محمد فاضل العزي
لم تكن تلك الضربة الغادرة في محراب مسجد الكوفة مُجَـرّد نصلٍ مسمومٍ أصاب جسدًا طاهرًا، بل كانت طعنةً في قلب الرسالة، واغتيالًا لمسار أُمَّـة بأكملها.
حين انبعث "أشقى الأُمَّــة" لينفذ تلك الجريمة النكراء، لم يكن يقتل رجلًا فحسب، بل كان يطفئُ السراجَ الذي تركه المصطفى (صلى الله عليه وآله) ليضيء عتمة التاريخ.
عليٌّ عليه السلام.. الصراطُ الذي لا يميل
لقد كان الإمام علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) هو "بقية النبوة" والنموذج الأكمل للتربية المحمدية؛ فهو السابق الذي لم يلحق به أحد، والجهبذ الذي استوعب الوحي عِلمًا وعملًا، والبطل الذي دافع عن حياض الدين حين نكصت الأبطال.
كان يمثل "الصراط المستقيم" والخط السوي الذي لو استقر تدبيره، لأعاد للأُمَّـة رواءها، ولأخرجها من تيه الضلال إلى نور اليقين.
مفارقة الوجع: جرحٌ من الداخل
إن أشد ما يورث الغصة في القلوب، هو أن هذا العلم الشامخ لم يسقط بسيف "خارجي"، بل سقط بسيفٍ محسوبٍ على هذه الأُمَّــة، وفي عاصمة الخلافة الإسلامية، وفي أقدس بقاع الأرض: المحراب.
إنها الشهادة التي كشفت حجم "الشقاء" الذي تسلل إلى مسام الأُمَّــة؛ حَيثُ يجرؤ أدعياء الإسلام على ذبح الإسلام في شخص وليه، وتحت لافتاتٍ وشعاراتٍ زائفة، مما يدل على انحراف بنيويٍّ حاد عن منهجية الرسول الأكرم في التربية والتزكية.
عبارة "الأشقى": جنايةٌ بحجم التاريخ
لقد وُسِمَ القاتل بـ "أشقى الأُمَّــة" لأن جريمته لم تتوقف عند حدود الدم، بل امتدت لتصادر مستقبل أجيال كاملة.
لقد خسّر الأُمَّــة القائد الذي كان كفيلًا بإنقاذها من شتاتها، وتصحيح ما علق بالنفوس من "تضليل" تراكم عبر السنوات.
إن اغتيال عليٍّ عليه السلام كان يعني اغتيال "العدل المطلق"، وفتح الباب على مصراعيه لسيادة الباطل.
من دياجير المؤامرة إلى ليل "الملك العضوض"
لم يكن ابن ملجم عليه لعنة الله إلا أدَاة في مشروعٍ أكبر، خططت له قوى الالتفاف على القيم النبوية بقيادة معاوية.
فبشهادة الإمام علي عليه السلام، انكسر العائق الأخير أمام تمدد الضلال، فاستحكم أمر الملك العضوض، وتحول الدين إلى وسيلةٍ للتسلط، واستُبدلت "الخلافة الراشدة" بـ "الاستبداد الأموي"، ليمتد ذلك التضليل وتتوارثه الأجيال، مغرقًا الأُمَّــة في بحارٍ من الشقاء والفرقة لا تزال تعاني منها إلى اليوم.
"إن دمَ عليٍّ عليه السلام في المحراب لم يزل يكتبُ قصةَ الصراع بين الحق المتجسد والباطل المتستر بالدين".


.jpg)




