طلال الغادر
في اللحظة التي كانت فيها وحدات الجيش الصهيوني تُستدعى فجراً إلى قاعدة "تسئيليم"، وتُجمع أجزاء من فرقته 80 وسلاحي جوّه وبحريته في مناورة مفاجئة بإيلات ووادي عربة، كانت قوات صنعاء قد فرضت سيطرتها الفعلية على المخاء وجزيرة ميون وأرخبيل حنيش، وأطبقت إشرافها الميداني على مضيق باب المندب.
الفارق بين الحدثين زمني وجوهري بين من يُعدّ نفسه لسيناريو يخافه، ومن يفرض على أرض الواقع سيناريو لم يكن في الحسبان.
هنا تتكشف المفارقة الكبرى: العدو كان يتدرّب على هجومٍ لم يقع بعد، بينما كان النصر قد وقع فعلاً قبل أن يُرفع ستار التمرين، فكانت الصفعة مدوية، وليس بعدها إلا الحمد لله على نعمائه.
وحملت المناورة في طيّاتها اعترافاً ضمنياً أشد خطورة من أيّ بيان رسمي، وافترضت هجوماً متعدد الجبهات: تسلل عشرات المقاتلين عبر البحر والبر والجو إلى إيلات باستخدام دراجات مائية وقوارب سريعة، وهجمات من اتجاه الحدود المصرية والأردنية، وعمليات خطف، واقتحام قواعد عسكرية ومنشآت مدنية.
كل ذلك استلهاماً لدروس السابع من أكتوبر، وبمشاركة الفرقة 80، لكن ما كشفه رئيس الأركان الصهيوني المجرم "إيال زامير" نفسه كان أبلغ من أيّ سيناريو: أن الحرب لم تنتهِ فعلياً على أيّ جبهة، وأن الجيش الذي فوجئ في السابع من أكتوبر لا يستطيع إعلان النصر في أيّ منها، وهكذا يتحول التمرين على هجوم قادم إلى إقرارٍ صارخ بأن الهجوم السابق لم يُغلق، وأن الجبهات المفتوحة قابلة للالتهاب في أيّ لحظة.
وأما تصريحات القادة، فهي تحمل في ظاهرها لغة القوة، وفي باطنها اعترافاً مزدوجاً، حيث أعلن مجرم الحرب "زامير" أن المناورة صُمّمت لمواجهة سيناريو هجوم شامل، وأبقى الجيش في حالة تأهب قصوى، وأضاف نتنياهو تهديدات بضربة "لا يتخيلها" الخصم، واصفاً الكيان بأنه "أقوى قوة في الشرق الأوسط". لكن هذه اللغة المتفلّتة تفضح أكثر مما تستر.
فالإعلام العبري نفسه نقل عن مصدر أمني أن الوضع في باب المندب "أسوأ من هرمز"، لأن الجغرافيا هناك تمنح من يسيطر على أضيق نقطة قدرة على رؤية السفن بالعين المجردة واستهدافها بأسلحة قصيرة المدى — أي أن الصواريخ الباليستية لم تعد شرطاً للإغلاق، بل صار الموقع الجغرافي ذاته كافياً. والأخطر أن الردّ ليس بيد تل أبيب وحدها، بل بيد قرار واشنطن؛ فقد كشفت التقارير أن ترامب رفض التدخل المباشر رغم اتصالين من ولي العهد السعودي، واكتفى بالدعم الاستخباراتي وتحديد الأهداف.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: رواية العدو تقوم على صيغة واحدة — "نحن لم نسمح"، لم نسمح بإغلاق المضيق، لم نسمح بانهيار الساحل، لم نسمح بالوصول إلى ميون" لكن الوقائع الميدانية تُقدّم صيغة مختلفة تماماً.
المدن تحررت، والجزر سُيطر عليها ملاكها اليمانيين، والقواعد الكبرى انهارت، والغطاء الجوي السعودي الذي وُعد به المتحشّدون لم يأتِ أبداً — على ما نقلته الروايات العبرية والأمريكية نفسها.
الفرق بين "لم نسمح" و"لم نستطع" هو الفرق بين لغة الخطاب ولغة النتائج، أن النتائج تُفرض بالجهد والصمود والتوفيق الإلهي، ولا تُكتب بالمناورات.
وما يجعل هذه المرحلة صفعة استراتيجية موجعة للعدو الصهيوني أكثر من حجم الأرض المحررة، هو توقيت التحرير وموقعه معاً.
و في الوقت الذي كان فيه العدو يستعد لمواجهة تهديد قادم، كان التهديد قد وقع، وفي الموقع الذي يُعدّ شرياناً حيوياً لتجارته وملاحته، أصبح الخصم متمركزاً في أضيق نقطة منه، وبينما كان كيان العدو الإسرائيلي تتحدث عن "أقوى قوة في الشرق الأوسط"، كانت التقارير تتحدث عن "حالة صدمة وارتباك" في الرياض، وعن "دعم لم يأتِ أبداً"، فكانت هزيمة عسكرية، وانكشاف استراتيجي لبنية تحالف كاملة.
وما حدث على الساحل الغربي هو امتداد لمنطق إيماني راسخ عند هذا الشعب، المؤمن بأن التوفيق من الله، وأن النصر يُمنح لمن صدق وصبر " أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " ، ففي الوقت الذي كانت فيه أجهزة الاستخبارات تُعدّ تقديراتها، كانت الجغرافيا تُعيد ترتيب نفسها، والقوة اليمنية تنتقل من الدفاع إلى المبادرة، ومن الصمود إلى فرض المعادلة.
وإذا كانت المناورة قد جاءت لتُعِدّ العدو لسيناريو هجوم قادم، فإن الرسالة الحقيقية التي وصلت من باب المندب أبسط من ذلك وأثقل: أن العدو بات يُعدّ نفسه للحرب، بينما يمنحه اليمن فرصة السلام قبل أن يفوت الأوان.
وهذا فضل الله، والمنّة لله، والفضل لأهل الفضل من المجاهدين الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. والحمد لله على نعمائه، والشكر له على آلائه.


.png)



