أصيل علي البجلي
في موازينِ السُّننِ الإلهيةِ التي لا تتبدّل، يتجلّى لنا اليومَ مشهدٌ من مشاهدِ الغلبةِ الإيمانية، حَيثُ يبرُزُ الاتّفاق الأخير ووقفُ إطلاق النارِ بين الجمهوريةِ الإسلاميةِ في إيران وبين أمريكا، ليس كحدثٍ دبلوماسيٍّ عابرٍ أَو مُجَـرّد تهدئةٍ مؤقتة، إنما كوثيقةِ انكسار تاريخيٍ لمشروعِ الهيمنةِ وتتويجٍ لمسارٍ طويلٍ من الثباتِ القرآنيِّ والجهادي.
إنّه تجسيدٌ عمليٌّ لقولِ الحقِّ تبارك وتعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}، حَيثُ ارتدّت سهامُ الحصارِ والوعيدِ إلى صدورِ المستكبرين، وظهرَ للعالمِ أجمع أنَّ إرادَة الشعوبِ المستبصرةِ بالقرآن لا تُقهر.
تحوُّلٌ جوهريّ يمثلُ إعلانًا صريحًا بفشلِ آلةِ الحربِ الشاملة، بنوعيها الناعمِ والخشن، التي أدارتها أمريكا لعدةِ عقودٍ ضدَّ قلعةِ المقاومة.
فسياسةُ "الضغوطِ القصوى" التي نُسجت خيوطُها بدقةٍ في أروقةِ البيتِ الأبيض؛ بهَدفِ تركيعِ الشعوبِ وإخضاع القرارِ السيادي، تلاشت تمامًا أمامَ صخرةِ الوعيِ والبصيرةِ اليمانيةِ والإيمانية.
لقد أدركت واشنطن، وهي القوةُ التي لا تفهمُ في أبجديتِها إلا لغةَ المصالحِ الماديةِ المباشرةِ وقوةَ السلاح، أنَّ الموقفَ الإيرانيَّ المسنودَ برؤيةٍ قرآنيةٍ صلبةٍ لم يعد قابلًا للاحتواء أَو الترهيب، وأنَّ كُلفةَ التصادمِ المباشرِ مع محورِ الجهادِ والمقاومةِ باتت تفوقُ قدرةَ الإمبراطوريةِ المتآكلةِ على الاحتمال أَو الاستمرار في مغامراتٍ غيرِ محسومةِ النتائج.
سياسيًّا، يُكرّسُ هذا الاتّفاق واقعًا جيوسياسيًّا جديدًا في المنطقة، حَيثُ يلفظُ التاريخُ زمنَ الوصايةِ والتبعيةِ المطلقةِ للخارج.
لقد كان كيانُ الاحتلال الصهيوني هو المراهنَ الأكبر والأوحدَ على إذكاء نارِ هذا الصراعِ واستمراره، ظنًا منه أنَّ الدماءَ التي ستُسفكُ والحرائقَ التي ستشتعلُ ستحمي أمنَهُ الهشَّ والزائل، لكنَّ هذا الاتّفاق جاءَ ليؤكّـد حجمَ العزلةِ التي بات يعيشُها كيانُ الاحتلال الصهيوني، وحالةَ القلقِ الوجوديِّ التي تنهشُ أركانهُ، بعد أن رأى حليفهُ الأكبر والأقوى يجنحُ للتهدئةِ مُرغمًا لا بطلًا، باحثًا عن مخرجٍ يحفظُ ما تبقى من وجهِ هيبتِهِ المهدورة.
إنَّ تراجعَ أمريكا في هذا التوقيتِ الحساسِ هو بالضرورةِ تقزيمٌ للدورِ الوظيفيِّ لكيانِ الاحتلال، وإضعافٌ بنيويٌّ لكلِّ أدواتها المهرولةِ في المنطقةِ التي دأبت على العيشِ والاحتماءِ تحت العباءةِ الأمريكيةِ الممزقة.
إننا أمامَ نصرٍ استراتيجيٍّ متكاملِ الأركان، يفرضُ على الساحةِ الدوليةِ معادلةً ذهبيةً مفادُها: أنَّ السيادةَ الحقيقيةَ تُنتزعُ انتزاعًا ولا تُمنحُ كصدقاتٍ دولية، وأنَّ التفاوضَ الصادقَ تحت ظلالِ البنادقِ وصمودِ الجبهاتِ هو الوحيدُ الذي يُثمرُ كرامةً وحرية.
هذا الاتّفاق ليس نهايةَ المطافِ في الصراعِ بين الحقِّ والباطل، بل هو جولةٌ فاصلةٌ من جولاتِ التدافعِ التاريخي، تُثبتُ بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ أنَّ المشروعَ القرآنيَّ يمتلكُ النفسَ الأطولَ والقدرةَ الفائقةَ على المناورةِ من موقعِ القوةِ والتمكينِ لا من موقعِ الضعفِ والانكسار.
إنَّ الرهانَ اليومَ يظلُّ معقودًا على استمرار اليقظةِ العاليةِ وتعميقِ مستوياتِ الوعيِ الشعبي، فالمستكبرُ بطبعِهِ لا يفي بالعهودِ ولا يحترمُ المواثيقَ إلا حين يرى بأسَ المؤمنينَ يحيطُ بمصالحهِ الاستراتيجيةِ من كُـلّ جانب، ليبقى اليمنُ والجمهوريةُ الإسلاميةُ وكلُّ أحرار المنطقةِ هُم الصخرةَ الصماءَ التي تتحطمُ عليها أوهامُ الاستعمار الجديدِ وعبيدِ الصهيونية.
ما حدثَ هو انتصار لمنطقِ الثورةِ على منطقِ الخضوع، وإعلان لزوالِ عهدِ القطبِ الواحدِ وبزوغِ فجرِ الأُمَّــة المقتدرةِ بالله.




.jpg)

.png)
