عبدالله علي هاشم الذارحي
في تاريخ الصراع ضد كيان العدوّ وأمريكا، لا تُقرأ الحروب فقط من زاوية المعارك البرية أَو الجوية، إنما تعد السيطرة على الممرات البحرية هي التي تُحدّد اتّجاهات الاقتصاد والحرب معًا.
في هذا السياق، يبرز مضيق باب المندب بوصفه أحد أهم الأدوات التي أعادت تشكيل مفهوم الحصار في المنطقة.
ومعلوم أن خصوصية باب المندب لا تأتي فقط من موقعه، بل من كونه:
– يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
– يتحكم في طريق التجارة بين آسيا وأُورُوبا.
– يمثل نقطة عبور رئيسية للطاقة العالمية والبضائع.
فخلال حرب 6 أُكتوبر 1973، لم تكن المواجهة مقتصرة على جبهتَي سيناء والجولان، فقد امتدت إلى البحر الأحمر، حَيثُ تحَرّكت أطراف عربية لتوسيع دائرة الضغط الاستراتيجي على كَيان الاحتلال.
وفي تلك المرحلة، برز دور اليمن كجزء من الجهد العربي العام، عبر إجراءات عسكرية في محيط باب المندب هدفت إلى منع مرور السفن المرتبطة بكَيان الاحتلال.
وفي معركة «طوفان الأقصى»، تكرّر إغلاقُ اليمن لباب المندب بوجه السفن المتجهة إلى موانئ كَيان الاحتلال، وكذلك السفن المرتبطة به، وما زالت آثار هذا الإغلاق مخيمة على العدوّ وأمريكا حتى اليوم؛ إذ تعطلت موانئ كَيان الاحتلال، وتراجعت حركة بعض القطع البحرية، في دلالة على حجم التأثير.
ولا شك أن إغلاق اليمن لباب المندب جزئيًّا، سابقًا ولاحقًا، كان خطوة ذات دلالة عسكرية وسياسية عميقة، مفادها أن اليمن استطاع تحويل البحر الأحمر وخليج عدن إلى أدَاة ضغط وسلاح فعّال في المعركة.
اليوم، ومع إغلاق إيران لمضيق هرمز، وتهديدات ترامب بفتحه بالقوة، ونتيجة تعنُّت الأمريكي في المفاوضات، واستمرار الحصار على اليمن، وتنصل تحالف العدوان من تنفيذ مطالب الشعب اليمني، فإن التوقعات تشير إلى إمْكَانية التلويح بإغلاق باب المندب.
وسينتج عن التلويح أَو اتِّخاذ القرار وتنفيذه ما يلي:
– خنق خطوط الإمدَاد على العدوّ.
– تعطيل جزئي للملاحة.
– فرض رسوم على السفن العابرة.
– توسيع نطاق الحصار البحري.
كما أن آثارَ الإغلاق ستنعكسُ فورًا على الاقتصاد العالمي، حيث:
– قد تدخل قوى أُخرى على خط المواجهة.
– تُجبَر السفن على سلوك طريق أطول عبر رأس الرجاء الصالح، بما يحمله ذلك من:
• زيادة التكاليف.
• تأخير الإمدَادات.
• ضغط إضافي على الاقتصاد العالمي.
حينها ستثبت اليمن للعالم أن من يملك القدرةَ على التأثير في باب المندب، يملك ورقة ضغط تتجاوز حدود المنطقة.
وبهذا تكون اليمن أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، وعنصرًا فعّالًا في عملية الردع والمواجهة.
وسيبقى باب المندب شاهدًا على لحظة تاريخية تؤكّـد أن الحروبَ لا تُحسم فقط في ساحات القتال، إنما أَيْـضًا في النقاط الضيّقة التي تمر منها سفن العالم.
ختامًا: مما سبق يتبيّن أن باب المندب ليس مُجَـرّد مضيق، بل درسٌ استراتيجي مفتوح؛ فالدول قد تختلف في قوتها، لكن من يملك مفاتيح الممرات الحيوية يمتلك قدرة على إعادة رسم المشهد العالمي.
وفي زمن تتراجع فيه الهيمنةُ المطلقة وتتغير موازين القوى، يصبح من يملك الموقع قادرًا على فرض حضوره، وتظل اليمن حاضرة بقوة في معادلة المواجهة.





.jpg)

