصار الله" هي أن الحركة لا تُقرأ كقوة يمنية راكمت أدواتها وموقعها وتأثيرها بفعل الحرب الطويلة والتحولات الإقليمية، بل تختزلها الفكرة الأمريكية عمدًا في كونها “وكيلًا إيرانيًا” أو “فرعًا ناجحًا لمحور المقاومة الإيراني”.

هذه اللغة حاضرة بوضوح في مجلة "بروفيدنس"، وتتكرر بصيغ شبه مطابقة في مواد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، كما تتغذى من الخط الرسمي الأمريكي الذي جعل “الارتباط بإيران” أساسًا في إعادة التصنيف وفي تسويغ الضربات والقيود المالية والعسكرية. والهدف الوظيفي لهذا الاختزال واضح: حين يُمحى البعد اليمني المستقل لأنصار الله، ويجري تصويرهم كامتداد صرف لطهران، يصبح استهدافهم جزءًا من “كبح إيران” لا من العدوان على اليمن، ويصبح باب المندب تفصيلًا في ملف الردع ضد إيران، لا ساحة تفاعل فرضتها الحرب والحصار والعدوان المستمر على اليمن.

لكن اللافت أن بعض النقاشات الأمريكية نفسها بدأت تُظهر تناقضًا داخل هذا البناء. فقد أقر نقاش منشور عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في مارس/آذار 2026 بأن أنصار الله لديهم "agency” أي هامش قرار وحسابات خاصة بهم، وأنهم ليسوا أداة ميكانيكية تعمل بأوامر خارجية، بل يقدّرون مصالحهم ومخاطرهم ويستطيعون –إذا دخلوا على خط الحرب بصورة أوسع– أن يعقّدوا المشهد البحري والإقليمي بشكل كبير.

أهمية هذا الإقرار أنه يفضح هشاشة السردية الأمريكية الرسمية: فهي تحتاج إلى وصف أنصار الله بأنهم مجرد “وكلاء” كي تبرر استهدافهم ضمن ملف إيران، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحركة باتت تملك قدرة ذاتية على قلب معادلات الملاحة والطاقة والتوازنات، بما يتجاوز منطق “الوكيل” المبسط. وهذا التناقض بذاته مهم في أي تقرير تحليلي؛ لأنه يكشف أن الخطاب الأمريكي لا يعبّر عن وصف دقيق بقدر ما يعبّر عن حاجة سياسية لصناعة صورة خصم قابلة للاستهداف.

  • ثانيًا: من باب المندب إلى هرمز – كيف دخل اليمن في قلب معادلة الممرات البحرية

التحول الأخطر في المشهد الإقليمي خلال 2026 لا يتمثل في مجرد اتساع الحرب على إيران، بل في انتقال الصراع إلى مستوى التحكم بالممرات البحرية الحيوية. فخلال الأيام الماضية، أشارت رويترز وأسوشيتد برس و وول ستريت جورنال إلى أن إدارة ترامب انتقلت من الضغط السياسي والعسكري على إيران إلى خيار الحصار البحري للموانئ الإيرانية، في عملية تمتد إلى الخليج وخليج عُمان وبحر العرب شرق مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات التهدئة. وفي الوقت نفسه، أكدت رويترز قبل ذلك بأيام أن البيت الأبيض كان يدفع باتجاه “إعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم أو عوائق”، وأن هرمز ما زال يمر عبره نحو خُمس النفط الخام والغاز الطبيعي المسال المنقول بحرًا في العالم. كما نقلت رويترز والغارديان وأسوشيتد برس هذا الأسبوع أن إعلان الحصار البحري الأمريكي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وسط تحذيرات من تداعيات أوسع على الشحن والطاقة والأسواق.

هذه المعطيات تعني أن الصراع لم يعد قابلًا للفصل بين “جبهة الخليج” و”جبهة البحر الأحمر”. فحين يصبح هرمز ساحة اشتباك، وتُطرح فيه مشاريع حصار وفرض إرادة بالقوة، فإن باب المندب يتحول تلقائيًا إلى امتداد استراتيجي للصراع، لأن التحكم بالتدفقات البحرية لم يعد مسألة محلية تخص كل مضيق على حدة، بل جزءًا من هندسة أوسع لموازين الردع والضغط الاقتصادي. وفي هذا السياق بالذات يكتسب اليمن قيمة جيوسياسية أعلى من أي وقت مضى: فهو لا يطل فقط على أحد عنقي الزجاجة المهمين في التجارة والطاقة العالمية، بل أثبت عمليًا –عبر عمليات الإسناد لغزة– أن بإمكانه تحويل هذا الموقع من معطى جغرافي ساكن إلى أداة تأثير فعلي في خطوط الملاحة وفي حسابات الخصوم.

 وهذه هي النقطة التي تثير القلق الأمريكي الحقيقي، لا مجرد الهجمات الجزئية بحد ذاتها. فـمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نفسه حذّر في مارس/آذار 2026 من أن "إيران قد توسع الصراع إلى البحر الأحمر وباب المندب"، وأن أنصار الله قادرون على تعطيل هذا الممر مجددًا، بما يحرم السعودية من أحد أهم مساراتها البديلة لشحن النفط حين يُغلق هرمز أو يضيق. وبذلك فإن الربط بين اليمن وهرمز لم يعد افتراضًا تحليليًا يطرحه الإعلام المقاوم فقط، بل صار جزءًا من الإدراك الاستراتيجي الأمريكي نفسه.

  • ثالثًا: فعالية عمليات الإسناد اليمني لغزة وما الذي أثبتته عمليًا

إن واحدة من أكبر نقاط الضعف في الخطاب الأمريكي أنه يتحدث عن عمليات أنصار الله في البحر الأحمر باعتبارها مجرد “تهديد عدواني للملاحة”، بينما تتجاهل مراكزه ووسائله الاعتراف بأن هذه العمليات حققت –من زاوية التأثير الاستراتيجي– نتائج لا يمكن إنكارها. فحتى التغطيات الغربية غير المتعاطفة أقرت بأن الهجمات والتهديدات في البحر الأحمر غيّرت مسارات شركات الشحن، ورفعت كلف النقل والتأمين، وأحدثت تعطيلًا واسعًا في التجارة. وقد خلص تقرير لـرويترز في مارس/آذار 2026 إلى أن القوى الغربية لم تنجح في تأمين الشحن في البحر الأحمر رغم إنفاق مليارات الدولارات والانخراط العسكري، وأن ما حدث هناك يقدم سابقة واضحة لصعوبة فرض الأمن الملاحي بالقوة وحدها، فضلًا عن أن التحولات الأخيرة في هرمز تجعل المهمة “أصعب” لا أسهل. هذا الاستنتاج -الصادر عن وكالة غربية كبرى- ذو دلالة كبيرة؛ لأنه يهدم الفكرة التي تقوم عليها مقالات مثل مقال مجلة بروفيدنس، والذي يوحي بأن المشكلة تكمن في “التراخي الأمريكي”، وأن مزيدًا من العنف سيحسم الملف. الواقع أن تجربة البحر الأحمر نفسها –كما تراها المصادر الغربية– أظهرت حدود القوة الأمريكية عندما تواجه طرفًا يملك الإرادة والقدرة على استخدام الجغرافيا والضغط البحري ضمن معادلة سياسية أوسع.

وعليه، فإن عمليات الإسناد اليمني لغزة لم تُثبت فقط قدرة اليمن على إيصال موقفه السياسي والعسكري خارج حدوده، بل أثبتت أيضًا جملة من الحقائق الاستراتيجية: أولها أن باب المندب ليس ممرًا تتحكم به واشنطن وحدها كما في السابق، وثانيها أن البحر الأحمر قابل لأن يتحول إلى جبهة ضغط ذات أثر مباشر على الاقتصاد والشحن والتأمين، وثالثها أن حماية الكيان الإسرائيلي أو تغطية عدوانه لم تعد ممكنة من دون كلفة متصاعدة على شبكات التجارة والطاقة الدولية، ورابعها أن اليمن -رغم العدوان والحصار والاستهداف المستمر- تمكّن من تثبيت نفسه لاعبًا فعليًا في معادلة إسناد غزة، لا مجرد صوت سياسي مؤيد. ولذلك، فإن القلق الأمريكي من أنصار الله لا ينشأ من “خطر مجرد”، بل من نجاح فعلي في تحويل الموقف العسكري اليمني إلى عنصر ضغط اقتصادي–بحري عابر للحدود.

  • رابعًا: لماذا تتصاعد الدعوة الأمريكية إلى استهداف القيادة ونزع السلاح؟

حين نقرأ الدعوة الصريحة التي وردت في مقال مجلة بروفيدنس إلى “القضاء على القيادة، ونزع سلاح المسلحين، وإعادة فرض النظام والاستقرار”، ينبغي ألا تُفهم باعتبارها مجرد حماسة أيديولوجية من كاتب يميني، بل باعتبارها تعبيرًا مكثفًا عن مأزق استراتيجي. فواشنطن –وفق بياناتها الرسمية– صعّدت التصنيف، وفرضت العقوبات، وأعلنت الحملات العسكرية المكثفة، وقدّمت نفسها كحامية لحرية الملاحة، ومع ذلك لم تستطع إنتاج حسم بحري دائم في البحر الأحمر. ثم جاءت الحرب العدوانية على إيران وما ترتب عليها من أزمة هرمز لتكشف أن معادلة الممرات البحرية أشد تعقيدًا بكثير من أن تُحل بالقصف أو بالبيانات. في مثل هذا السياق، يصبح الخطاب الداعي إلى “إنهاء” أنصار الله أو “منع إعادة تسلحهم” محاولة لتعويض الفجوة بين أهداف أمريكية مرتفعة ونتائج ميدانية محدودة. وهذا ما تعكسه أيضًا مواد مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، التي حذرت في يناير/كانون الثاني 2026 من أن عدم منع “إعادة تسلح الحوثيين” الآن سيؤدي إلى مواجهة أكثر كلفة لاحقًا، بما يعني أن الهاجس الأمريكي لم يعد مجرد ردع ظرفي، بل منع تكَوّنِ قدرةٍ بحرية–صاروخية–سياسية متراكمة يصعب احتواؤها مستقبلًا.

إن هذا التحول من لغة “الاحتواء” إلى لغة “التصفية” يكشف بدقة ما الذي تخشاه واشنطن و"تل أبيب": فالمشكلة لم تعد فقط في بقاء أنصار الله قوة صلبة داخل اليمن، بل في أن هذه القوة استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تطور مكانتها من طرف محلي صامد إلى فاعل إقليمي قادر على التأثير في مسار الحرب الإقليمية وفي عقد الطاقة والملاحة. ومع انكشاف هشاشة الأمن البحري الصهيوني في هرمز وباب المندب معًا، يصبح أي كيان قادر على التأثير في أحدهما أو كليهما مصدر قلق بالغ للغرب. ومن هنا نفهم لماذا يشتد الخطاب الإعلامي والدعائي كلما اتسع أثر اليمن، ولماذا يجري تصوير المسألة كأنها معركة “أمن عالمي” لا صراع على الهيمنة والإكراه والتحكم بالممرات.

  • خامسًا: العدوان والحصار على اليمن كإطار مفسر للصراع

يُلاحظ في معظم المواد الأمريكية والغربية الحديثة أن الحديث عن أنصار الله يبدأ من البحر الأحمر أو من "إسرائيل" أو من إيران، لكنه نادرًا ما يبدأ من العدوان على اليمن والحصار عليه، مع أن هذه الحقيقة هي جزء رئيس من تفسير مسار الصراع كله. هذا التغييب ليس سهوًا مهنيًا، بل ضرورة خطابية؛ لأن إدخال العدوان والحصار في التحليل يعيد ترتيب المشهد من جديد: فاليمن هنا لا يظهر كقوة “تهدد النظام الدولي”، بل كبلد تعرّض لسنوات طويلة من الحرب والاستنزاف ومحاولات الكسر والإخضاع، ثم خرج من تلك المرحلة بأدوات تأثير جديدة. لذلك، فإن الخطاب الأمريكي يتعمد قلب المعادلة: يمحو أصل العدوان، ثم يبدأ من لحظة الردّ أو من لحظة الانتقال اليمني إلى البحر الأحمر، ويقدّمها كأنها لحظة التهديد الأصلية. وهذا القلب المتعمد للسياق هو الذي يمنح كتابات مثل مقال بروفيدنس قابلية الظهور بمظهر “التحليل الموضوعي”، بينما هي في حقيقتها إعادة صياغة للصراع على نحو يبرر استمرار العدوان بأدوات أخرى.

ومن هنا يجب التنبيه إلى أن تجاهل البعد التأسيسي للعدوان والحصار لا يغيّر الوقائع، بل يغيّر فقط طريقة تقديمها للرأي العام. فالخطر الحقيقي على الملاحة والاستقرار لم يبدأ من اليمن، بل بدأ من محاولة تحويل المنطقة كلها إلى فضاء خاضع للهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية، ومن استخدام القوة العسكرية والحصار والعقوبات لإخضاع الشعوب والدول. وحين يردّ اليمن من موقعه الاستراتيجي، أو يدخل على خط الإسناد لغزة، أو يصبح جزءًا من معادلة الردع البحري، فإن الخطاب الأمريكي يصرّ على إظهار ذلك كأنه أصل الأزمة لا انعكاس لها، وهذه النقطة من أهم ما ينبغي ترسيخه في أي تقرير إعلامي موجّه؛ لأنها تمثل العقدة المفاهيمية الأساسية في الرواية الغربية.

  • سادسًا: موقع اليمن الاستراتيجي، ولماذا أصبح محورًا في الصراع الإقليمي

إن الموقع الجغرافي لليمن لم يكن جديدًا على أحد، لكن الجديد هو تحويل هذا الموقع إلى قدرة سياسية وعسكرية مؤثرة. فاليمن يطل على باب المندب (أحد أهم الممرات التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي)، ما يجعله عقدة رئيسية في حركة السفن والطاقة والتجارة. غير أن هذا المعطى بقي لعقود يُقرأ من زاوية واحدة: باعتباره موقعًا ينبغي أن يبقى تحت السيطرة الغربية أو ضمن منظومة الأمن البحري التي ترعاها واشنطن. ما فعله أنصار الله خلال معركة الإسناد لغزة هو أنهم أثبتوا أن هذا الموقع يمكن أن يتحول من مجرد “ميزة جغرافية” إلى وسيلة فعلية لإرباك الخصم وفرض الكلفة عليه. وعندما تزامن ذلك لاحقًا مع اندلاع الحرب العدوانية على إيران وطرح الحصار البحري على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، صار واضحًا أن اليمن ليس فقط مؤثرًا في باب المندب، بل يمكن أن يكون جزءًا من هندسة ردع بحرية أوسع تفرض على الغرب حسابات مزدوجة في البحر الأحمر والخليج معًا.

وهذا ما يفسر أيضًا القلق المتزايد في مراكز التفكير الأمريكية من احتمال دخول اليمن بقوة أكبر على خط الحرب الإقليمية، أو من عودة الهجمات إلى البحر الأحمر إذا اتسعت الحرب على إيران أو طال أمد حصارها البحري. فـمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي أشار بوضوح إلى أن توسيع الصراع نحو البحر الأحمر وباب المندب سيضاعف الاضطراب في الأسواق، ويقوّض أحد البدائل السعودية المهمة لشحن النفط. والمعنى الذي ينبغي التقاطه هنا أن الغرب لا ينظر إلى اليمن فقط من زاوية “تهديد سفن عابرة”، بل من زاوية أخطر بكثير: القدرة على العبث بوهم البدائل الآمنة التي بُنيت عليها استراتيجيات الطاقة الخليجية والغربية في العقود الماضية. لذلك، فإن الموقع الاستراتيجي لليمن اليوم ليس بندًا جغرافيًا في تقرير، بل أحد أعمدة التحول في ميزان التأثير الإقليمي.

  • سابعًا: حدود الفاعلية الأمريكية – ماذا تقول الوقائع لا الدعاية؟

عند فحص الوقائع الميدانية والسياسية -بعيدًا عن اللغة الدعائية- يظهر أن الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في بناء معادلة مستقرة في أي من الساحتين البحريتين الأساسيتين اللتين تمسان هذا الصراع. ففي البحر الأحمر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية حملة مستدامة منذ مارس/آذار 2025 لاستعادة "حرية الملاحة" والردع، لكن التقييمات الغربية اللاحقة –بما فيها تقييمات رويترز– أقرت بأن الشحن لم يُستعد إلى طبيعته، وأن شركات كبرى ظلت متحفظة، وأن الغرب لم ينجح في فرض أمن بحري كامل رغم التفوق العسكري والإنفاق المرتفع. وفي هرمز، تكشف التطورات الجارية الآن أن المسألة أكثر تعقيدًا: فحتى مع إعلان الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية وارتفاع سقف التهديدات، ما زالت الأسواق مضطربة، وأسعار النفط مرتفعة، وشركات الشحن تجد صعوبة في تقدير الأثر، والخشية قائمة من توسيع الردود إلى الموانئ والمنشآت وخطوط الطاقة في المنطقة. وهذا يعني أن القوة الأمريكية تستطيع التصعيد، لكنها لا تستطيع بسهولة فرض الاستقرار بالشروط التي تريدها.

ومن هنا فإن التصعيد الإعلامي الأمريكي ضد أنصار الله ليس دليل ثقة، بل دليل مأزق. فلو كانت معادلة الردع قد استقرت فعلًا، لما احتاجت مراكز الفكر والصحف المحافظة إلى الانتقال من الحديث عن “التهديد” إلى الحديث عن “التصفية” و”نزع السلاح” و”إعادة فرض النظام”. إن هذا الانتقال نفسه يعكس إدراكًا ضمنيًا بأن المعادلة الحالية غير مريحة للغرب، وأن اليمن -بحكم موقعه وقدراته وتراكم تجربته القتالية والسياسية- صار طرفًا يصعب دفعه خارج المشهد، أو اختزاله في وصف تقريري عابر.

  • ثامنًا: ما الذي ينبغي الرد عليه إعلاميًا؟

إن ما يفرضه هذا المشهد ليس فقط كتابة رد سياسي عام، بل بناء خطاب إعلامي دقيق ومضاد، يشتبك مع الرواية الأمريكية في مفاصلها الأساسية. وأهم ما ينبغي الرد عليه هو أولًا مصطلح “الوكيل الإيراني”، لا بنفي العلاقات والتحالفات في المنطقة، بل بإثبات أن اليمن بات يملك قراره ومعادلته وتأثيره، وأن حتى بعض المنابر الأمريكية بدأت تُقر بأن أنصار الله يملكون حساباتهم الخاصة ولا يعملون كجهاز تابع بلا إرادة. وثانيًا ينبغي الرد على مقولة “تهديد الملاحة” عبر قلب السؤال: من الذي حوّل البحر والمضائق إلى أدوات ابتزاز وهيمنة لعقود؟ ومن الذي فجّر المنطقة بالحروب والحصار والتطويع؟ وثالثًا ينبغي تثبيت حقيقة أن عمليات الإسناد اليمني لغزة أثبتت فاعلية ملموسة في إحداث الكلفة والتأثير وتعقيد الحماية الأمريكية–الإسرائيلية للممرات، وهي ليست مجرد دعاية، بل حقيقة اعترفت بها الوقائع والأسواق والمصادر الغربية. ورابعًا ينبغي إبراز أن الحرب على إيران والحصار البحري الذي تطرحه واشنطن في هرمز يكشفان أن المشكلة ليست في “التهديد الحوثي” كما تصوّره التقارير، بل في اتساع رقعة الرفض الإقليمي للهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية، وفي تشكل بيئة بحرية جديدة لم تعد فيها الملاحة والطاقة خارج معادلات الصراع.

كما ينبغي الرد بوضوح على الدعوة الأمريكية إلى استهداف القيادة ونزع السلاح، عبر كشفها بصفتها دعوة صريحة لاستمرار العدوان وإعادة إنتاج الفشل، لا مشروعًا للاستقرار. فهذه الطروحات لم تولد من نجاح أمريكي، بل من عجز عن قبول واقع جديد فرضه اليمن في البحر الأحمر، وتفرضه إيران في هرمز، وتفرضه قوى المقاومة في أكثر من ساحة. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تأكيد أن حركة اليمن لا تُفهم بمعزل عن إطار أوسع يحكم تحركات قوى محور الجهاد والمقاومة، حيث تتكامل الجبهات ضمن ما بات يُعرف بـوحدة الساحات، بما يعني أن أي تصعيد في ساحة ينعكس على الساحات الأخرى، وأن معادلة الردع لم تعد محلية أو مجزأة، بل إقليمية مترابطة في مواجهة مشروع واحد. وعليه، فإن محاولة عزل اليمن أو تصويره كحالة منفصلة، هو تبسيط متعمد يتجاهل طبيعة المرحلة وتشابك مساراتها.

  • خاتمة

تؤكد القراءة المتعمقة للمقالات والتقارير الأمريكية الحديثة أن السردية الغربية حول أنصار الله لم تعد تقتصر على الشيطنة والتوصيف العدائي التقليدي، بل دخلت مرحلة أكثر تركيبًا وخطورة، عنوانها: تهيئة البيئة الفكرية والسياسية لتصعيد أكبر في اليمن ضمن سياق الحرب الإقليمية المفتوحة. غير أن هذه السردية، رغم كثافة تكرارها، تصطدم بجملة من الحقائق التي باتت أوضح من أن تُخفى: أن العدوان والحصار على اليمن لم يكسراه، بل أخرجا منه قوة أشد صلابة؛ وأن موقع اليمن الاستراتيجي لم يعد قيمة جغرافية خاملة، بل تحول إلى قدرة تأثير تم اختبارها في إسناد غزة، وأن انتقال الصراع إلى هرمز يثبت أن معادلة الممرات البحرية لم تعد بيد واشنطن وحدها، وأن الدعوة الأمريكية إلى التصفية ونزع السلاح ليست علامة اقتدار، بل علامة قلق من قوة فاعلة نجحت في فرض نفسها على خرائط البحر والسياسة والحرب.

وفي هذا الإطار الأوسع، يتضح أن ما يجري لا يقتصر على مواجهة بين طرفين، بل يعكس صراعًا ممتدًا بين مشروع هيمنة أمريكي–إسرائيلي يسعى لإخضاع المنطقة وشعوبها، وبين محور الجهاد والمقاومة الذي يتحرك وفق رؤية متكاملة قائمة على وحدة الساحات وتكامل الأدوار. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن هذا المحور بات قادرًا على نقل المعركة من حدودها التقليدية إلى عمق المصالح الحيوية للخصم، سواء في البحر الأحمر أو في محيط مضيق هرمز، بما يعكس تحوّلًا نوعيًا في طبيعة المواجهة.

وعليه، فإن اليمن لم يعد مجرد ساحة ضمن هذا الصراع، بل أصبح أحد أعمدته الفاعلة، قادرًا على التأثير في مساراته وتوازناته، وفرض معادلات جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمي. وهذه الحقيقة -بكل ما تحمله من دلالات- هي ما يقف خلف التصعيد الأمريكي الإعلامي والسياسي، لا مجرد الادعاءات التي تكررها تقاريرهم.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر