مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

شاهر أحمد عمير
في مرحلة تاريخية تتكاثفُ فيها التحديات على الأُمَّــة، وتتصاعد أشكال العدوان العسكري والاقتصادي والثقافي، يبرز سؤال جوهري: كيف يتحقّق النصر؟ وهل هو وعدٌ إلهي يُنتظر، أم مسؤولية تاريخية تُصنع؟

الإشكالية التي تواجه الأُمَّــة اليوم ليست في غياب الوعد الإلهي، بل في سوء فهمه، وفي الفصل الخاطئ بين الإيمان والفعل، وبين التوكل والعمل، وبين الدعاء وتحمل المسؤولية.

لقد رسخ القرآن الكريم سننًا واضحة تحكم حركة الأمم، وجعل التغيير مشروطًا بإرادَة الإنسان وسلوكه، لا بمُجَـرّد الانتماء أَو الادِّعاء.

فالتدبير الإلهي، في جوهره، لا يعمل خارج الواقع، ولا يتنزل على أُمَّـة منزوعة الإرادَة، بل يمر عبر أيدي المؤمنين حين يحملون مسؤولياتهم بصدق، ويدركون أن النصر ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تراكميًّا يحتاج إلى وعي وصبر وتضحيات.

أحد أخطر مظاهر الخلل في الوعي الجمعي هو تحويل الإيمان إلى حالة سكون، والتعامل مع التدبير الإلهي بوصفه بديلًا عن الفعل، لا إطارًا له.

هذا الفهم المشوه أنتج ثقافة انتظار طويلة أفرغت المجتمعات من روح المبادرة، وجعلت العجز يبدو وكأنه قدر لا يُرد، في حين أن السنن الإلهية لا تحابي المتقاعسين، ولا تنصر من يكتفي بالمشاهدة.

إن النصر في المفهوم الإسلامي ليس مكافأة مجانية، بل نتيجة طبيعية لتكامل الإيمان مع الجهاد، والوعي مع الموقف، والثبات مع البصيرة.

فالأمم لا تُقاس بقدراتها المادية وحدها، بل بقدرتها على الصمود، ومدى وضوح رؤيتها للعدو الحقيقي، واستعدادها لتحمل كلفة المواجهة.

وحين تختل هذه العناصر، تتحول القوة إلى عبء، والعدد إلى وهم، والتاريخ إلى سجل للهزائم المتكرّرة.

وقد أثبت الواقع أن تضليل الوعي أخطر من السلاح، وأن تفكيك المجتمعات من الداخل هو الطريق الأقصر لإخضاعها.

لذلك، فإن صرف بُوصلة الصراع نحو خلافات داخلية، أَو معارك جانبية، أَو صراعات هُويات ضيقة، يخدم المشروع المعادي أكثر مما يخدم أية قضية وطنية أَو دينية.

ومن هنا، تظل معركة الوعي في صدارة معادلة النصر، لأنها تحدّد اتّجاه الفعل، وتمنح التضحيات معناها الحقيقي.

تبرز المقاومة اليوم بوصفها السد المنيع والحاجز الصُّلب في وجه كَيان الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي، ويظهر حال الشعب اليمني وصموده كنموذج عملي يجسد التقاء الإيمان بالفعل، وتحمل المسؤولية بالصمود.

فرغم الحصار الخانق، والعدوان المُستمرّ، والخذلان الدولي، استطاع اليمن أن يحول معاناته إلى عنصر قوة، وأن يفرض معادلات جديدة في الميدان والسياسة، لا استنادًا إلى تفوق مادي، بل اعتمادًا على وعي جمعي متنامٍ، وخطاب تعبوي أعاد تعريف الصراع، وربط الصمود بالكرامة والمواجهة بالمسؤولية، وهو ما يؤكّـده السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، في خطاباته ومحاضراته.

وفي محاضراته الرمضانية، يؤكّـد السيد القائد أن العدوَّ الإسرائيلي ينكُثُ بالالتزامات، وأن الضامن الأمريكي شريك كامل في الجرائم والعدوان والأهداف والمؤامرات، وأن المواقف والتصريحات الأمريكية المعلنة تكشف بوضوح طبيعة المشروع الساعي للهيمنة على المنطقة وشعوبها وبلدانها وثرواتها.

هذه الحقائق أصبحت معالم واضحة لمسار طغيان يستهدف الأُمَّــة في حاضرها ومستقبلها.

هذا الواقع يفرض على الأُمَّــة وعيًا صريحًا بحقيقة الاستهداف، فالأمة العربية والإسلامية تواجه اليوم طغيانًا "إسرائيليًّا" أمريكيًّا مكشوف الأهداف، لا يحتاج إلى كثير من التأويل.

اتّجاه هذا المشروع وأدواته السياسية والعسكرية والاقتصادية باتت واضحة في فلسطين وغيرها من ساحات المواجهة.

ولا يبدو أن أمام الأُمَّــة طريقًا للنجاة سوى الاعتصام بالله، وبناء وعيها، والاعتماد على قوتها الذاتية.

فالمسارات الأُخرى أثبتت، عبر عقود طويلة، أنها مسارات استنزافية واستهلاكية، تهدر الوقت والطاقات دون أن تحقّق نتائج حقيقية.

وقد أكّـدت التجارب أن الرهان على التسويات الوهمية لا يجلب سوى الخيبة، وأن تعليق الآمال على سراب الاتّفاقيات لم يوقف عدوانًا، ولم يحمِ أرضًا، ولم يصن كرامة.

وتبقى التجربة الفلسطينية شاهدًا صارخًا على ذلك، فمع اتّفاقيات أوسلو وما تلاها، لم تتوقف الانتهاكات، بل تصاعدت في الضفة الغربية من تهجير وتدمير ونهب، ما يبرهن أن العدوّ لا يحترم اتّفاقا، ولا يلتزم بعهد، ولا يفهم إلا منطق القوة والمواجهة.

إن الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن الأُمَّــة لا مناص لها من مواجهة العدوّ الإسرائيلي، والسعي الجاد للتخلص من مشروعه الاستعماري، إدراكًا بأن النصر لا يُمنح للمنتظرين، بل يُصنع على أيدي المؤمنين بقضيتهم، العاملين؛ مِن أجلِها، الصادقين في توكلهم، والواعين بمسؤوليتهم التاريخية.

فحين تتحول العقيدة إلى موقف، والإيمان إلى فعل، يصبح التدبيرُ الإلهي حاضرًا في الواقع، ويغدو النصر، مهما طال الطريق إليه، نتيجة حتمية لا شك فيها.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر