شاهر أحمد عمير
يحاول المجرم ترامب، في هذه المرحلة الحسَّاسة من الصراع بين محور المقاومة ومحور أمريكا وحلفائها، إعادة هندسة أوراق الضغط في مواجهة إيران، وفي مقدمتها ورقة مضيق هرمز؛ باعتبَاره أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في العالم، دون اكتراث حتى باقتصاد حلفائه في دول الخليج العربية.
هذا التحَرّك لا يأتي في سياق البحث عن حلول عادلة أَو تفاهمات متوازنة، بقدر ما يعكس سعيًا أمريكيًّا متجددًا لنزع أدوات القوة من يد الخصوم، وفرض الهيمنة على المنطقة، وتحويل عناصر القوة الجيوسياسية إلى أوراق تفاوض تُستخدم عند الحاجة وتُسحب عند تحقّق الهدف.
إن الرهانَ الأمريكي يقومُ على فرضية مفادها أن التهديدَ بإغلاق المضيق، أَو حتى التلويح باضطراب الملاحة فيه، قد يدفع إيران إلى طاولة التفاوض بشروط مغايرة، عنوانها “فتح المضيق مقابل تنازلات سياسية وأمنية”.
غير أن هذه الفرضيةَ تتجاهَلُ حقائقَ جيوسياسية وقانونية مهمة، أبرزها أن إيران تنظر إلى المضيق بوصفه جزءًا من أمنها القومي وسيادتها الاستراتيجية، وليس مُجَـرّد ورقة قابلة للمقايضة أَو المساومة تحت الضغط.
ومن أخطر ما في هذا المشهد الخطاب المزدوج الذي تتبناه أمريكا وحلفاؤها في توصيف الأفعال ذاتها وفق هُوية الفاعل.
ففي المنظور الغربي يُقدَّم أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز بوصفه “جريمةً” تهدّد الأمن والسلم الدوليين، بينما يُعاد توصيف الإجراءات الأمريكية أَو الغربية أَو المرتبطة بكَيان الاحتلال الإسرائيلي بأنها “إدارة للأزمات” و”ذكاء استراتيجي”.
هذا التناقض لا يعكس اختلافًا في المعايير بقدر ما يكشف عن خلل بنيوي في منظومة العدالة الدولية، حَيثُ تُفصّل القوانين على مقاس القوة.
منذ عقود، شكّل مضيق هرمز عنصرَ توازن ردعيًّا في معادلة الصراع بين إيران وأمريكا، ووسيلة لردع أي محاولة لفرض حصار اقتصادي خانق.
وبالتالي فإن أي تصور أمريكي بإمْكَانية سحب هذه الورقة أَو تحييدها عبر الضغوط، يصطدم بواقع ثابت يتمثل في اعتبار إيران أن التحكم بالمضيق يرتبط مباشرة بأمنها القومي وبأمن الإقليم ككل، وهو موقف لم يبقَ في إطار الخطاب السياسي فقط، بل انعكس في سياسات واستعدادات عملية تؤكّـد صعوبة التنازل عنه.
في المقابل، لا يمكن قراءةُ التحَرّكات الأمريكية بمعزلٍ عن الأزمة الأوسع التي يعيشها النظام الدولي، حَيثُ تتراجع القدرة على فرض الإرادَة الأحادية، وتزداد كلفة استخدام العقوبات كسلاح سياسي.
فالحصار المفروض على إيران لم تعد آثاره محصورة داخلها، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمدَاد.
ومع أي تصعيد في مضيق هرمز، تتسع دائرة المتضررين لتشمل دولًا كبرى تعتمد على نفط الخليج، ما يجعل من المضيق قضية دولية لا يمكن إدارتها بمنطق الابتزاز السياسي.
إن طرح “فتح المضيق” كحل تفاوضي يخفي في جوهره محاولة لتحميل إيران مسؤولية أزمة صنعتها سياسات الحصار نفسها.
فـأمريكا، التي تتحدث عن حرية الملاحة، هي ذاتها التي تستخدم أدوات اقتصادية وسياسية لخنق دولة ذات سيادة، ثم تطالبها بتقديم تنازلات إضافية لضمان استقرار الأسواق العالمية.
هذا التناقض يعكس عقلية تجرّم فعل الخصم وتبرّره عندما يصدر عن القوة المهيمنة.
ومن جهة أُخرى، تدرك إيران أن أي تنازل في ملف مضيق هرمز لن يُفهم كبادرة حسن نية، بل كعلامة ضعف ستفتح الباب لمزيد من الضغوط.
لذلك فإن تمسكها بهذا الملف لا يرتبط فقط؛ باعتبَارات وطنية، بل برؤية استراتيجية تستند إلى تجارب سابقة أثبتت أن التراجع تحت الضغط لا يؤدي إلا إلى مزيد من الابتزاز.
وهكذا يتحول المضيق من مُجَـرّد ممر مائي إلى رمز للسيادة ورفض الإملاءات الخارجية..
إنَّ الصراعَ حول مضيق هرمز بات اختبارا أخلاقيًّا وسياسيًّا لمعايير العدالة في النظام الدولي.
فبين من يصف إغلاق المضيق من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالجريمة حين يكون دفاعًا عن النفس وانتزاعًا للحقوق المشروعة ويمدحه بالذكاء حين يخدم مصالح القوة العظمى مثل أمريكا وكَيان الاحتلال الإسرائيلي تنكشف حقيقة عالم تحكمه ازدواجية المعايير.
عالمٌ تحكُمُه عصابةُ النفاق والإجرام، وفي ظل هذا الواقع، فإن استمرار الحصار والضغوط، أَو التلاعب بأمن الممرات الدولية، لن تكونَ كلفتُه محصورةً بطرف واحد، بل ستنعكس آثاره على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي؛ ما يجعل من هذا المِلف مرآة صادقة لخلل عميق في بنية النظام الدولي ذاته.





.jpg)

