علي عبدالمغني
الحقيقة أن قواعدَ أصول الفقه التي حصرت الأحكام الشرعية في خمسة أقسام: -واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح- قد أعاقت المسلمين عن القيام بأشياءَ كثيرة كان يتعيَّنُ عليهم القيام بها منذ فترة طويلة للدفاع عن الأُمَّــة الإسلامية والنهوض بها في كافة مجالات الحياة.
ومن ذلك مثلًا أن العمل الصالح ورد في القرآن الكريم مطلقًا من كُـلّ شرط أَو قيد في آيات كثيرة، وعلماء أصول الفقه نظّروا إليه من زاوية ضيّقة، وأدرجوا تسعين بالمئة تقريبًا من الأعمال الصالحة تحت بند “ما قد وجب”، فأدخلوا الأُمَّــةَ في غيبوبة حتى تداعت عليها الأممُ من كافة أنحاء المعمورة، ووقعت ضحية المخطّطات والمؤامرات الغربية.
وقد تناول الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- في الدرس الثالث من دروس رمضان قوله تعالى:
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}،
لبيان مسألتين قُدِّمتا للأُمَّـة بطريقة خاطئة:
المسألة الأولى: أن دائرة العمل الصالح واسعة جِـدًّا، ولا يمكن حصرها في أعمال معينة، ولا يحتاج كُـلّ عمل منها إلى فتوى شرعية، وأن الكثير منها في متناول أي إنسان.
والذي يتعيّن على الإنسان المؤمن أن يبحث عنه هو هذا العمل الصالح، وَإذَا أراد أن يسأل فعليه أن يسأل عنه بطريقة صحيحة: هل هذا عمل صالح؟ لا أن يسأل علماء أصول الفقه: هل قد وجب أَو ما قد وجب؟ فقد يقول لك: لا، فتحرم الأجر الكبير؛ بسَببِ أنه قال لك لا، وتكون قد قعدت عن أعمال كثيرة هي أعمال صالحة، وذلك يمثل خسارة كبيرة.
كما أكّـد الشهيد القائد أن العملَ في الإسلام واسع، يحتوي كُـلّ القدرات ومن كُـلّ شخص، وأنه لا يجوزُ لأي إنسان مؤمن أن يحتقر مؤمنًا آخر، أَو يقول: ماذا سيعمل هذا الشخص للإسلام؟
فلكل إنسان أثرُهُ في الميدان، وأثره في نصر دين الله، وفي نفس الوقت هذا العمل يرفع الناس إلى أن تكون أدوارهم أكثر وأعظم وأعلى، وأن الله سبحانَه وتعالى يتدخل في القلوب ويقوي النفوس.
الإنسان إذَا صدق الله ترتفع معنوياته فعلًا، وَإذَا لم يكن صادقًا مع الله تهبط معنوياته ولو كان من أصول قوية، وأن من عظمة الإسلام أنه قابل لأن يُنصر بالناس الحاصل.
المسألة الثانية: أن الإنسان منذ أول ما يُخلق إنما يُخلق لحياة أبدية، لكنه يمر بمرحلة هي الحياة الأولى، وبعدها يموت ثم يستأنف الحياة الأبدية التي لا انتهاء لها.
وأن قوله تعالى: {هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} يوحي بأن الإنسانَ في الآخرة لن يكون شيئًا آخر، وأن المسألة كما لو استيقظ صباحًا من فراشه تمامًا، فيبقى بمشاعره وأحاسيسه وذوقه الذي كان عليه في الدنيا تمامًا.
هذه النظرة القرآنية للشهيد القائد -رضوان الله عليه- عن الحياة الدنيا والحياة الآخرة تنسف النظرة المغلوطة التي تُرهِب الناس من قضية الموت، وتجعلهم يتشبثون بالحياة الدنيا، ويقدمون كافة التنازلات ليبقوا على قيد الحياة، لأن الموت -وفق هذه الثقافة المغلوطة- عالم مجهول، فيه منكَر ونكير، وفيه الثعبان الأقرع، وفيه سكرات، وفيه وفيه...!
وأصبح الواحد منا يود لو يُعمَّر ألف سنة.
فإذا فهم الإنسان أن الآخرة هي امتدادٌ للحياة الدنيا، وأن سعادتَه في الدارَينِ مرتبطةٌ باستقامته في هذه الحياة، فإن الموت بالنسبة للإنسان المؤمن لا يمثل أية مشكلة، وليس فيه أي خسارة، بل هو انتقال من دار إلى دار.
ولذلك كان يقول الإمام علي عليه السلام:
“والله لابن أبي طالب آنَسُ بالموت من الطفل بثدي أمه”.
هذه الثقافة هي التي تحتاج إليها شعوب الأُمَّــة اليوم حتى تُكثر من العمل الصالح، وتتحرّر من كُـلّ طواغيت الأرض.


.png)
.jpg)
.png)


