أحمد قاسم
في ذكرى شهيد القرآن، لم يتعامل السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي – يحفظه الله – مع المناسبة بوصفها محطة عاطفية أو استذكارًا تاريخيًا، بل قدّم قراءة قرآنية-استراتيجية للمرحلة، واضعًا الذكرى في سياق النصر الإلهي ومسار التحول التاريخي للأمة.
ولهذا قال السيد القائد بوضوح إن "المقام هو مقام النصر الذي حققه الله سبحانه وتعالى"، وهي عبارة تختصر زاوية النظر كلها: النصر بوصفه ثمرة الثبات، لا مجرد حدثٍ عابر.
ذكرى تتحول إلى فعل يومي
ما يلفت في خطاب السيد القائد أنه يخرج بذكرى شهيد القرآن من إطار الزمن المحدود، لتصبح نهجًا يوميًا حيًا، فالذكرى – كما قال – نعيشها "كل يوم نهجًا قرآنيًا يصنع الوعي، ويلهم بالمعارف القرآنية، ويضيء البصيرة". هنا تتحول الذكرى من إحياء إلى حالة وعي مستمرة، ومن خطاب إلى حركة جماهيرية "حاملة للراية"، بما يعكس تجذر المشروع القرآني في الوجدان الشعبي، رسميًا وشعبيًا.
🔹 فشل الاغتيال ونجاح المشروع
يضع السيد القائد اغتيال شهيد القرآن في سياقه الحقيقي: الأعداء كانوا يراهنون على السند الدولي، وعلى إنهاء المشروع في مهده، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا. لقد "فشل الأعداء في هدفهم من قتل شهيد القرآن"، بل تحولت الشهادة إلى شهادة على صدق الطريق، وارتبطت "بأسمى وأقدس مشروع"، فاستحق بحق هذا اللقب (شهيد القرآن).
وهنا تتجلى قاعدة قرآنية واضحة: دماء الشهداء لا تُطفئ المشاريع الإلهية، بل تمنحها حياةً أوسع، وامتدادًا أعمق، وهو ما نراه اليوم في تنامي المشروع القرآني وتعاظمه رغم كل "السجون، والقتل، والتدمير، والحروب، والهجمات الإعلامية المضللة".
الثقة بالله: نقطة الانطلاق من الصفر
يُبرز السيد القائد معلمًا محوريًا في شخصية شهيد القرآن: الثقة بالله. ليست ثقة عاطفية أو خطابية، بل ثقة واعية بالوعد الإلهي. فقد تحرك شهيد القرآن "دون سند عسكري"، وفي "منتهى ظروف الاستضعاف"، "ومن نقطة الصفر"، في وقت كانت فيه الأمة تعيش حالة "الهزيمة العامة والاستسلام والرضوخ وحالة الواقع المفتوح للأعداء".
في مقابل هذا الانهيار الرسمي والشعبي، كان صوت شهيد القرآن "صوتًا مختلفًا عن الآخرين يصدع بالحق، وينطق بالقرآن الكريم، صوتًا يتحرك على أساس المسؤولية". هذه المفارقة تفسّر لماذا رأى السيد القائد أن أزمة الأمة الحقيقية هي أزمة الثقة بالله، وأن ضعف الإيمان ينعكس مباشرة على المواقف، وعلى الاستعداد لتحمل المسؤولية.
الوعي والبصيرة في مواجهة التضليل
يركز الخطاب على أن الصراع اليوم ليس صراع سلاح فقط، بل صراع وعي وبصيرة. فالأعداء – كما يؤكد السيد القائد – يملكون "نشاطًا هائلًا للتضليل من خلال وسائل الإعلام والتثقيف ومن خلال أساليب وعناوين كثيرة"، وحملات "التزييف واللبس للحق بالباطل" هي الأقوى في تاريخ البشرية.
أمام هذا السيل الجارف، لا يرى السيد القائد بديلًا حقيقيًا عن القرآن، لأن "البدائل الأخرى هشة ضعيفة"، بينما "القرآن يجلي كل الظلمات مهما كانت كثافتها ويضيء الدرب ويري الحقائق للناس حتى تكون ماثلة أمامهم ويحصن الأمة بالبصيرة"، ويصنع للأمة رؤية، وموقفًا، وقدرة على التمييز بين الحق والباطل.
الأمة بين مشروعين: قرآني وصهيوني
يضع الخطاب المواجهة في إطارها الاستراتيجي الأوسع: الأمة مستهدفة بمشروع صهيوني واضح العناوين، من "إسرائيل الكبرى" إلى "تغيير الشرق الأوسط".
وهذا الاستهداف ليس عشوائيًا، بل مشروع متكامل، تتحرك فيه أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، ومعهم أنظمة وقوى "تتنافس فيما بينها وتتنازع وتختلف في إطار من يخدم أمريكا أكثر".
في المقابل، يطرح السيد القائد المشروع القرآني بوصفه المشروع الأصيل الوحيد، "أصالة الأصالة"، لأنه نابع من هوية الأمة، لا مستوردًا ولا استهلاكيًا. وقد أثبت – عمليًا – "جدواه" في بناء الإنسان، وتحويل المنتسبين إليه "من نقطة الصفر إلى مستوى الحضور والفاعلية العالية جدًّا".
المسؤولية التاريخية وعدم الانخداع بالعناوين
يحذر السيد القائد من الانخداع بعناوين السلام والاتفاقيات، مؤكدًا أن "العدو الإسرائيلي لا يزال مستمرًا في جرائمه واعتداءاته على الشعب الفلسطيني"، وأن الاحتلال قائم، والخطر قائم. ومن هنا يشدد على أن مسؤولية الأمة "أن تكون ثابتة على الحق"، وأن التفريط بهذه المسؤولية ليس مسألة بسيطة، بل يفتح الباب لسيطرة الطغاة والمفسدين على الدين والدنيا معًا.
خلاصة المعنى
خطاب الذكرى لم يكن خطاب مناسبة، بل وثيقة وعي. أعاد فيها السيد القائد تعريف النصر، وحدد معالم الطريق: ثقة بالله، وعي قرآني، مشروع أصيل، ومسؤولية لا تقبل التنازل. وفي هذا السياق، تبدو ذكرى شهيد القرآن ليست ذكرى ماضٍ مضى، بل حاضرًا يتحرك، ومستقبلًا يُصاغ، كما أراده السيد حسين بدرالدين الحوثي (رضوان الله عليه)، وكما وعد الله به عباده المستضعفين الصابرين.







