فهد شاكر أبوراس
تتجاوز حربُ الجيل الخامس التي تخوضها بعض القوى الكبرى ضد اليمن المفهوم التقليدي للصراع المسلح، لتغزو الفضاء المعنوي والثقافي، أَو ما يمكن تسميته "الميتافيزيقا الاجتماعية".
معركة لا تستهدف احتلال الأرض بقدر ما تستهدف هندسة العقول وتفكيك النسيج الداخلي للمجتمع، عبر آليات رقمية دقيقة تعمل بصمت لتحقيق ما يمكن وصفه بـ"الاستنزاف المعرفي"، وهو أشد فتكًا من الاستنزاف العسكري لأن غايته تجريد المجتمع من قدرته الأَسَاسية على التمييز: بين الحقيقة والكذب، وبين الصديق والعدوّ، وبين الأولويات والهامشيات.
تدرك هذه الحرب أن إسقاطَ وعي الأُمَّــة أسهل من إسقاط جيوشها، وأن خلق حالة من التوهان الجماعي يمهد لما عجزت عنه آلاف الغارات.
وفي صميم هذه الآلية المدمّـرة، يعمل "اقتصاد الانتباه" كوقود لعملية التدمير، تستغل هذه الحرب ما تسمى "رأسمالية المراقبة"، حَيثُ تتحول بيانات المستخدمين وأوقاتهم وانتباههم إلى سلعة.
ولكن الأمر هنا لا يتعلق ببيع منتجات تجارية، بل ببيع أوهام وصراعات وهمية.
فالخوارزميات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي لا تفرق بين محتوى ترفيهي وآخر سياسي؛ وظيفتها الأَسَاسية هي تعظيم "التفاعل" بأي ثمن.
ولأن المحتوى الذي يثير الغضب أَو الحيرة أَو الفتنة هو الأكثر ضمانًا لبقاء المستخدم مشدودًا إلى الشاشة، فإنه يصبح "محتوى ممتازًا" في نظر هذه الخوارزميات العمياء.
وهنا يكمن دور العدوّ الذكي: استغلال هذه الآلية عبر تغذيتها بمواد مصممة خصيصًا لإثارة النعرات المذهبية والمناطقية والاجتماعية، وتحويل كُـلّ حدث عابر إلى ساحة معركة افتراضية تستنزف طاقة المجتمع.
لم تعد تقنيات هذه الحرب تقف عند حدود "الفبركة" المباشرة للوقائع، بل تطورت إلى ما هو أخطر: "التأطير" الموجّه للحدث الحقيقي.
بحيث يتم انتزاع الخبر أَو المشهد من سياقه الكلي، وتضخيمه ليمثل "القاعدة" و"الحالة العامة"، لا أن يبقى "استثناء" أَو "حادثة فردية".
وهذه الآلية تغمر المتلقي في "حاضر دائم" من الأحداث السلبية المتتالية، محاصرة إياه بلحظات متلاحقة من الإحباط وفقدان الأمل، بحيث يُصاب الوعي الجمعي بـ"ضبابية استراتيجية" تمنعه من التمييز بين ما هو جوهري وما هو هامشي، وبين العدوّ الحقيقي والصديق المحتمل.
وأخطر ما تنتجه هذه الحرب الصامتة أنها تحول المواطن العادي، الذي قد يكون صاحب نية حسنة، إلى جزء لا إرادي من آلة الانتشار.
فعندما يقوم شخص بالتعليق على محتوى هدام بقصد التصحيح، أَو مشاركته؛ بهَدفِ التحذير، فإن الخوارزمية لا تترجم نيته، بل تقرأ أن هذا المحتوى "مثير للجدل" ويستحق الترويج لشرائح أوسع.
وهنا يصبح هذا المواطن، دون أن يدري، "ناقل للفيروس الفكري الذي يحاول مقاومته".
لمواجهة هذا الخطر الوجودي الذي يفتت النسيج المعنوي للمجتمع، لا بد من موازنة دقيقة بين التقنيات الدفاعية والوعي الجمعي.
يبدأ ذلك بـ"محو الأمية الخوارزمية" كشكل جديد من أشكال الوعي: تعليم الأفراد كيف تفكر الآلة، وليس فقط كيف يفكرون هم.
فهم أن الغضب أصبح سلعة تباع وتشترى، وأن الصفحة التي تثير الحنق قد صممت خصيصًا لتحقيق ذلك، هو خط دفاع أول.
تلي ذلك استراتيجية "المقاطعة الواعية"، حَيثُ يُدرك الفرد أن أي تفاعل مع المحتوى الهدام (سلبًا أَو إيجابا) يمدها بالوقود، وأن التمرير والتجاهل يصبح فعل مقاومة بحد ذاته، يحرم الصفحات المشبوهة من عنصر البقاء.
ويتطلب هذا تدريبًا نفسيًّا واجتماعيًّا على عدم الانجرار خلف الإثارة.
ولا تكتمل المواجهة لهذه الحرب دون بناء "مناعة جمعية" بديلة، وهذا يقتضي إنشاء منصات وقنوات موثوقة لا تركز على "النبأ العاجل" بقدر ما تركز على "التفكيك" و"الشرح".
وقيام المؤسّسات الدينية والاجتماعية والإعلامية بدور "المفكك" للرسائل المغلفة، الموضح للمواطن كيف تمت هندسة هذه الرسائل ولماذا، والكشف عن الأجندات الخفية وراء تضخيم أحداث معينة وتهميش أُخرى.
ولا يمكن لهذه المناعة أن تكتمل دون "استعادة السردية الكلية"، فالمواجهة الحقيقية لا تتم عبر تفنيد كُـلّ شائعة على حدة، فهذا مستنزف ويبقي المعركة في ساحة العدوّ، بل عبر بناء سردية وطنية جامعة وإيجابية، تعيد للمواطن ثقته بمستقبل قضيته وتمنحه بوصلة أخلاقية ومعرفية تذكره بالصورة الكبيرة التي تعمل هذه الحرب الرقمية على تفتيتها.
إنها معركة وجودية تُخاض في الفضاء المعنوي، حَيثُ النصر فيها هو الحفاظ على القدرة على التمييز والتماسك، والهزيمة هي الانزلاق إلى فوضى معرفية تجعل المجتمع هشًا وقابلًا للاختراق من أي جهة.



.jpg)



