د. عبد الملك أبو دنيا
في زمنٍ تتسابق فيه الأمم نحو الاكتفاء الذاتي والسيادة الاقتصادية، تأتي توجيهاتُ السيد القائد هذه الأيّام المباركة كخارطة طريق حقيقية لكل أكاديمي، وباحث، وصناعي، ومزارع، ومسؤول في هذا الوطن العظيم.
ليست مُجَـرّد كلمات تُقال في محاضرات توعوية وإرشادية، بل رسائل وطنية عميقة توقظ الضمير، وتفتح العقول، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية.
السيد القائد يكرّرها دائمًا بوضوح:
ابحثوا عن خيرات اليمن.
استخرجوا كنوز الأرض.
وطّنوا الصناعة.
اعتمدوا على أنفسكم.
وابنوا اقتصادًا وطنيًّا قويًّا لا يهتز أمام الحصار ولا أمام الأزمات.
اليمن ليست دولة فقيرة كما يعتقد البعض، بل دولة غنية بثرواتها، فقيرة فقط في حسن الإدارة واستغلال الإمْكَانيات.
في باطن هذه الأرض كنوز هائلة من المعادن والثروات الطبيعية التي ما زال الكثير منها مجهولًا أَو غير مستثمر بالشكل الصحيح.
اليمن تمتلك مخزونًا واعدًا من المعادن الصناعية والاستراتيجية التي يمكن أن تتحول إلى أَسَاس لنهضة صناعية ودوائية وزراعية ضخمة، لو وُجدت الإرادَة الحقيقية، والرؤية العلمية، والعمل المؤسّسي المنظم.
اليوم السيد القائد يقيم الحجّـة علينا جميعًا.
على الجامعات.
على مراكز الأبحاث.
على الأكاديميين.
على المستثمرين.
وعلى كُـلّ صاحب عِلم أَو خبرة.
فما قيمة جامعة لا تتحول أبحاثها إلى مشاريع تنموية؟
وما فائدة رسائل الماجستير والدكتوراه إذَا بقيت حبيسةَ الأدراج؟
وما قيمة الباحث إن لم يشعر بوجع وطنه ويسخِّر علمه لخدمة شعبه؟
للأسف، لدينا آلافُ الطاقات البحثية والعقول المتميزة، لكن جزءًا كَبيرًا منها يُهدر دون أن يعود بالنفع الحقيقي على البلد.
بينما العالم اليوم يبني اقتصاده على البحث العلمي والابتكار، ما زال كثير من جامعاتنا بعيدًا عن احتياجات الواقع، وكأنها تعيش في عالم منفصل عن معاناة الناس وطموحات الوطن.
إن توطين الصناعات الدوائية والغذائية لم يعد رفاهية، بل ضرورة سيادية وأمن قومي.
فالبلد الذي لا يصنع دواءه وغذاءه سيبقى رهينة للخارج مهما امتلك من ثروات.
واليمن تملك المقومات الحقيقية للنجاح:
الموقع، والثروات، والعقول، والأيدي العاملة، والسوق الواسعة، والإرادَة الشعبيّة.
لكن المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفعل.
نريد جامعاتٍ تنزل إلى الميدان وتدرس المعادنَ والثرواتِ والمحاصيلَ والاحتياجات الصناعية الحقيقية.
نريد شراكةً حقيقيةً بين القطاع الأكاديمي والقطاع الصناعي.
نريد مراكز أبحاث تتحول إلى مصانع ومنتجات ومشاريع وطنية.
نريد خططًا واضحة لاستغلال الثروات المعدنية في الصناعات الدوائية، والغذائية، والتجميلية، والهندسية، والطاقة، وغيرها.
لقد آن الأوانُ أن يتحول الباحث اليمني من مُجَـرّد ناقل للمعلومة إلى صانع للحل.
وأن تتحول الجامعة من مبنى للتلقين إلى مصنع للعقول والمشاريع والتنمية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد هو أن يمتلك الثروة والعقول ثم يعجز عن استغلالهما.
ولهذا فإن المسؤولية اليوم عظيمةٌ أمام الله وأمام الشعب وأمام الأجيال القادمة.
كل عقل مهاجر؛ بسَببِ الإهمال خسارة وطنية، وكل فكرة تموت داخل الأدراج جريمة في حق اليمن، وكل ثروة تُترك دون استثمار هي فرصة ضائعة للتنمية والسيادة الاقتصادية.
اليمن اليوم بحاجة إلى ثورة علمية وصناعية وزراعية حقيقية، تبدأ من الجامعات ومراكز الأبحاث، وتمتد إلى المصانع والمزارع وحقول التعدين، حتى نصل إلى وطنٍ منتجٍ قويٍ يعتمد على نفسه، ويصنع مستقبله بيده.
ومن يستمع جيِّدًا لتوجيهات السيد القائد يدرك أنها ليست خطابات عابرة، بل مشروع نهضة وطنية متكامل، يحتاج فقط إلى رجال مخلصين يؤمنون بالوطن، ويحسنون العمل، ويحولون التوجيهات إلى إنجازات على أرض الواقع.
فاليمن أرضٌ مباركة.
وفيها من الخيرات والثروات ما يكفي لبناء اقتصاد عظيم.
لكن الأمم لا تنهض بالموارد وحدها، بل تنهض بالإرادَة، والعلم، والإخلاص، والعمل.

.png)


.png)
.jpg)
.jpg)