مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 23 رمضان 1447هـ
في الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1422 هـ، الموافق للثالث عشر من ديسمبر 2001م، ألقى شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) محاضرته التاريخية [يوم القدس العالمي]، ضمن سلسلة [دروس من هدي القرآن الكريم]. كانت تلك المحاضرة بمثابة البيان التأسيسي لمشروعه القرآني النهضوي، الذي سعى من خلاله إلى إحياء الوعي الإسلامي، وتحصين الأمة من الاختراق الأمريكي-الصهيوني، وإعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها المركزي في وجدان المسلمين.
في هذه المحاضرة، استلهم السيد حسين رؤية الإمام الخميني (رحمة الله عليه) الذي أطلق في السابع من أغسطس 1979م دعوته التاريخية لاعتبار آخر جمعة من شهر رمضان [يوم القدس العالمي]، يومًا يتحد فيه المسلمون في جميع أنحاء العالم للتعبير عن رفضهم للكيان الصهيوني المغتصب، ومساندتهم للشعب الفلسطيني المقاوم.
لم تكن محاضرة شهيد القرآن مجرد تأييد لمبادرة الإمام الخميني، بل كانت قراءة عميقة لواقع الأمة، وتشخيصًا دقيقًا لأسباب انحرافها، ودعوة صريحة للشعوب الإسلامية للنهوض بمسؤولياتها في مواجهة مشروع الهيمنة الذي تقوده أمريكا و"إسرائيل"، بعد أن ثبت عجز الأنظمة والحكومات عن القيام بواجبها.
-
دلالة التوقيت.. الربط بين شهر رمضان ويوم القدس
يفتتح شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي محاضرته بالإشارة إلى أهمية التوقيت الذي اختاره الإمام الخميني لإحياء يوم القدس العالمي، فيقول: (أيها الأخوة الأعزاء في هذا الشهر الكريم, شهر القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185) هو شهر كما حكى الله عنه، شهر القرآن يرجع فيه الناس إلى الله، يرجع فيه الناس إلى هذا القرآن العظيم؛ ليعرفوا كيف يهتدون بهدي الله في كل ما يواجهونه في حياتهم).
هذا الربط بين شهر رمضان المبارك - الشهر الذي أُنزل فيه القرآن الكريم - وبين يوم القدس يحمل دلالات عميقة، فشهر رمضان هو شهر التزكية الروحية والعودة إلى الله، وهو شهر القرآن والهداية، وفيه تتفتح القلوب وتصفو النفوس، ما يجعله التوقيت الأمثل لغرس قيم الجهاد والمقاومة والدفاع عن المقدسات في وجدان المسلمين.
اختار الإمام الخميني (رحمة الله عليه) آخر جمعة من رمضان، وهو الذي يعتبر من أيام ليالي القدر، ويمكنه أن يلعب دوراً مهماً في مصير الشعب الفلسطيني، فليلة القدر هي ليلة تُقدَّر فيها الأمور، وتنزل فيها الملائكة والروح بإذن ربهم، وهي ليلة خير من ألف شهر، وفي هذا التوقيت دعوة للأمة لاستغلال البركة الروحانية لهذا الشهر في تجديد العهد مع القضية المركزية للأمة.
-
يوم القدس.. صرخة في وجه الاستكبار
يشير شهيد القرآن إلى أن الإمام الخميني "اقترح في هذا الشهر الكريم… ذلك الرجل العظيم من سلالة بيت النبوة, ومعدن الرسالة أن تكون آخر جمعة من شهر رمضان هي يومٌ يسمى: [يوم القدس العالمي]”. هذا الاقتراح لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، بل كان دعوة عملية للتحرك الشعبي الواسع.
يقول الإمام الخميني في بيانه التأسيسي الذي ذكره السيد حسين (رضوان الله عليه): "إنني أدعو كافة المسلمين في جميع أرجاء العالم والدول الإسلامية إلى أن يتحدوا من أجل قطع يد هذا الغاصب ومساعديه – يعني إسرائيل – وأدعو جميع المسلمين في العالم أن يعلنوا آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك… يوم القدس العالمي، وأن يعلنوا ضمن مراسم هذا اليوم اتحاد المسلمين بجميع طوائفهم في الدفاع عن الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني المسلم".
