شاهر أحمد عمير
في توقيت سياسي بالغ الحساسية، يطلق رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو تصريحا يتحدث فيه عن تشكيل “محور جديد” يضم الهند ودولًا عربية، في مقابل ما سماه بمحورين “شيعي” و“سُني”.
هذا التصريح لا يمكن فصلُه عن السياق العام للخطاب الصهيوني في المرحلة الراهنة، ولا يمكن التعامل معه كمُجَـرّد توصيف سياسي عابر، بل هو تعبير واضح عن استراتيجية متكاملة تهدف إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة، وإخراجه من إطاره الحقيقي كصراع مع احتلال، إلى صراع محاور وهُويات.
الكيان الغاصب القائم على الاحتلال والاستيطان يدركُ اليوم أن روايته التقليدية فقدت قدرتَها على الإقناع، في ظل الجرائم اليومية بحق الشعب الفلسطيني، واتساع رقعة الرفض الشعبي والدولي لسياساته.
لذلك يسعى نتنياهو إلى الهروب من جوهر الصراع عبر خلط الأوراق، وتحويل الأنظار من حقيقة الاحتلال إلى صراع مذهبي مصطنع، يُقدَّم فيه كَيان الاحتلال كطرف “مهدّد” لا كقوة معتدية.
بهذا الأُسلُـوب، يحاول الاحتلال تذويب صورته الإجرامية داخل شبكة من الصراعات الجانبية، وتخفيف الضغط السياسي والأخلاقي المتزايد عليه.
الحديث عن “محور شيعي” و“محور سُنِّي” لا يعكس واقعًا حقيقيًّا بقدر ما يعكس رغبةً صهيونية قديمة في الاستثمار في الانقسام داخل الأُمَّــة العربية والإسلامية.
فهذا الخطاب يهدفُ إلى تعميق الشرخ المذهبي، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات هُوية، بما يؤدي إلى استنزاف طاقات الشعوب، وإبعادها عن عدوها الحقيقي.
فحين تنشغل الأُمَّــة بنفسها، تتراجع مركزية القضية الفلسطينية، ويتحول الاحتلال من مشكلة أَسَاسية إلى طرف عابر في معادلة صراع مشوهة.
خطورة تصريح نتنياهو تتضاعفُ حين يوضع في سياق متكامل مع تصريحات السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال، الذي قال صراحة إن من “حق إسرائيل” احتلال دول عربية.
هذا التصريح، الذي شمل لبنان وفلسطين وسوريا والسعوديّة ومصر، يكشف بوضوح أن ما يطرحه نتنياهو ليس خطابًا معزولًا، بل جزء من رؤية أمريكية–صهيونية ترى في المنطقة بأكملها ساحة مفتوحة للهيمنة والاحتلال.
وهو تأكيد صريح على أن الاستهداف لا يقتصر على شعب أَو دولة بعينها، بل يشمل كُـلّ الدول العربية والإسلامية، دون استثناء.
هذا الترابط بين التصريحين يفضحُ زيف الادِّعاء بوجود “محاور مذهبية” متقابلة، ويكشف الحقيقة التي يحاول الاحتلال إخفاءها: العدوّ لا يفرق بين شيعي وسني، ولا بين مسلم ومسيحي.
معيارُ الاستهداف الوحيد هو الموقع والموقف، وكل من يقف في وجه المشروع الصهيوني أَو يشكل عائقا أمام توسعه، يُعد هدفًا مشروعًا في نظره.
أما تقسيم المنطقة إلى محاور طائفية، فليس سوى أدَاة لتسهيل هذا المشروع، وتمهيد الطريق أمامه بأيدٍ من داخل المنطقة نفسها.
إقحام دول عربية في ما يسميه نتنياهو “محورًا جديدًا” لا يعبّر عن شراكة حقيقية، بل عن محاولة استغلال سياسي لتوفير غطاء إقليمي لسياسات الاحتلال.
فكَيان الاحتلال لا يبحثُ عن استقرار المنطقة، بل عن تفكيكها وإضعافها، وتحويل علاقاته مع بعض الأنظمة إلى وسيلة لشرعنة وجوده وعدوانه.
والتجربة التاريخية تؤكّـد أن الاحتلال لا يحترم تحالفا ولا يلتزم بعهد، وأن من يظن نفسه بمنأى عن أطماعه إنما يراهن على سراب.
أخطر ما في هذا الخطاب هو سعيُه لتكريس وعي زائف، يرى الصراعَ بوصفه صراعًا مذهبيًّا لا صراعًا مع احتلال.
فهذا الوعي، إن ترسخ، سيؤدي إلى مزيد من التفكك، وإلى إضعاف أي إمْكَانية لبناء موقف عربي وإسلامي موحد، قادر على مواجهة المشروع الصهيوني.
كما يمنح الاحتلال فرصة للهروب من المساءلة الدولية، عبر تصوير نفسه كطرف في صراع إقليمي معقد، لا كقوة احتلال تنتهك القانون الدولي ليلَ نهارَ.
في المحصلة، تصريح نتنياهو، مقرونًا بالموقف الأمريكي الداعم له، يؤكّـد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: المنطقة بأسرها مستهدفة، والمشروع الصهيوني لا يعترف بحدود ولا يحترم سيادة.
وأمام هذا الواقع، يصبح الوعي بحقيقة الصراع مسؤولية تاريخية، لأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي، وعلى تعريف العدوّ، وعلى منع تحويل قضية الاحتلال إلى مُجَـرّد تفصيل في صراع محاور وهمية.
ستبقى الحقيقة ثابتة مهما تعددت الخطابات: هناك احتلال، وهناك شعوب مستهدفة، ولا خلاص إلا بإعادة توجيه البُوصلة نحو العدوّ الحقيقي، بعيدًا عن كُـلّ محاولات التضليل والتقسيم.

.jpg)
.jpg)
.png)



