فيمـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 7 شوال 1447هـ
الذكرى الـ11 للصمود في وجه العدوان الأمريكي السعودي الذي انطلق في الـ 25 من مارس2015، يقف اليمنيون على موعد مع مناسبة وطنية كبرى، تحمل في عمقها خلاصة تجربة 11 عاما من الصمود في وجه عدوان غير مسبوق، إنها مناسبة تقدم قراءة واعية للحاضر واستشرافاً للمستقبل، في ضوء محطات مفصلية مر بها الشعب اليمني.
ما يميز هذه المناسبة أنها تأتي في زمنٍ يتسارع فيه الصراع مع قوى الطغيان الأمريكي الصهيوني، حيث تتكشف حقائق كانت خفية، وتظهر بوضوح العلاقة بين العدوان الأمريكي السعودي الذي استهدف اليمن طيلة 11 عاما وبين المشاريع الصهيونية التي تستهدف الأمة جمعاء.
-
قراءة في طبيعة العدوان: عدوان غادر بأهداف خطيرة
عندما نتأمل بدايات العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في الـ26 من مارس 2015م، نجد أنه كان غادراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى: بلا مقدمات واضحة، بلا مبررات حقيقية، بلا سابقة. لقد كان عدواناً وحشياً وإجرامياً منذ لحظته الأولى، حمل في طياته أهدافاً خطيرة تتجاوز مجرد الحرب التقليدية وكان الأطفال هم الهدف الأول لغاراته الإجرامية في منطقة بني حوات بالقرب من مطار صنعاء الدولي.
المعطيات المتاحة تؤكد أن هذا العدوان لم يأتِ من فراغ، بل كان جزءاً من خطة شاملة، بإشراف أمريكي، وفي إطار تخطيط أمريكي إسرائيلي بريطاني، وبتنفيذ من جانب تحالف العدوان. هذه الخطة كانت تهدف إلى إعادة ترتيب أوضاع المنطقة تحت قيادة العدو الإسرائيلي، وتصفية القضية الفلسطينية، والتخلص من أي جهات مساندة لها.
-
افتضاح الشعارات المضللة
رفع تحالف العدوان في بداية عدوانه بعض الشعارات التي بدت للوهلة الأولى وكأنها تخدم المصلحة العربية، مثل "الحضن العربي" و"الأمن القومي العربي"، لكن العدوان تم إعلانه من واشنطن وأيدته "إسرائيل" ليتبين أن ما كان يسمى "الحضن العربي" لم يكن سوى مدخل لإدخال المنطقة كلها في الحضن العبري، وأن "الأمن القومي العربي" كان غطاءً لمشاريع التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية. هذه الفضيحة الكبرى جعلت من المستحيل الاستمرار في تبرير العدوان بأي عنوان من العناوين التي رفعت في بدايته، خاصة وأن قوى العدوان انتهى بها المطاف في التطبيع مع العدو الصهيوني والاشتراك معه في عدوانه الغاشم الإجرامي على قطاع غزة.
-
جرائم العدوان: عندما يصبح الإجرام منهجاً
ليس المهم أن نعد الأرقام فحسب، بل أن نفهم معنى كل رقم، خلف كل غارة قصة، وخلف كل منزل مدمر حياة، وخلف كل شهيد حلم لم يكتمل.
-
القتل الجماعي:
استهداف المدنيين في كل مكان ما يزيد عن 60 ألف شهيد وجريح سقطوا بنيران العدوان. المشاهد لا تزال عالقة في الذاكرة:
في الليلة الأولى، في بني حوات بصنعاء، سقط اثنان وثلاثون شهيداً بينهم أربعة عشر طفلاً. كانوا في منازلهم، نياماً، لم يكونوا مقاتلين، لم يكونوا في جبهة، لم يكونوا يشكلون تهديداً لأحد، لكن القنابل اختارتهم.
في السبعين، بعد أيام قليلة، قتل مائة وعشرون مدنياً دفعة واحدة. بينهم خمسة وعشرون طفلاً وست نساء. وجرح ستمائة وأربعون آخرون. مشاهد الدماء في الشوارع، والأطفال تبحث عن أمهاتهم، لم تكن استثناء.
في صعدة، استشهد سبعة وثلاثون مدنياً، أربعة وعشرون منهم أطفال. في زبيد، مائة وستة عشر شهيداً دفعة واحدة. في سنبان، عرس يتحول إلى مأتم، تسعة وأربعون شهيداً، بينهم اثنان وعشرون طفلاً وثلاث عشرة امرأة.
في عزاء آل الرويشان في الصالة الكبرى بصنعاء، عام 2016، استشهد مائة وثلاثة وتسعون مدنياً. مشهد الصالة الكبرى وقد تحولت إلى أنقاض، والجثث متناثرة تحت الركام، كان من أكثر المشاهد التي استفزت الضمير الإنساني.
هذه ليست مجرد أرقام. هذه قصص لأناس كانوا يحلمون، يعملون، ثم اختفت أسماؤهم في ثوانٍ.
-
التدمير الشامل: حرب على كل معالم الحياة. لم يكتفِ العدوان بقتل الناس، بل أراد أن يمحو كل أثر للحياة:
المساجد: أكثر من (1840) مسجد دمرت. مساجد أثرية من صدر الإسلام، مساجد في قرى نائية، مساجد في عمق المدن. كلها استهدفت. حتى المصاحف تمزقت تحت القنابل. هل هناك جريمة أشنع من استهداف بيوت الله وقتل المصلين فيها؟.
المدارس والجامعات: (2900) من المدارس والمرافق التعليمية دمرت. طلاب يقتلون في طريقهم إلى مدارسهم. جامعات تخرج عن الخدمة. مشهد الحافلة في ضحيان، وقد تحولت إلى كومة من الحديد المحترق وأجساد الأطفال، كان جريمة لن تمحى من الذاكرة.
المستشفيات: (670) من المرافق الصحية دمرت. مرضى يقتلون في أسِرَّتهم. كوادر طبية تستشهد أثناء عملها. جرحى لا يجدون من يعالجهم. من يفعل ذلك، هل يريد خيراً لهذا البلد؟.
البنية التحتية: (5600) محطة كهرباء، (12400) شبكات مياه، 8 آلاف طريق وجسر، 14 ميناء بمرافقها ومحتوياتها، 9 مطارات ومرافقها، 4 طائرات مدنية، 136 منشأة رياضية، 2200 مبنى حكومي وخدمي، 420 موقعا أثريا وتاريخيا، 360 منشأة سياحية، كلها استهدفت، لماذا يستهدفون خزانات المياه؟ ليعطش الناس، لماذا يستهدفون الطرق؟ ليشلوا حركتهم، كل شيء كان مقصوداً.
الاقتصاد: 15 ألف منشأة غذائية، ما بين مصانع ومتاجر وأسواق ومخازن للمواد الغذائية، 19.400 منشأة زراعية وحيوانية، 4.700 قارب صيد ومركز إنزال سمكي، 8500 سيارة ووسيلة نقل، 2200 موقع ومنشأة اتصالات، 930 محطة وناقلة بنزين وغاز، كلها استهدفت. قتل 450 ألف رأس من المواشي و43 ألف خلية نحل و90 خيلا عربيا أصيلا، إنها حرب اقتصادية شاملة، تهدف إلى تجويع الشعب وإفقاده قدرته على الاستمرار.
المقدسات والتراث: متاحف، مواقع أثرية، مقابر قديمة، مساجد تاريخية، كلها دمرت. حتى الأموات في قبورهم لم يسلموا من القنابل. هل هناك تفسير لهذا غير الكراهية المطلقة لكل ما هو يمني؟.
-
الحصار: جريمة موازية
إلى جانب القصف، كان الحصار أداة تعذيب جماعي، منع الغذاء والدواء، وعرقلة وصول المشتقات النفطية، ومنع المرضى من السفر للعلاج، وإغلاق المطارات، كلها جرائم مكملة تسببت في وفاة مليون وأربعمائة ألف مدني نتيجة تفشي الأمراض المزمنة وسوء التغذية، الهدف واحد، أن ينهار الشعب، أن يستسلم، أن يرضخ، لكن الشعب لم ينهار.
هناك أيضا جريمة كبيرة ارتكبها تحالف العدوان تجاه بلدنا تتعلق بنهب الثروة النفطية، التي كانت المصدر الأساس لصرف المرتبات والخدمات الأساسية. حرم شعبنا من الثروة النفطية بشكل كامل حتى بلغت الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع النفط اليمني منذ بداية العدوان كحصيلة غير نهائية أكثر من 57 مليار دولار. كما أن من الأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية أن يفقد اليمن عائدات 90 مليون برميل من النفط سنويا بسبب توقف الإنتاج بسبب العدوان.
