مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

د. عبدالكريم أحمد الديلمي
أستاذ الإدارة الاستراتيجية– جامعة ذمار
إذا كانت التقوى الإدارية تبدأ من ضمير الفرد، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويلها إلى ثقافة مؤسسية وأنظمة عمل مستدامة. فنجاح المؤسسات لا يعتمد على اللوائح وحدها، بل على قدرتها في بناء بيئة تعزز النزاهة والعدالة وتحول القيم الأخلاقية من شعارات نظرية إلى ممارسات يومية تحكم القرار والسلوك الإداري.

هل يمكن قياس التقوى؟

قد يطرح البعض سؤالًا مهمًا: هل يمكن أصلًا قياس التقوى؟ وهل توجد طريقة لمعرفة مستوى "التقوى الإدارية" لدى الموظفين أو القيادات داخل المؤسسات؟، والحقيقة أن التقوى بمعناها الداخلي الكامل ترتبط بالنية والضمير والرقابة الذاتية، وهذه أمور لا يمكن للبشر قياسها بصورة قطعية؛ لأن حقيقتها الكاملة تبقى بين الإنسان وربه. فلا توجد مؤسسة تستطيع أن تضع جهازًا يقيس صدق النوايا أو نقاء الضمير أو مستوى الإخلاص الداخلي لدى الأشخاص.

لكن في المقابل، يمكن للمؤسسات والمواطنين ايضًا ملاحظة "آثار التقوى الإدارية" من خلال السلوكيات والممارسات المتكررة داخل بيئة العمل. فالموظف الذي يلتزم بعمله حتى في غياب الرقابة، ويحافظ على المال العام، ويحترم الوقت، ويتجنب استغلال النفوذ، ويعترف بخطئه، غالبًا ما يعكس مستوى مرتفعًا من الرقابة الذاتية والانضباط الأخلاقي. وكذلك المسؤول الذي يختار الأكفأ لا الأقرب، ويتعامل بشفافية وعدالة عند اتخاذ القرار، ... وغير ذلك.

ولهذا فإن المؤسسات لا تحتاج بالضرورة إلى "قياس التقوى" كقيمة دينية مجردة، بقدر حاجتها إلى بناء أنظمة تراقب السلوكيات المرتبطة بها. فالإدارة الحديثة لا تسأل الموظف: "ما مستوى تقواك؟"، لكنها تبني معايير عمل تشجع على النزاهة، العدالة، الالتزام، الشفافية، احترام الأنظمة، وتحمل المسؤولية. فالمؤسسة الرشيدة لا تراهن فقط على صلاح الأفراد، بل تبني بيئة تمنع الظلم، وتكافئ الأمانة، وتحد من المحسوبية، وتضمن أن تستمر العدالة حتى لو تغيّر الأشخاص والمناصب.

ومن هنا تظهر فكرة مهمة، وهي أن المؤسسة الذكية ليست التي تحاول اختبار ضمير العاملين بصورة مباشرة، بل التي تصمم بيئة تجعل السلوك الصحيح هو الأسهل والأكثر استقرارًا. فبدل الاكتفاء بالشعارات، يمكن دمج قيم التقوى داخل النظام المؤسسي نفسه من خلال وضوح الصلاحيات، وعدالة التقييم، وشفافية القرارات، وربط السلطة بالمحاسبة، ومنع تضارب المصالح، وحماية الحقوق.

وعندما تصبح العدالة جزءًا من النظام، والشفافية جزءًا من الثقافة، والمحاسبة جزءًا من الممارسة اليومية، فإن المؤسسة تكون قد دمجت "روح التقوى" داخل العمل المؤسسي حتى لو لم تُستخدم الكلمة صراحة. وهنا تتحول التقوى من مجرد وعظ أخلاقي إلى بيئة تنظيمية تشجع السلوك النزيه وتضعف فرص الانحراف، بحيث يصبح الالتزام نابعًا من ثقافة العمل نفسها لا من الخوف المؤقت من العقوبة، بل لأن النظام نفسه يعزز القيم الصحيحة ويجعلها جزءًا طبيعيًا من العمل اليومي، فالتقوى الإدارية لا ينبغي أن تبقى قيمة فردية مرتبطة بضمير المدير أو الموظف فقط، بل يجب أن تتحول إلى تقوى مؤسسية؛ أي إلى أنظمة ومعايير وإجراءات عادلة تجعل النزاهة ممارسة منظمة لا مجرد اجتهاد شخصي.

