مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 4 رمضان 1447هـ
في محاضرته الرمضانية الثالثة تحدث السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي عن طبيعة الصراع بين الحق والباطل بناءً على قصة نبي الله موسى عليه السلام والطاغية فرعون، وقد كانت محاضرة السيد القائد دعوة صريحة لليقظة والوعي، وربطاً محكماً بين القَصص القرآني الخالد والواقع المعاش، مقدمة خارطة طريق للمستضعفين نحو التحرر والتمكين، ومحذرة من مغبة الاستسلام أو موالاة الطغاة، ومبشرة بأن سنة الله في نصر المستضعفين باقية لمن استحقها بالوعي والإرادة والتوجه الصادق إلى الله.
واستهل الحديث بالتأكيد على عظمة هذه القصة من خلال مصدرها الإلهي، {نَتْلُو}، فهي ليست من تأليف بشر، بل هي وحي من الله "سبحانه وتعالى" يتلى على رسوله الكريم "صلى الله عليه وعلى آله وسلم"، ما يمنحها القدسية والثبات والصدق المطلق، كما أن توجيه الخطاب للنبي {عَلَيْكَ} يحمل دلالة عميقة، فهو المتلقي الأول لهذا الهدي، ليكون قدوة في استلهام العبر من سير الأنبياء السابقين والأحداث التاريخية، وتسخير هذه المعرفة في النهوض بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتقه، وقد خُصَّ هذا النبأ من بين أنباء كثيرة، فهو {مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ}، أي جزء من خبر عظيم، انتقاه الله بحكمته ليشتمل على أبلغ العبر وأعظمها فائدة للبشرية، ويأتي هذا النبأ {بِالْحَقِّ}، خالياً من أي خرافة أو أسطورة، ليكون هداية {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ ليزدادوا به إيماناً وبصيرة، ويثبتوا على الحق، ويزدادوا ثقة بوعد الله ونصره، مهما بدت موازين القوى مختلة.
وقد استعرض السيد القائد نموذجين متناقضين يمثلان صراع الحق والباطل الأزلي، فنبي الله موسى عليه السلام يجسد الإحسان والهدى والثقة المطلقة بالله، والسعي الدؤوب لإنقاذ المستضعفين ومواجهة الطغيان والاستكبار، متحملاً أعباء الرسالة في ظروف بالغة التعقيد، وفي المقابل يمثل فرعون قمة الطغيان، بما امتلكه من قوة عسكرية واقتصادية وسياسية وسيطرة مستحكمة على شعبه، فوصل به الاستكبار إلى ادعاء الربوبية والألوهية، وتوجيه طغيانه نحو حياة الناس، ليصبح نموذجاً لأبشع صور الإجرام.
-
وتقدم القصة نموذجين متناقضين بشكل صارخ:
1. نموذج الطغيان والاستكبار: يتجلى في شخص فرعون الذي {عَلَا فِي الْأَرْضِ}، أي تجاوز حده وتكبر حتى ادعى الربوبية، وقد وظّف إمكانيات دولته الهائلة (عسكرياً، اقتصادياً، سياسياً) في الطغيان والظلم، وكانت سياساته تقوم على:
- التفريق: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، وهي سياسة (فرق تسد) التي تهدف إلى تمزيق المجتمع وإحكام السيطرة عليه عبر استغلال تبايناته. وهي السياسة ذاتها التي يتبعها طاغوت العصر.
- الاستضعاف والاضطهاد: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}، وهم بنو إسرائيل، حيث مارس ضدهم أبشع أنواع القهر والإذلال.
- الإبادة والتقتيل: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}، كإجراء احترازي وحشي لمنع ظهور نبي الله موسى، وكوسيلة لتحديد النسل وتعذيبهم نفسياً، حتى أصبحوا وكأنهم (خرفان) تُساق للذبح دون حراك.
- إهانة النساء واستغلالهن: {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}، بهدف استغلالهن في الخدمة والفساد. وهذه سياسة طاغوتية لنسونة المجتمع وتمييعه والقضاء على قيمه.
- الإفساد: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}، فالفساد كان ديدنه في نفسه وفي سياساته تجاه المجتمع.
وصل ببني إسرائيل من خلال هذه السياسات إلى حالة من الاستضعاف المطلق واليأس من الخلاص، لدرجة أنهم كانوا يتفرجون على أطفالهم يُذبحون دون أي رد فعل، ما يعكس أقصى درجات الخضوع والانهزام.
وتوقف السيد القائد مطولاً عند الآية الكريمة: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، موضحاً أن هذه المنة الإلهية تعني الخلاص من الاستعباد والظلم والقهر، والانتقال إلى الكرامة والعزة والحرية والتحرك وفق تعاليم الله. وأكد أن هذه سنة إلهية ثابتة ومستمرة في كل الأجيال، فالله يريد خلاص المستضعفين لأنه الرحيم بعباده، يريد لهم أن ينتقلوا بهم إلى دور رائد في المجتمع في مواجهة الطغاة والمستكبرين، وهذه من مصاديق (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ).
-
وتتعدى هذه المنّة الإلهية مجرد الخلاص والنجاة، لتشمل ثلاث مراتب عظيمة:
1. القيادة والريادة: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً}، أي ينقلهم الله من حالة التبعية والذل إلى موقع الصدارة والقيادة، فيكونون أئمة هدى يُقتدى بهم.
2. الإرث والتمكين: {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}، فيرثون الأرض بعد أن كانوا مستضعفين فيها، وتكون لهم الكلمة العليا والسيادة.
3. التمكين في الأرض: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، فيصبح لهم السلطان والقدرة على إقامة دين الله وتطبيق شرعه، والتحرك برسالته.
ودعا السيد القائد إلى وعي واقعنا المحلي والعالمي، مؤكداً أن من سنن الله الثابتة إنقاذ المستضعفين وعدم ترك المجال للطغاة للتحكم بالناس، ولكن من المهم للمستضعفين أن يكونوا واعين وحريصين على الخروج من وضعيتهم.
وفي هذا السياق، قدم السيد القائد تصنيفاً قرآنياً للمستضعفين إلى ثلاثة أصناف، وهو تصنيف يحدد من يستحق نصر الله ومن لا يستحقه:
الصنف الأول: المستضعفون الواعون، وهم الذين يعون واقعهم، غير راضين بالظلم، يتوقون للتحرر، ويتوجهون إلى الله تعالى طالبين الخلاص والنصير (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا). هؤلاء هم الجَديرون برحمة الله ونصره، لأنهم جمعوا بين وعي الواقع وإرادة التغيير والتوجه إلى مسبب الأسباب.
الصنف الثاني: المستضعفون المستسلمون، وهم الذين لا يعون واقعهم، ولا يملكون إرادة التغيير، بل هم في حالة جمود وخضوع تام للواقع المرير. هؤلاء لا يستحقون النصر الإلهي، بل يتوعدهم الله بسوء المصير في الآخرة (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)، لأنهم فضلوا الذل والهوان على السعي في الأرض والهجرة إلى حيث يقيمون دينهم.
الصنف الثالث: أتباع الطغاة، وهم الذين يوالون المستكبرين ويتبعونهم طواعية هؤلاء يدخلون في سنة تولية الظالمين بعضهم بعضاً، وهم شركاء في الإثم والمسؤولية، ومصيرهم مع أئمتهم في النار (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
واختتم السيد القائد بالتأكيد على أن سنة الله لا تقتصر على تخليص المستضعفين من الظلم، إنما تتعدى ذلك إلى رفع مقامهم ونقلهم إلى مرحلة أعلى ووضع عظيم، ليصبحوا أمة قوية ذات قيادة منها، ولها تأثير في الساحة. وهذه حكمة الله وإرادته، وهي تفتح أملاً كبيراً للمستضعفين. وذكر أن هذه النقلة من الاستضعاف إلى الإرادة والريادة حصلت للمسلمين حتى مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، حينما أتى الوعد بالنصر في سورة الروم، وهم في أضعف حالاتهم، كما استشهد بقصة الخندق وكيف سخِر المنافقون من بشارة الله بالنصر بقولهم: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، مؤكداً أن التعبير القرآني يؤكد سنة الله في الأرض: (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ).
وفي ما يتعلق بواقعنا المعاصر فالعبرة أن الطغاة المعاصرين (وأبرزهم اليهود وأمريكا) يدركون هذه السنة الإلهية جيداً، ولهذا فهم لا يطمئنون إلى سيطرتهم على الحكومات العربية والإسلامية، بل يخشون الشعوب ذاتها. إنهم يخشون أن يتحول هذا الاستضعاف الظاهر إلى قوة دافعة نحو التحرر، لذلك يركزون بشكل كبير على إفساد الشعوب؛ لأن الشعب الفاسد البعيد عن الله لا يكون أهلاً لنصره ورعايته، فهم يحاولون قطع الصلة بين المستضعفين وبين ربهم، ليبقوا في دائرة الضعف والهوان، بعيدين عن أسباب الفرج والتمكين. وهذه حقيقة استراتيجية في الصراع، فالمعركة ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وإيمان وإرادة.






.png)