سعد علي الحفاشي
في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، برزت الحرب الناعمة كأخطر أدوات الصراع وأكثرها فتكاً، فهي لا تقصف المدن، وإنما تقصف العقول، ولا تهدم البيوت، وإنما تهدم القيم، والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تقع الهوية الإسلامية بالذات في قلب هذا الاستهداف؟ فالمتتبع لخريطة الصراع الثقافي العالمي يدرك أن الأمر ليس مصادفة، بل هو استهداف ممنهج تقف خلفه ثلاثة أسباب جوهرية تجعل من الهوية الإسلامية عائقاً أمام مشاريع الهيمنة الفكرية.
الهوية الإسلامية هي نظام متكامل يشمل العقيدة والشريعة والأخلاق والثقافة والاقتصاد، إنها تقدم للإنسان إجابة شاملة عن أسئلة الوجود الكبرى، وأي مشروع عولمي يسعى لفرض نموذجه الأحادي ما يلبث أن يصدَم مباشرة بهذه المنظومة، التي تمتلك البديل الحضاري الجاهز.
إننا هنا نتحدث عن الإسلام؛ ذلك الدين القويم العظيم، دين القيم والأخلاق والمبادئ والفضيلة، وعن أمة تتجاوز 1.9 مليار نسمة، يشكل شبابها النسبة الأكبر، يتمركزون في أهم مناطق العالم استراتيجياً، حيث قلب الجغرافيا النابض وثروات النفط والبترول، والتحكم بأهم شريانات العالم التجارية، وكتلة بشرية هائلة بعقيدة ودين واحد. كيان بهذا الحجم وهذا الموقع لا يمكن تجاهله.
تتسلل الحرب الناعمة عبر أربعة محاور نشاهدها يومياً؛ هي الإعلام والدراما والمسلسلات المستوردة التي تصور المرأة المحافظة كـ"مقهورة" والحجاب كـ"قيد"، بينما تلمع نموذج "المرأة المتحررة" التي تتمرد على أسرتها، وتُقدم مواصفات المسلم المادية كمتطرف أو إرهابي أو ساذج.
يليها استهداف تجفيف المناهج الدراسية من النصوص القرآنية والهوية العربية، واستبدال تاريخ اليمن الإسلامي المشرق بصفحات مزورة مليئة بالصراعات، مع تضخيم حقب ما قبل الإسلام وكأنها العصر الذهبي، ناهيك عن عوامل التدمير الأخرى والتي لا تقل فتكاً بالمجتمع وبالقيم؛ كمشاريع الضخ التي تمولها منظمات الدعم الخارجي تحت لافتات "التمكين" و"النوع الاجتماعي"، والتي تستهدف بنية الأسرة اليمنية، وتشجع على تفكيك مفهوم "القوامة" و"الطاعة" والإخلال بتربية الأبناء، وتقدم الطلاق والتمرد كـ"حرية شخصية" دون مراعاة لخصوصية المجتمع.
يجب أن نعي أن الهدف النهائي ليس إخراج الناس من دينهم بالكلية، لأن هذا مستحيل في أي مجتمع، لذلك فإن الهدف هو إنتاج "نسخة مخففة" من الإسلام؛ إسلام بلا شريعة، وتحكم بلا ولاء يميز، وأسرة غير متحفظة، ودين فردي معزول في زاوية المسجد، لا يتدخل في تشكيل الاقتصاد ولا السياسة ولا الذوق العام ولا التربية ولا الأخلاق، وأن يتحول العري والخلاعة وفواحش الرذيلة إلى سلوك شخصي وحرية شخصية.
لذلك أؤكد شخصياً، ومن منطلق قناعتي الراسخة، إنها أخطر الحروب؛ ليس للأسباب والخسائر وحيداً التي سلف ذكرها، وإنما أيضاً لأن المهزوم فيها بعد هزيمته يصفق لمن هزمه حيث يظن أنه انتصر، ولأننا صرنا ساحة مفتوحة لهذه الحرب، والعدو هو من يمتلك ويتحكم بعقولنا وعقول شبابنا، وبالتالي فهو من يمتلك قرار إرادتنا ومستقبلنا.
أيها السادة، أيها القوم.. أناشدكم إلى استشعار هذا الخطر، وأن تدركوا وتفهموا وتعوا أن المواجهة الحقيقية تبدأ بالوعي والاستشعار الحقيقي بأننا في معركة، وأن سلاحنا الأول فيها هو فهم خفايا هذا الخطر وهذه الحرب الناعمة المدمرة، وللحديث بقية في المنشور القادم، ودمتم بخير.



.png)
.jpg)
.png)

