مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
منهج المواجهة: من نبي الله موسى والطاغية فرعون إلى الصراع مع المشروع الصهيوني

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 4 رمضان 1447هـ
يشكل القصص القرآني ركناً أساسياً في المنهج التربوي والإلهي لهداية البشرية، فهو بعيد عن كونه مجرد سرد تاريخي لأمم غابرة، بل هو نافذة على سنن الله الثابتة في الكون والمجتمعات، ودروس حية تتجدد عبر الأزمان، تكتسب أهمية دراسة هذا القصص بعداً معرفياً ووجودياً، خاصة في عصر تصارعت فيه الروايات التاريخية، وتنوعت وسائل تقديمها، إلا أن القصص القرآني يظل متفرداً بمصدره الإلهي، وبمنهجيته في الطرح، وبغايته السامية في بناء الوعي وإصلاح الفرد والمجتمع، الأمر الذي يجعله المصدر الأوثق لفهم طبيعة الصراع الحالي مع المشروع الصهيوني الذي يمثل التجسيد المعاصر لطغيان فرعون.

في المحاضرة الرمضانية الثانية للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي تحدث عن إبراز القيمة الفريدة للقصص القرآني، وتمييزه عن كل أشكال السرد التاريخي البشري، ثم توظيف هذا التميّز لإحياء الوعي المعاصر من خلال استحضار قصة نبي الله موسى عليه السلام والطاغية فرعون باعتبارها نموذجاً حياً يتكرر في كل زمان.

بداية أكد السيد القائد على أهمية القصص عموماً في حياة الأمم، لأنها وسيلة لاستخلاص العبر وفهم سنن الله في التاريخ، غير أن القصص القرآني يتفرد عن كل روايات البشر لأن مصدره الله سبحانه وتعالى، العليم بالغيب والشهادة، المحيط بخفايا النفوس وبحقيقة الأحداث وأسبابها، لذلك فهو قصص خال من التحريف والهوى والأساطير، ويُعرض بطريقة هادفة مقصودة للهداية، لا لمجرد السرد أو التسلية، ما يختاره القرآن الكريم من أحداث هو ما تحتاجه الأمة في مسيرتها الإيمانية، وما يعينها على فهم واقعها والتحرك فيه بوعي وبصيرة.

ومن أهم ما يقدمه القصص القرآني أنه يعمّق معرفة الله عز وجل، ويعزز الثقة بوعده ونصره، ويكشف سننه في نصرة المستضعفين وأخذ الطغاة، ويُنمّي لدى المؤمنين الوعي بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهو ليس تاريخاً منقطعاً عن الحاضر، بل هداية عملية مستمرة، تزيد المؤمن إيماناً ويقيناً، وتمنحه أدوات الفهم والتحليل لمواجهة التحديات.

في هذا السياق، يركز السيد القائد على قصة موسى عليه السلام كما وردت في سورة القصص وغيرها، باعتبارها أكثر القصص تكراراً في القرآن الكريم، ولأنها تمثل نموذجاً مركزياً للصراع بين الحق والطغيان، فموسى عليه السلاك يجسد قيم الرحمة والعدل ومواجهة الاستكبار، بينما يجسد فرعون نموذج السلطة المتألهة التي تستعمل القوة والاقتصاد والسياسة لتكريس الطغيان، ويبيّن القرآن كيف اعتمد فرعون سياسة “فرّق تسد”، فجعل المجتمع شيعاً ليستضعف فئة بعينها، ومارس أقصى درجات القهر بقتل الأبناء واستحياء النساء، حفاظاً على ملكه ومنعاً لزوال سلطانه.

الغاية من عرض هذه القصة كشف نمط الطغيان الذي يستخدم التفريق والقهر والإرهاب للسيطرة، في مقابل نمط الإيمان الذي يصبر ويثق بالله ويتحرك في إطار سننه، ويربط السيد القائد بين طغيان فرعون والطغيان الأمريكي الإسرائيلي، ليؤكد أن الصراع لم ينتهِ، وأن الدروس التي حملتها القصة ما تزال حية وضرورية في واقع الأمة اليوم.

يشدد السيد القائد على أن القصص القرآني ليس مادة وعظية مجردة، ولا تاريخاً للماضي، بل هو منهج وعي وبصيرة، يكشف طبيعة الطغيان وأساليبه، ويزرع الثقة بوعد الله، ويمنح المؤمنين القدرة على قراءة واقعهم ضمن سنن الله الثابتة، ومن خلال قصة موسى عليه السلام والطاغية فرعون، يدعو السيد القائد إلى استلهام الدروس في مواجهة الاستكبار المعاصر، والثبات في طريق الحق، مع اليقين بأن العاقبة للمتقين.

  • التفرد الإلهي للقصة القرآنية: المصدر والغاية في زمن التضليل

تتجلى المكانة الفريدة للقصة القرآنية من خلال عدة جوانب أساسية تميزها عن أي سرد تاريخي بشري، وفي مقدمتها قدرتها على كشف زيف الرواية الصهيونية للأحداث، فالمصدر الإلهي يضمن للقصة القرآنية عصمة لا تتوفر في أي كتابة بشرية، حيث أن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو خالق الأحداث ومدبرها، والعالم بظاهرها وخافيها، هذا العلم المطلق يلبي المتطلبات الأساسية لأي نقل تاريخي موثوق: المتطلب المعرفي القائم على العلم الكامل بالحدث، والمتطلب السردي القائم على النقل الخالي من التحريف والافتراء.

وفي زمننا هذا، حيث يروّج اليهود الصهاينة لروايات مفبركة عن "أرض الميعاد" و"الشعب المختار"، فإن القصص القرآني يكشف زيف هذه الادعاءات، ويقدم الصورة الحقيقية لبني إسرائيل القدامى، ليس كأسياد للعالم، بل كأمة مرت بدورات من النصر والهزيمة وفق سنن الله الثابتة، والتي ختمت بتحريفهم للدين وطردهم من الأرض المقدسة بسبب فسادهم، كما يثبت القصص القرآني أن اليهود الصهاينة في هذا العصر هم امتداد للنهج الفرعوني الطغياني.

إضافة إلى ذلك، فإن طريقة التقديم الإلهية للقصص القرآني تحمل في طياتها هداية مقصودة تصلح لكل زمان ومكان، فالله "جَلَّ شَأنُهُ" ينتقي من الأحداث ما يحتاجه الإنسان في مسيرة هدايته، ويصوغها صياغة تحمل العبرة وتقدم الشواهد على حقائق الإيمان الكبرى، لذلك، لم يكن القصص القرآني ترفاً فكرياً، بل كان غاية ووسيلة، تتجلى في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111]، حيث أن "أولي الألباب" هم وحدهم القادرون على استخراج الدروس واستخلاص العبر من هذه القصص العظيمة، وهم أيضاً القادرون على تمييز وجه الشبه بين فرعون الأمس واليهود اليوم.

  •  تنوع الدروس والعبر: من بناء اليقين إلى فهم الصراع مع العدو الصهيوني

تتنوع الدروس المستقاة من القصص القرآني لتشمل جميع جوانب الحياة الإيمانية والعملية، في مقدمتها، تأتي الدروس المتعلقة بمعرفة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وتعزيز الثقة به، من خلال استعراض قدرته على نصر أوليائه، وصدق وعده، وحكمته في تدبير الأمور، وفي زمن الاستضعاف الذي تعيشه الأمة، حيث يمتلك العدو الإسرائيلي وأمريكا التفوق العسكري والتقني والإعلامي، فإن استذكار قصة موسى عليه السلام يبعث في النفس الطمأنينة بأن العاقبة للمتقين، وأن الله غالب على أمره، وأن نهاية الطغاة مهما علوا هي الغرق والهلاك.

كما تقدم القصص القرآني نماذج متقابلة تسعفنا في تحليل الواقع المعاصر؛ نماذج إيمانية راقية تحتذى كأنبياء الله ومؤمنيهم، وأخرى طاغية منحلة، وفي هذا الإطار، يمكن قراءة شخصية "فرعون" كنموذج أصلي للطاغية المستكبر، هذه النماذج تتجلى بوضوح في الكيان الإسرائيلي المعاصر: فرعونيته في طغيانه العسكري والسياسي وتزييف الحقائق وتبرير الجرائم تحت ذرائع واهية ، وقارونيته في استغلاله للاقتصاد العالمي وسيطرته على الثروات.

وفي هذا السياق، تبرز قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" كنموذج فريد لما يمكن أن تقدمه القصة القرآنية من دروس عملية وثيقة الصلة بواقع الأمة، لقد تكررت هذه القصة في القرآن الكريم أكثر من غيرها، مما يدل على أهميتها المركزية في صراع الخير والشر، والذي يمتد عبر التاريخ، هذه القصة تشكل مرآة صادقة لواقع الأمة اليوم في صراعها مع قوى الطغيان المعاصرة، التي تمثلها بشكل خاص الصهيونية العالمية.

اللافت للنظر والمثير للتأمل أن القرآن الكريم نفسه وضع مقياساً للمقارنة عندما وصف علو فرعون بأنه {عَلَا فِي الْأَرْضِ} [القصص:4]، بينما وصف علو بني إسرائيل بأنه {عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء:4]. هذا التفاوت في الوصف يشير إلى أن طغيان بني إسرائيل سيكون أشد وأكثر انتشاراً وتأثيراً من طغيان فرعون نفسه، وهذا ما نشهده اليوم في الكيان الصهيوني الذي لا يطغى على أرض فلسطين وحدها، بل يمتد طغيانه ليشمل العالم بأسره عبر شبكات الضغط واللوبيات، والتأثير في القرار الدولي، والهيمنة على وسائل الإعلام، وامتلاك أسلحة الدمار الشامل.

  • استهلال سورة القصص: تأصيل المنهج وتأكيد الحق في مواجهة الباطل الصهيوني

يقدم مطلع سورة القصص نموذجاً تطبيقياً للمنهج القرآني في عرض القصة، وهو منهج يمكننا من تفكيك الخطاب الصهيوني المعاصر، يقول تعالى: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص:3]. هنا تتجلى دقة التعبير القرآني:

- {نَتْلُو عَلَيْكَ}: تؤكد أن المصدر الإلهي هو الضامن للصدق والكمال، في مقابل الرواية الصهيونية التي تعتمد على الانتقاء والتحريف لخدمة أغراضها السياسية.

- {مِنْ نَبَإِ}: تشير إلى أن القرآن الكريم يختار الجزء الأهم الموصل للعبرة، وهذا يعلّمنا كيف نقرأ الأحداث الجارية اليوم؛ فنحن لا نحتاج إلى كل تفاصيل التاريخ، بل إلى قراءة سنن الله في الانتصار والهزيمة، وكيف يتعامل المؤمنون مع الطغيان.

- {مُوسَى وَفِرْعَوْنَ}: يمثلان قطبي الصراع الأزلي، وفي عصرنا، موسى يمثل كل حركة تحرر تنطلق من الإيمان بالله، وفرعون يمثل الكيان الصهيوني بكل أدواته العسكرية والسياسية والإعلامية.

- {بِالْحَقِّ}: صفة شاملة للمصدر والمضمون والغاية، وهذا يتناقض تماماً مع الرواية الإسرائيلية القائمة على الباطل والكذب وتزييف التاريخ.

- {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: تحدد الفئة المستهدفة والمستفيدة، وهم المؤمنون اليوم الذين يواجهون آلة الحرب الصهيونية، ويحتاجون إلى اليقين بأن النصر حليفهم مهما طال الطغيان، وأن الهزيمة مصير العدو مهما بلغ من القوة والعتاد.

 بداية القصة: تشخيص الداء في نموذج فرعون وانعكاساته على واقعنا مع اليهود
تفتتح القصة بتأكيد حقيقة طغيان فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} [القصص:4]. هذا العلو لم يكن مجرد تكبر شخصي، بل تحول إلى سياسة منهجية لممارسة الظلم والتحكم في المجتمع، من خلال استغلال كافة إمكانيات الدولة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وإذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن العدو الإسرائيلي يمارس نفس السياسات بل وأشد:

1.  "فرق تسد" الصهيونية: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، وهي سياسة "فرق تسد" ، يطبقها العدو الإسرائيلي اليوم بأعلى المستويات، ليس فقط عبر تفريق الفلسطينيين أنفسهم بين غزة والضفة والداخل المحتل والشتات، بل عبر تفريق الأمة العربية والإسلامية كلها، فالعدو يشجع الانقسامات المذهبية والقومية والعرقية، ويعمل على إضعاف أي تيار وحدوي، وتستثمر في النعرات الإقليمية لتضمن بقاءه آمنا مطمئنا وسط أمة مشتتة، واتفاقيات "التطبيع" مع الأنظمة العربية هي أحدث تجليات هذه السياسة، حيث تهدف إلى عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي والإسلامي.

2.  الاستضعاف المنهجي - مخطط تهويد الأرض: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}، حيث طبق فرعون سياسة التمييز والاضطهاد على بني إسرائيل، أما العدو الإسرائيلي اليوم فيطبق الاستضعاف على الشعب الفلسطيني بكل الوسائل: تهجير قسري، مصادرة أراضي، استيطان جائر، حصار خانق لقطاع غزة، اعتقالات يومية، محاكم عسكرية، هو يسعى إلى استضعاف الفلسطيني حدّاً يفقده الأمل في الحياة الكريمة على أرضه، فيختار الرحيل طواعية تاركاً الأرض للمحتل، هذا هو جوهر المشروع الصهيوني.

3.  التعذيب البشع - الإبادة الجماعية في غزة: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}، وهي ذروة الإجرام والوحشية، هذا المشهد الذي وصفه القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام، نراه اليوم ماثلاً أمام أعيننا في غزة، بل بصورة أكثر بشاعة، فما كان يفعله فرعون بذبح الأطفال، يفعله العدو الإسرائيلي بالقصف العشوائي والتجويع المتعمد ومنع الدواء واستهداف المستشفيات والمدارس، فرعون كان يذبح الأطفال طغيانا وتكبرا وف نفس الوقت خوفاً من مولود جديد، والعدو الإسرائيلي فيذبحهم قهراً وعدواناً وترويعاً، ما يعني أن الغاية واحدة "وأد المستقبل" لهذا الشعب، وكسر إرادته، وإذلاله.

4.  الإفساد الشامل - الفساد في الأرض: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}، فلم يقتصر إفساد فرعون على بني إسرائيل وحدهم، والكيان الإسرائيلي اليوم هو المفسد الأكبر في الأرض، هو الذي يزرع الفتن في أوصال الأمة، ويدعم الانقلابات والصراعات الأهلية، ويصدر التقنيات التجسسية لمراقبة الشعوب، ويصنع الفساد الأخلاقي عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، ويدمر كل فلسطين وهذا فساد شامل يطال الدين والدنيا معاً.

وهكذا، يتضح أن الصراع مع العدو الإسرائيلي ليس مجرد صراع حدود أو أرض، بل هو امتداد للصراع الأزلي بين الحق والباطل، بين الإيمان والطغيان، بين موسى وفرعون، وقصة موسى عليه السلام تبشرنا بأن النهاية حتمية: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62]، وأن فرعون وجنوده سيلقون المصير نفسه الذي ينتظر كل طاغية مستكبر، وما نحتاجه اليوم هو استلهام دروس القصة: الصبر كما صبر موسى عليه السلام، والثقة بوعد الله، والإعداد كما أعد موسى عليه السلام، ورفض المساومة على الحق، حتى يأتي نصر الله.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر