مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 28 رمضان 1447هـ
تقرير | يحيى الشامي
في أسبوعه الثالث، تحوّل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران من سلسلة ضربات جوية وصاروخية إلى اختبار وجودي للإدارة الأمريكية وحلفائها، يكشف عن تشظٍّ استراتيجي متسارع، وارتدادات اقتصادية خانقة، وشكوك متزايدة في قدرة التحالف الغربي على إدارة الأزمة.
بين حيرة واشنطن، وقلق كيان العدو الإسرائيلي، ورفض العواصم الأوروبية، وصمود طهران، يرسم هذا التقرير -بشهاداته الاستقصائية من الشارع الأمريكي والأوساط الإعلامية الصهيونية والأمريكية- خريطة التداعيات الشاملة لعدوان لم يحقق أهدافه، بل زاد من تعقيد المعادلة الإقليمية.
-
ترامب في المأزق المزدوج بين نزيف الكلفة وهزيمة الخروج
وفقاً لتحليلات وكالة "بلومبرغ" الأمريكية، فإن التبدّل المستمر في تفسيرات الرئيس دونالد ترامب لأهداف الحرب على إيران ترك الحلفاء والخصوم -على حدٍّ سواء- في حيرة إزاء ما وصفته بـ"نهاية اللعبة"، فبينما روج البيت الأبيض في البداية لـ"ضربة استباقية حاسمة"، تحول الخطاب لاحقاً إلى حديث عن "ردع محدود"، ثم إلى مناشدات علنية للحلفاء للمساعدة في تأمين مضيق هرمز.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر دبلوماسية أن ترامب يستنجد بدول المنطقة للمساهمة في تحمل عبء العدوان، في محاولة واضحة لتدويل الكلفة وتجنب الانفراد بالفشل. وفي السياق ذاته، أفادت "وول ستريت جورنال" بأن البيت الأبيض يسعى لبناء تحالف بحري جديد لمعالجة أزمة الطاقة الناشئة، لكن دون أن تبدي أي دولة حماسة للمشاركة، خاصة بعد الفشل الذريع لمحاولتين أمريكيتين سابقتين في البحر الأحمر.
وتلخص "نيويورك تايمز" المعضلة الأمريكية بقولها: "ترامب لا يواجه خياراً بين نصر وهزيمة، بل بين خسارة تتفاقم إذا استمر، وخسارة سياسية واستراتيجية إذا انسحب قبل الحسم"، وهذا يفسر لماذا صار الحديث في واشنطن لا يدور فقط حول ما تحققه الضربات، بل حول كيف ستنتهي الحرب، وبأي كلفة داخلية على الاقتصاد والرأي العام الأمريكي.
من جهته، وصف موقع "أكسيوس" الوضع بـ"فخ التصعيد"، مشيراً إلى أن كل موجة هجوم جديدة ترفع الكلفة السياسية والعسكرية، بينما إذا توقف ترامب دون تغيير حاسم على الأرض، أمكن لإيران أن تعلن أنها فرضت على الولايات المتحدة كلفة استراتيجية باهظة. ونقل الموقع عن دوائر قريبة من ترامب قلقاً متزايداً من أنه "بالغ في تقدير قدرته على فرض نهاية سريعة للأزمة".
الشارع الأمريكي يغلي "7.5 دولار للغالون"
بينما تغرق واشنطن في حسابات جيوسياسية معقدة، يعيش المواطن الأمريكي العادي كابوساً يومياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود، الذي قفز بنسبة 25% خلال أسبوعين فقط، مع بقاء النفط الخام قرب عتبة 100 دولار للبرميل.
-
وفي جولات ميدانية افتراضية رصدتها وسائل الإعلام الأمريكية ومواقع التواصل الاجتماعي، نقلت أصواتاً تعكس غضباً متصاعداً:
مواطن من تكساس: "7 دولارات ونصف للغالون الواحد! هل تشاهد هذا يا ترامب؟ كم تريد أن يرتفع السعر كل أسبوع؟ نحن من ندفع الضرائب، ونحن من نحافظ على استمرار هذا البلد، ولا نستطيع مواكبة هذا الجنون".
أم من ضواحي شيكاغو: "التقطتُ صورة للمضخة: 8 دولارات و20 سنتاً للغالون! هذا غير معقول. ملأتُ خزان سيارتي للتو، والأسعار مرتفعة لدرجة أني لم أعد أستطيع تحمل تكاليف البقالة أو إيجار منزلي. لم تكن أمريكا أسوأ مما هي عليه الآن".
شاب من كاليفورنيا: "أين أنتم يا من كنتم تتحدثون عن روعة انخفاض أسعار البنزين بضعة سنتات في عهد ترامب؟ أين أنتم الآن؟ هذه الحرب لا تستحق هذا العناء، لأننا نحن من ندفع ثمنها"
مواطنة من فلوريدا: "هو من بدأ هذه الحرب، وهو من يجب عليه أن يدفع، لكنه لا يدفع من جيبه، نحن من ندفع. أنا متأثرة جداً، وأشعر أن كل مرة أتجه فيها لتعبئة سيارتي، أتحمل جزءاً من كلفة مغامرته".
مواطن مسن من بنسلفانيا: "ظننتُ أن ترامب هو الخيار الأفضل.. يقول إن هذه الحرب من أجل سلامتنا، وأنا أقول له: اتركوا الآخرين وشأنهم، ولن يزعجوكم".
وتلخص وكالة "أسوشيتد برس" المشهد بقولها إن "التململ السياسي يتصاعد في الكونغرس حول غياب الرقابة وتضخم كلفة الحرب"، بينما نقلت "واشنطن بوست" عن جزء من الشباب الذين دعموا ترامب سابقاً "شعوراً بالندم والخيانة"، بعدما تحولت الحرب إلى عبء يومي محسوس في أسعار الوقود والمعيشة.
-
أوروبا تقول "لا". حلفاء واشنطن يرفضون إنقاذه من ورطة "هرمز"
وفي تطور يعكس عمق العزلة الأمريكية، رفض حلفاء تقليديون لواشنطن الانجرار وراء مطالب ترامب بالمساعدة في تأمين مضيق هرمز، ومن بروكسل إلى طوكيو وصولاً إلى كانبرا، كان الجواب واحداً: "هذه ليست حربنا".
وقالت كايا كالاس، المسؤولة السامية للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الوزراء الأوروبيين أبدوا "رغبة واضحة" في تعزيز المهمة البحرية "أسبيدس" في البحر الأحمر، لكنهم "لا يرغبون في الوقت الراهن في توسيع نطاقها ليشمل مضيق هرمز".
وذهب وزير الدفاع الألماني إلى أبعد من ذلك، حين تساءل علناً: "ماذا نفعل إذا كانت البحرية الأمريكية نفسها قد فشلت في ضمان الأمن البحري؟" هذا السؤال يعكس جوهر الرفض الأوروبي: عدم الثقة في القدرة الأمريكية على إدارة الأزمة، والخوف من الانخراط في مستنقع لا مخرج منه.
وفي إشارة بالغة الوضوح، كرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "مضيق هرمز مفتوح بالفعل، ولكنه مغلق أمام الدول التي تعتدي على إيران"، في رسالة إيرانية واضحة جعلت مناشدات ترامب للصين ودول الخليج للمساعدة تبدو غير مجدية، خاصة مع إدراك الجميع أن طهران تملك مفاتيح إغلاق الشريان الحيوي للطاقة العالمية، يزيد من يقين هذه المسألة رفض حلفاء أمريكا التقليديين المشاركة في الانخراط في عمليات عسكرية ضد إيران تحت ذريعة فتح المضيق.
نقطة ضعف الكيان القاتلة "مخزون الصواريخ الاعتراضية ينفد" وإدراك محدودية القوة
داخل كيان العدو الإسرائيلي، يتصاعد القلق من تداعيات المواجهة الممتدة مع إيران، ليس فقط على الجبهة الأمنية، بل على مستوى القدرات الدفاعية ذاتها.
وكشفت تسريبات إعلامية صهيونية عن "تراجع خطير" في مخزون الصواريخ الاعتراضية، بعد إطلاق المئات منها لاعتراض الصواريخ الإيرانية القادمة من إيران ولبنان، ورغم محاولات جيش العدو نفي هذه التقارير، إلا أن سفر ما يُسمى مدير عام وزارة الحرب الصهيونية إلى واشنطن لطلب مزيد من الذخائر، وتخصيص قرابة 800 مليون دولار لهذا الغرض، يؤكد أن التسريبات لم تأتِ من فراغ.
ران كوخاف، قائد سابق لمنظومة الدفاع الجوي الصهيونية يقول: "أقول لكم إن الصواريخ الاعتراضية بأعداد محدودة، وبالرغم من أن الصناعات الجوية تنتج 24 ساعة يومياً، وبالرغم من كل الجهود، فإن الدفاع هو مورد في نقص، لا توجد حصانة دائمة.. الصواريخ الاعتراضية ليست مورداً لا متناهياً، بل العكس: هي محدودة جداً".
أما ألون بن دفيد، محلل عسكري صهيوني فيقول: "نُشر تقرير يفيد بأن الأمريكيين أُبلغوا بأن مخزوننا من الصواريخ الاعتراضية بدأ ينفد، ورداً على ذلك، صرح مسؤول رفيع بأنه لا يوجد نقص، لكن من الواضح أنه إذا واجهنا لعشرات الأيام صواريخ إيرانية يومياً، فمن الواضح أن هذا سيتحدى قدراتنا".
وفي المقابل، يراقب الخبراء الصهاينة -بقلقٍ- تزايد ثقة الإيرانيين بأنفسهم، وإدخالهم تقنيات جديدة يمثل تحدياً جوهرياً لمنظومات الدفاع الجوي:
أور هيلر، مراسل عسكري للقناة 12 الصهيونية: "الإيرانيون انتقلوا لإطلاق صواريخ برؤوس متفجرة لأنهم يدرسون أداء أنظمتنا الدفاعية، وعندما ينفجر الرأس الحربي فوق تل أبيب أو حولون أو رامات غان، يسبب دماراً حقيقياً للشقق والأشخاص والسيارات".
أوهاد حيمو، محلل صهيوني للشؤون العربية: "الثقة بالنفس عادت للإيرانيين. هم يقولون اليوم: نحن من سيحدد نقطة النهاية. مع كل الاحترام لكم أيها الأمريكيون، نحن سنقرر متى تنتهي الحرب. وهم يطالبون بتعويضات مالية، وبآليات تضمن عدم تكرار العدوان".
-
الصهاينة حياة مشلولة بين الصافرات والملاجئ
في فلسطين المحتلة، تحولت الحياة إلى سلسلة من فترات الإنذار القصيرة واللجوء المتكرر، فمنذ أسبوعين، يضطر المغتصبون الصهاينة لقضاء معظم ساعات يومهم في الملاجئ، لا يُسمح لهم بالخروج إلا لدقائق معدودة قبل أن يُطلب منهم العودة.
وأوقفت الصواريخ الإيرانية مظاهر الحياة الطبيعية، بما في ذلك شلّ حركة مطار "بن غوريون" الدولي، الشريان الحيوي للكيان. ورغم أن جيش العدو يعترف بالقليل ويخفي الكثير، إلا أن شظايا إحدى الموجات (الموجة 56) أصابت ما لا يقل عن 140 مغتصِباً بجروح، وفق اعترافات رسمية محدودة.
وفي دلالة على دقة الصواريخ الإيرانية وقدرتها على اختراق الأجواء العربية والوصول إلى أهدافها في العمق الصهيوني، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن أحد المباني السكنية التي أصابتها عنقوديات الصواريخ الإيرانية هو المبنى الذي يتخذه القنصل الأمريكي في القدس مقراً لإقامته، وتضرر المبنى. وإن لم يُعلن عن حجم الأضرار، يؤكد أن الصواريخ الإيرانية العابرة للحدود تضرب بدقة، حتى في المناطق الملاصقة للبلدات الفلسطينية.
دائرة النار تتسع ملاحِقةً الوجود الأمريكي
لا تقتصر قدرة إيران على الرد على الكيان الإسرائيلي فقط، بل تمتد لتشمل مراكز الدعم الأمريكي في المنطقة، في استراتيجية واضحة لاستنزاف الوجود العسكري الأمريكي، وإخراجه من المنطقة برمتها.
فمن قاعدة "الظفرة" في الإمارات، إلى قاعدتي "الشيخ عيسى" و"الجفير" في البحرين، وصولاً إلى مخابئ الجنود الأمريكيين في الأبراج والفنادق الخليجية وملاجئهم في عواصم الخليج، تلاحق نيران الرد الإيراني مفاصل التواجد العسكري الأمريكي، ولتنفيذ هذه المهمة تستخدم طهران مزيجاً متطوراً من المسيرات الانتحارية والصواريخ متوسطة المدى، مدعومة بقدرات استخباراتية دقيقة، تجعل من كل قاعدة أمريكية هدفاً محققاً، وقد نجحت حتى اليوم في تدمير كافة منظومات ومراكز الرصد المتقدّم التجسسية الأمريكية في المنطقة.
وهذا التوسع في دائرة الرد يعكس إدراكاً إيرانياً بأن الضغط على الوجود الأمريكي في المنطقة قد يكون أكثر فعالية في إرغام واشنطن على مراجعة حساباتها، من التركيز الحصري على استهداف الكيان الإسرائيلي.
-
هكذا تحوّل العدوان إلى فخ استراتيجي
ما بدأ كعدوان أمريكي-إسرائيلي محسوب لإضعاف إيران، تحول إلى اختبار قاسٍ للاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط، فبينما تغرق واشنطن في مستنقع كلفة متصاعدة ورفض حلفائي، ويواجه كيان العدو الاسرائيلي تحديات وجودية في قدراته الدفاعية، وتبرز طهران بكونها طرفاً قادراً على فرض معادلة جديدة: من يهاجمها، يدفع الثمن.
والحقيقة التي تتردد في أروقة صنع القرار العالمي -وليس فقط في وسائل الإعلام- هي أن التخبط الأمريكي في تقديرات نشوب العدوان وإنهائه بات ينعكس على الداخل الأمريكي بشكل كبير، متحولاً إلى عبء يومي محسوس في أسعار الوقود والمعيشة، وفي مزاج الناخبين الذين بدأوا يسألون: "لماذا نحن هنا؟"
وفي ظل أهداف أمريكية تتغير على مدار الساعة، ولا تنسجم مع الواقع العملياتي على الأرض، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد "ماذا تحقق الضربات؟"، بل "كيف تنتهي هذه الحرب، ومن سيدفع ثمن نهايتها؟".
حتى ذلك الحين، يبقى مضيق هرمز رمزاً لقدرة إيران على تحويل ميزان الرعب، ومفتاحاً قد يغلقه من يملكه إذا استمر العدوان. وفي عالم تزداد فيه الطاقة شحاً، واليقين نادراً، قد تكون هذه هي الدرس الأقسى الذي تتعلمه واشنطن وحلفاؤها: أن غالبية حروب أمريكا لا تُشنّ إلا لتُخسِرها.