هذه الدعوة تحمل رسالة واضحة: إن الوحدة الإسلامية في مواجهة العدو الصهيوني ضرورة وجودية، والتوقيت في ختام رمضان يمثل لحظة الخروج من المحراب إلى الميدان، من العبادة الفردية إلى المسؤولية الجماعية.
يعتبر السيد حسين أن إحياء يوم القدس العالمي ليس مجرد نشاط سياسي، بل هو عبادة وجهاد: "ولذلك فنحن نعتبر أن إحياء هذا اليوم استجابة للإمام الخميني (رحمة الله عليه)؛ ولما نعرفه من أثر مهم في خلق وعي في أوساط المسلمين، ورؤية صحيحة للمخرج مما تعانيه الأمة، أن إحياء هذا اليوم يعتبر فعلاً عبادة، وأن إحياءه يعتبر أيضاً ممارسة جهادية في سبيل الله، إن شاء الله تعالى".
-
يوم الشعوب لا الحكومات
من أبرز ما تميزت به رؤية السيد حسين بدر الدين الحوثي في هذه المحاضرة هو تأكيده على أن يوم القدس هو يوم الشعوب وليس الحكومات، فقد أدرك الإمام الخميني - كما يوضح شهيد القرآن - أن الرهان على الأنظمة العربية والإسلامية قد فشل، وأن هذه الأنظمة لم تعد قادرة ولا راغبة في القيام بواجبها تجاه فلسطين والأمة.
يقول السيد حسين بدر الدين الحوثي: "الإمام الخميني كان رجلاً يفهم المشكلة التي يعاني منها المسلمون… وبعد أن قال هو أنه قد يئس من أن تعمل حكومات المسلمين شيئاً اتجه إلى الشعوب أنفسها". هذا التحول الاستراتيجي من الاعتماد على الحكومات إلى مخاطبة الشعوب يمثل ثورة في المفاهيم، فقد أصبحت الشعوب هي الأمل الحقيقي للتغيير.
وفي تبرير هذا التوجه، يوضح السيد حسين بجلاء: "لأن الشعوب هي نفسها المتضررة، أما الحكومات, أما الزعماء فهم غير متضررين، هم غير مكترثين… الشعوب هي التي تتضرر، الشعوب هي التي تلحقها الذلة والإهانة، الشعوب هي الضحية".
هذا التشخيص الدقيق يكشف عن حقيقة مرة: الأنظمة العربية والإسلامية قد تخلت عن واجبها، بل وفي كثير من الأحيان تواطأت مع المشروع الأمريكي-الصهيوني، في حين أن الشعوب هي التي تدفع الثمن من كرامتها ومقدساتها ومستقبلها.
-
دعوة الإمام الخميني للشعوب: اليقظة والمواجهة
ينقل السيد حسين كلمات الإمام الخميني المباشرة للشعوب: "إن يوم القدس يوم يقظة جميع الشعوب الإسلامية، إن عليهم أن يحيوا ذكرى هذا اليوم. فإذا انطلق المسلمون جميعاً، وانطلقت جميع الشعوب الإسلامية في آخر جمعة من رمضان المبارك في يوم القدس بالمظاهرات والمسيرات فسيكون هذا مقدمة لمنع المفسدين إن شاء الله وإخراجهم من البلاد الإسلامية".
وهو هنا يقدم رؤية إستراتيجية واضحة: المظاهرات والمسيرات الشعبية في يوم القدس ليست مجرد تعبير عاطفي عن التضامن، بل هي “مقدمة لمنع المفسدين” وإخراجهم من البلاد الإسلامية. إنها لحظة التحول من الوعي إلى الفعل، ومن السلبية إلى المواجهة الشاملة.
-
انتقاد الأنظمة العربية المتخاذلة
يوجه السيد حسين نقدًا لاذعًا للأنظمة العربية التي تجاهلت دعوة الإمام الخميني، ويكشف مفارقة صارخة، فالأنظمة العربية ترفض إحياء يوم مقترح من قيادة إسلامية لدعم القضية الفلسطينية، في الوقت الذي تتبنى فيه مناسبات غربية لا علاقة لها بهوية الأمة وقضاياها المصيرية: "لم يستجب العرب للإمام الخميني! حتى هذا اليوم لم يستجيبوا له أن يحيوه، وهم في نفس الوقت يحيون أياماً اقترحها اليهود والنصارى [عيد الأم] [عيد العمال]… لماذا؟ لأنهم خذلوا فعلاً، لأنهم قد خذلوا". وهذا دليل على أن هذه الأنظمة قد فقدت بوصلتها الإسلامية، وأصبحت أسيرة للهيمنة الغربية.
-
القدس قضية إسلامية شاملة لا فلسطينية فحسب
من أهم ما ركز عليه السيد حسين بدر الدين الحوثي في محاضرته هو التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي قضية الأمة الإسلامية بأسرها. يقول: "قضية إسرائيل ليست قضية تخص الفلسطينيين, إنها قضية المسلمين جميعاً، حتى لو اعترف الفلسطينيون أنفسهم بإسرائيل، فلا يجوز للمسلمين أن يقروهم على ذلك، ولا يجوز للمسلمين أن يتخلوا عن جهادهم في سبيل إزالة هذه [الغدة السرطانية]".
هذا الموقف الحاسم يستند إلى رؤية قرآنية واضحة. فلسطين والقدس والمسجد الأقصى ليست ملكًا لجيل واحد أو شعب واحد حتى يتصرف بها كيف يشاء، بل هي أمانة في أعناق المسلمين جميعًا. وأي تفريط فيها من قبل طرف ما لا يُعفي بقية المسلمين من مسؤوليتهم الشرعية في تحريرها.
-
رفض قاطع للاعتراف بالكيان الصهيوني
يتبنى شهيد القرآن موقفًا واضحًا من طبيعة الكيان الصهيوني، فالإمام الخميني (رحمة الله عليه) كما يذكر السيد حسين: "هو الذي أطلق على إسرائيل اسم [الغدة السرطانية]، وهو لا زال في حركته الجهادية داخل إيران قبل انتصار الثورة الإسلامية"، وهو توصيف دقيق للطبيعة الوظيفية لهذا الكيان، فالخلايا السرطانية تنتشر وتدمر الجسد السليم إن لم يتم استئصالها. وهذا ما يفعله الكيان الصهيوني في جسد الأمة الإسلامية.
ويؤكد السيد حسين أن هذا التوصيف يحمل رسالة استراتيجية واضحة: "ليؤكد أن إسرائيل ليس من الممكن المصالحة معها, ولا السلام معها, ولا وفاق معها, ولا أي مواثيق أو عهود تبرم معها". فالسرطان لا يُصالح، بل يُستأصل. وكل محاولات التطبيع أو الاعتراف أو التسوية ليست إلا وهماً كبيراً يخدع الشعوب، ويمنح العدو مزيدًا من الوقت للتمكين.
-
الأطماع الصهيونية من النيل إلى الفرات
يحذر السيد حسين من الأطماع الإستراتيجية للكيان الصهيوني التي لا تتوقف عند حدود فلسطين التاريخية: “إسرائيل تطمح إلى الهيمنة الكاملة على البلاد الإسلامية في مختلف المجالات، وتطمح إلى أن تقيم لها دولة حقيقية من النيل إلى الفرات، لأن هذه الرقعة هي التي يعتقد اليهود أنها الأرض التي كتبها الله لهم”.
هذا التحذير لا يزال قائمًا حتى اليوم، فالمشروع الصهيوني لم يتوقف عند احتلال فلسطين، بل يسعى إلى السيطرة على كامل المنطقة، من خلال الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية. وما نشهده اليوم من محاولات التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني من قبل بعض الأنظمة العربية هو تمكين لهذا المشروع التوسعي.
-
لا حل إلا بالاستئصال الكامل
يقدم السيد حسين بدر الدين الحوثي رؤية استراتيجية واضحة لا مواربة فيها: "أن فلسطين, أن البلاد العربية، أن البلاد الإسلامية كلها لن تسلم من شر اليهود إلا باستئصالهم, والقضاء على كيانهم. أي شيء غير ذلك إنما هو ضياع للوقت، وإتاحة للفرصة أمام إسرائيل أن تتمكن أكثر وأكثر".
هذا الموقف ينبع من قناعة إيمانية وقرآنية، فاليهود - كما يشير السيد حسين إلى الآية الكريمة – "قال الله عنهم: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً}(النساء:53)". أي أنهم لو ملكوا لم يعطوا الناس شيئًا، وهذا ما نراه واقعًا في تعاملهم مع الفلسطينيين وكل من يقاومهم.
ويوجه السيد حسين نقدًا حادًا لمحاولات التسوية التي قادتها السلطة الفلسطينية: "لو وقفنا مع دولة عرفات من أجل تحقيق هذا المطلب لكنا قد اعترفنا بإسرائيل ضمناً أن لها حق الوجود في فلسطين، وأنها تعتبر دولة".
هذا النقد يكشف عن خطورة منطق التسويات والحلول الجزئية، فهي تتضمن اعترافًا ضمنيًا بشرعية الكيان الصهيوني، وتحول القضية من قضية تحرير إلى قضية مفاوضات على الحدود والحقوق. وهذا تنازل استراتيجي يفقد القضية بُعدها الإسلامي الشامل.
-
الصرخة في وجه المستكبرين سلاح الشعوب
بناءً على رؤيته القرآنية، أطلق السيد حسين بدر الدين الحوثي يوم الخميس 17 يناير 2002م شعار "الصرخة في وجه المستكبرين"، والذي يتضمن: "الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام".
لم يكن هذا الشعار مجرد هتاف عاطفي، بل كان "سلاحًا وموقفًا" يهدف إلى كسر حاجز الخوف والصمت الذي فرضته الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على الشعوب المسلمة. إنه تعبير صريح عن البراءة من أعداء الإسلام، وإعلان الموقف بوضوح دون مواربة أو مداهنة، اعتبر أن رفع هذا الشعار يمثل "أضعف الإيمان" الذي يعبر به المؤمن عن موقفه المعلن في وجه المشروع الصهيو-أمريكي. وكان هدفه تعزيز حالة العداء والسخط للعدو الإسرائيلي والأمريكي، وجعلها حصّنًا للمجتمع المسلم من تقبل ما يأتي من جانبهم، ومصوّبًا أنظاره تجاه مؤامراتهم.
-
المقاطعة الاقتصادية سلاح فعّال ومتاح
إلى جانب الشعار، دعا السيد حسين إلى سلاح آخر في متناول كل مسلم: المقاطعة الاقتصادية. مبيناً أن الشعار والمقاطعة الاقتصادية سلاح سهل ومؤثر، والرفض لهما صد عن سبيل الله. يقول في محاضرة [ الشعار سلاح وموقف]: "المقاطعة الاقتصادية كذلك، يجب أن الناس يهتموا بها، المقاطعة للبضائع الأمريكية والبريطانية، يحاولوا أن يقاطعوها. المقاطعة مؤثرة جدًا". ويشير إلى أن الحكومات العربية لا تجرؤ على إعلان المقاطعة رسميًا، خوفًا من رد الفعل الأمريكي، لكن الشعوب قادرة على ذلك، وهي الوسيلة الأنجع لإلحاق الضرر الاقتصادي بالعدو.
-
رفض الصمت والخنوع
يحذر شهيد القرآن من خطورة الصمت في مواجهة العدوان، قائلاً في محاضرة [ الصرخة في وجه المستكبرين]: "قد نتوقع -ببساطة تفكيرنا- أنه إذا سكتنا أفضل، نسكت قد نتوقع أنهم سيسكتون. لا، السكوت سيدفعهم إلى أن يعملوا للحصول على تنازلات كثيرة أخرى، ويعملوا ليصلوا إلى ضرب أشياء أخرى. لن يسكتوا، يجب أن نفهم هذا، لن يسكتوا، ولن يتوقفوا إلا متى ما تحركنا نحن وصرخنا في وجوههم".
هذه الرؤية تقلب معادلة "السكوت من ذهب"، فالصمت أمام العدوان ليس حكمة، بل هو خيانة وتفريط: "السكوت في مرحلة كهذه لا قيمة له، لا قيمة له إلا الخسارة في الأخير، لا قيمة له إلا التضحية بالدين والكرامة والعزة، لا قيمة له إلا الإهانة".
-
العودة إلى القرآن.. البوصلة والمنهج
في مواجهة التحديات الهائلة التي تواجه الأمة، يدعو السيد حسين إلى العودة إلى القرآن الكريم كمصدر للهداية والقوة. يقول: "يجب أن نرتبط بالقرآن الكريم من جديد، ونتعلمه، ونعلم أبناءنا وبناتنا ونساءنا، ونكثر من تلاوته، ونهدي مصاحفه لبعضنا البعض وأشرطة تلاوته، نتحرك في إطار أن نشد أنفسنا إلى القرآن من جديد، وأن نرسِّخ قدسيته ومكانته وعظمته في نفوسنا من جديد"؛ ويعلل ذلك بقوله: "لأن القرآن هو من لو لم يكن من عظمته وفضله إلا أنه يكشف الحقائق أمامنا، لا يمكن لأي كتاب في هذه الدنيا أن يريك الحقائق ماثلة أمامك".
يشخص السيد حسين حالة الأمة بقوله في محاضرة [ معنى لا إله إلا الله]: "إذا تأمل الإنسان في واقع الناس يجد أننا ضحية عقائد باطلة وثقافات مغلوطة جاءتنا من خارج الثقلين كتاب الله وعترة رسوله (صلوات الله عليه وعلى آله)".
هذا التشخيص يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: الأمة ابتعدت عن القرآن والعترة، وامتلأت بثقافات دخيلة شوهت فهمها لدينها ولدورها في الحياة، وأفقدتها القدرة على المواجهة والمقاومة.
وفي محاضرة [ الثقافة القرآنية] يؤكد شهيد القرآن أهمية العودة إلى القرآن الكريم: "نحن إذا ما انطلقنا من الأساس وعنوان ثقافتنا أن نتثقف بالقرآن الكريم سنجد القرآن الكريم هو هكذا، عندما نتعلمه ونتبعه يزكينا، يسمو بنا، يمنحنا الله به الحكمة، يمنحنا القوة، يمنحنا كل القيم".
إن القرآن - في رؤية السيد حسين - هو السلاح الحقيقي الذي يبني الإنسان القوي المؤمن الواعي، القادر على مواجهة التحديات وتحمل المسؤوليات.
-
أخيراًً
لقد استلهم شهيد القرآن من رؤية الإمام الخميني (رحمة الله عليه) الذي أدرك مبكرًا أن الشعوب هي الرهان الحقيقي للتغيير، وأن الأنظمة والحكومات قد تخلت عن مسؤولياتها، وأن القضية الفلسطينية ليست قضية محلية، بل هي قضية الأمة الإسلامية بأسرها، وأن الكيان الصهيوني ليس كيانًا قابلاً للتعايش، بل هو “غدة سرطانية” يجب استئصالها.
قدم السيد حسين أدوات عملية لمواجهة أعداء الأمة: الشعار الذي يكسر حاجز الخوف، والمقاطعة الاقتصادية التي تلحق الضرر بالعدو، والعودة إلى القرآن الكريم الذي يبني الإنسان الواعي القوي.
ودعا الشعوب إلى النهوض بمسؤولياتها دون انتظار الأنظمة المتخاذلة، وإلى إحياء يوم القدس العالمي كممارسة جهادية وعبادية في آن واحد، وإلى رفض كل أشكال التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على هذه المحاضرة، واستشهاد السيد حسين عام 2004م، تبدو رؤيته أكثر "راهنية" من أي وقت مضى. فقد أثبتت الأحداث صدق تحليلاته وصحة توقعاته، وأصبحت الشعوب الإسلامية أكثر وعيًا بخطورة المشروع الصهيو-أمريكي، وأكثر استعدادًا للمواجهة.
إن يوم القدس العالمي -كما رسمه الإمام الخميني وفصّله السيد حسين بدر الدين الحوثي- يبقى محطة سنوية لتجديد العهد مع القضية المركزية للأمة، ولاستنهاض الهمم، ولتصحيح البوصلة، ولإعلان البراءة من أعداء الإسلام، وللتأكيد على أن المقاومة والجهاد هما السبيل الوحيد للتحرير والعزة والكرامة.
رحم الله شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، الذي قدم رؤية قرآنية متكاملة لاستنهاض الأمة، ودفع حياته ثمنًا لمواقفه، تاركًا إرثًا فكريًا وجهاديًا يواصل اليوم إلهام الأجيال وتوجيه البوصلة نحو القدس وفلسطين.
"الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام"