-
الصمود: معنى ومظاهر
يبرز مفهوم الصمود باعتباره العنوان الأبرز للموقف اليمني، وهو ليس مجرد حالة دفاعية سلبية، بل هو موقف إيماني وأخلاقي ارتبط ببعد ثقافي مستمد من التعاليم الإلهية الواردة في القرآن الكريم فالصمود الذي تجلى في التجربة اليمنية هو صمود من يعلم أن النصر من عند الله، وأنه مهما بلغت قوة العدو ومهما كانت إمكاناته، فإن معية الله ونصره هما العامل الحاسم.
هذا الارتباط بين الصمود والنصر الإلهي هو تجسيد لفهم قرآني أصيل، حيث يستند الصمود إلى يقين راسخ بأن الله مع الصابرين، وأنه لا غالب لمن نصره الله، وهذا الوعي الإيماني شكّل حجر الأساس الذي قامت عليه معادلة الصمود اليمني، وحولها من مجرد قدرة على التحمل إلى طاقة مقاومة فاعلة.
-
حين يكون الإيمان هوية
في مواجهة هذه الآلة الجهنمية، لم يكن أمام اليمنيين إلا خيارين: الاستسلام أو الصمود، وهم اختاروا الصمود ليس لأنهم يجهلون حجم التحدي، بل لأنهم يعرفون أن الاستسلام يعني فقدان كل شيء: الحرية، الكرامة، المستقبل.
عندما نتحدث عن الجبهات، لا نتحدث عن جيش نظامي بكل تجهيزاته، نتحدث عن رجال من كل القرى والمدن، تركوا بيوتهم وأهاليهم، وذهبوا إلى خطوط النار ليمنعوا العدو من احتلال بلدهم.
الظروف التي يعيشونها لا يمكن وصفها. نقص في الغذاء، في التسليح، في كل شيء. في حرارة الصيف. يصومون في رمضان ويواصلون المرابطة، في شتاء الجبال، يصبرون على البرد. وأمام رصد جوي مستمر وقصف متواصل، يظلون ثابتين.
الجرحى منهم يعودون إلى الجبهات قبل أن تلتئم جروحهم. من فقد رجله يعود على عكازه. من فقد بصره لا يزال حاضراً بالروح. هؤلاء ليسوا مجرد مقاتلين، هم مدرسة في العطاء.
-
العمليات العسكرية التي نفذوها بالآلاف، والتصدي لهجمات العدو، والمواقف البطولية التي سجلها الإعلام، كلها تجسد معنى {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا}.
وفي ظل حصار يمنع وصول السلاح، كان الخيار الوحيد: أن نصنع بأيدينا. بدأوا من نقطة الصفر. ورش بسيطة، جهود متواضعة، ثم تطورت إلى صناعة صواريخ بالستية بعيدة المدى، وطائرات مسيرة متطورة، وأنظمة دفاع جوي، وقناصات من مختلف الأنواع. هذا الإنجاز ليس فقط عسكرياً، بل هو قصة إرادة يمنية، تمكنت من تحويل الحصار إلى حافز، والضيق إلى طاقة إبداع.
أدهش اليمنيون العالم بتماسكهم. مع كل هذا العدوان، لم يتحولوا إلى لاجئين، كما حدث في أوكرانيا أو سوريا، بقوا في بيوتهم، وواصلوا حياتهم، النشاط الزراعي استمر رغم استهداف الحقول، المزارعون تحدوا القصف والحصار، وواصلوا زراعة الأرض، الحركة التجارية بقيت نشطة رغم إغلاق الموانئ وقطع الطرق، العمران استمر رغم تدمير الآلاف من المنازل، العدوان يهدم، واليمنيون يعيدون البناء. التكافل الاجتماعي كان شبكة أمان، من خلال هيئة الزكاة والمبادرات الشعبية، فقراء يساعدون فقراء، والجميع يصبر.
المظاهرات والمسيرات بلغت مئات الآلاف في الأحياء والقرى، هذا ليس مجرد حضور، بل هو إعلان يومي أن هذا الشعب حي، لم تكسره الغارات، ولم يهزمه الحصار.