من الفرد إلى المؤسسة: مفهوم التقوى المؤسسية:

عندما نتحدث عن تحويل التقوى الإدارية إلى "تقوى مؤسسية"، فإن المقصود ليس تحويل المؤسسة إلى مساحة للوعظ أو مراقبة النوايا، وإنما بناء نظام إداري يجعل القيم الأخلاقية جزءًا من طريقة العمل نفسها. فذلك قد يشمل:

-                                                     تطوير اللوائح الداخلية بصورة تمنع تضارب المصالح أو استغلال النفوذ،

-                                                     تحديث أنظمة الحوكمة بما يعزز الشفافية والمساءلة،

-                                                     بناء أنظمة رقابية عادلة لا انتقائية،

-                                                     توضيح الصلاحيات والمسؤوليات،

-                                                     ربط السلطة بالمحاسبة،

-                                                     وضع معايير عادلة للتقييم والترقية،

-                                                     اعتماد مدونات للسلوك الاخلاقي والوظيفي،

-                                                     وتأكيد التزام الموظف بالقيم المهنية والأخلاقية عند مباشرته للعمل.

ويمكن القول أن مفهوم التقوى الإدارية أعمق من الأخلاقيات الادارية، فهو خالص العمل لله والمراقبة الذاتية المستمرة في جميع التصرفات الإدارية، وتعني أن الموظف (مهما كان منصبه) يشعر بأن الله مطلع على عمله، فيؤديه بإتقان وأمانة وصدق خوفاً من الله وطلباً لرضاه.

لكن الفكرة الأهم ليست في كثرة النماذج أو التوقيعات، بل في أن يشعر الجميع أن المؤسسة نفسها تحمي العدالة، وتمنع الظلم، وتُصعّب الانحراف، وتجعل الالتزام هو المسار الطبيعي داخل بيئة العمل. فالموظف قد يوقّع على عشرات التعهدات الأخلاقية، لكنه لن يقتنع بها إذا رأى أن النظام يكافئ المجاملة أكثر من الكفاءة، أو يسمح بتجاوزات دون محاسبة. ولهذا فإن التقوى المؤسسية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل ببناء بيئة تنظيمية تجعل القيم قابلة للتطبيق والاستمرار، لا مجرد كلمات جميلة في الأدلة واللوائح.

كيف تكتشف المؤسسة ضعف التقوى مبكراً؟

التحدي الحقيقي أمام أي مؤسسة ليس فقط في وضع الأنظمة والقيم، بل في قدرتها على اكتشاف السلوكيات التي تُضعف التقوى المؤسسية قبل أن تتحول إلى ثقافة عامة داخل بيئة العمل. فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تبدأ بفساد كبير أو تجاوز واضح، بل بسلوكيات صغيرة تتكرر حتى تصبح أمرًا طبيعيًا ومقبولًا.

وفي بعض البيئات الإدارية، قد يتحول النظام نفسه إلى أداة انتقائية؛ فيُطبَّق بحزم على الموظف الضعيف، بينما يتم التغاضي عن المخالفات نفسها عندما تصدر من أصحاب النفوذ أو العلاقات. وقد تتعطل معاملات الناس أيامًا وأسابيع، ثم تُنجز خلال دقائق بمجرد تدخل واسطة أو اتصال هاتفي، وهنا لا تكون المشكلة في غياب اللوائح، بل في غياب التقوى عند تطبيقها.

فمهما رفعت المؤسسة شعارات الجودة والحوكمة، فإن ممارسات مثل المحسوبية والوساطة، واستغلال المنصب لتحقيق المصالح الشخصية، والتلاعب بالتقييمات عمداً، وتعطيل معاملات الناس دون وجه حق، وإقصاء الكفاءات بسبب الخلافات الشخصية، وتحويل السلطة إلى أداة للهيمنة أو الانتقام، وازدواجية المعايير، والتغطية على الأخطاء حفاظًا على العلاقات الشخصية، كلها آفات تؤدي إلى إفراغ الأنظمة من مضمونها وإضعاف العدالة المؤسسية.

ولا يبقى هذا الخلل خفيًا، بل تظهر مؤشراته بوضوح في غياب العدالة في توزيع الفرص والحوافز، وتفضيل العلاقات على الكفاءة، واستغلال الصلاحيات، وإخفاء المعلومات، وضعف الالتزام بالأنظمة والوقت، والتهرب من المسؤولية، وكثرة المجاملات الإدارية، إضافة إلى وجود بيئة يسودها الخوف تمنع الموظفين من مجرد إبداء الرأي أو الاعتراض على الخطأ، كما أن بعض الآثار لا تظهر مباشرة في التقارير الرسمية، لكنها تنعكس في انخفاض الثقة بين الموظفين، وانتشار الإحباط، وضعف الانتماء المؤسسي، وكثرة الصراعات والشكاوى، وشعور الكفاءات بعدم التقدير.

القدوة القيادية: ليست مجرد شعار

إن استعادة التقوى الإدارية لا تبدأ فقط بتشديد الرقابة أو تغليظ العقوبات، بل تبدأ من القدوة القيادية؛ فنزاهة المسؤولين في الادارات العليا والوسطى تمثل الضمانة الأهم لترسيخ الأمانة المهنية وتعزيز الرقابة الذاتية داخل المؤسسة، لأن الموظفين غالباً ما يتأثرون بسلوك قياداتهم أكثر من تأثرهم بالنصوص والتعليمات.

وعندما تتحول اللوائح من نصوص جامدة إلى سلوك مؤسسي حي قائم على الضمير المهني والعدالة، تستعيد المؤسسة روحها، وتتعزز الثقة داخلها، وتصبح الأنظمة أدوات للإصلاح الحقيقي لا مجرد وثائق شكلية.

كيف تُبنى مؤسسة على التقوى؟

إن المؤسسة التي تريد بناء تقوى مؤسسية حقيقية تحتاج إلى أنظمة تساعدها على اكتشاف الانحرافات مبكرًا، مثل:

-                                                     تفعيل قنوات الشكاوى والمقترحات،

-                                                     إجراء استبيانات سرية لقياس العدالة والرضا،

-                                                     مراجعة قرارات الترقية والتقييم والحوافز بصورة دورية،

-                                                     تعزيز الشفافية في الإجراءات،

-                                                     وجود رقابة داخلية عادلة،

-                                                     وتحليل الأنماط المتكررة للسلوك الإداري وليس فقط المخالفات الرسمية الواضحة.

كما أن التزام الموظفين لا يتحقق بالقوة وحدها ولا بالرقابة المستمرة فقط؛ لأن الإنسان قد يلتزم مؤقتًا خوفًا من العقوبة، لكنه لن يستمر إذا كانت البيئة نفسها تشجع السلوك الخاطئ أو تكافئه بصورة غير مباشرة. فالالتزام الحقيقي ينمو عندما يشعر الموظف أن النظام عادل، والمعايير واضحة، والحقوق محفوظة، والمجتهد يُقدَّر، والمسيء يُحاسب، والقيادات نفسها تلتزم بما تطلبه من الآخرين.

كما أن مشاركة الموظفين في بناء الأنظمة والسياسات تعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء، وتجعل الالتزام نابعًا من القناعة لا من الخوف فقط. ولذلك فإن المؤسسة الناجحة لا تركز فقط على "معاقبة الخطأ"، بل تعمل أيضًا على بناء ثقافة تجعل السلوك الصحيح أكثر استقرارًا واحترامًا وانتشارًا داخل بيئة العمل.

إن التقوى الإدارية لا تعني أن يتحول المدير إلى واعظ، بل أن يتحول المنصب إلى أمانة حقيقية. أن يشعر المسؤول أن تأخير الحقوق وتأخير المعاملات ظلم، واستغلال النفوذ فساد، وتهميش الكفاءات خيانة للمؤسسة وإخلال برسالتها ودورها.

ولكن يبقى السؤال الأهم: كيف يكتشف المواطن وجود التقوى الشخصية لدى الموظف؟ وكيف يشعر بوجود تقوى مؤسسية حقيقية داخل المؤسسة؟ هل تظهر في الشعارات والخطابات، أم في طريقة التعامل، وعدالة الإجراءات، واحترام الحقوق، وكرامة الإنسان؟ هذا ما سنناقشه في المقال القادم – إن شاء الله – من خلال الحديث عن كيف يلمس الناس التقوى المؤسسية في واقعهم اليومي، وكيف يميزون بين مؤسسة تُدار بالقيم، وأخرى تكتفي بالحديث عنها.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر