متابعات../
تقرير | وديع العبسي
من جملة ما اشتملت عليه محاضرات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، الرمضانية من أفكار وملاحظات لما صار واقع الأمة على مستوى الفرد والجماعة، منحى أساسي ورئيس سلكه ويسلكه أعداء الإسلام عن فهم وإدراك لمقاصده، والسير على هذا المنحى كفيل بأن يمكّن الأعداء إذا ما نجحوا فيه من العمل بأريحية على كل مخططات الاستهداف للأمة.
تحدث السيد القائد عن تركيز الأعداء -في حربهم الشيطانية- على تقليص ظاهرة الصلاح والإيمان، وتقليص الفئات المتفاعلة مع الأعمال الصالحة والقُرَب المقرِّبة إلى الله سبحانه وتعالى، وقد "أثَّروا إلى حدٍ ما في بعض البلدان العربية وغيرها من العالم الإسلامي" وفق ما ذكر السيد القائد في المحاضرة الرمضانية الأولى، وهي مسألة تأتي في سياق الاستهداف للأمة في دينها وعقيدتها وحتى في تاريخها، إذ ظل الإسلام -بما يقوم عليه من قيم ومبادئ إنسانية- عدواً لمشاريعهم الشيطانية؛ لذلك فإن إضعاف هذا الدين في نفوس المسلمين هو بداية لإضعافهم وبالتالي السيطرة عليهم.
ليس في الأمر ما تسمى بـ"عُقدة نظرية المؤامرة"، فهذه الحقيقة يشهد بها واقع الأمة اليوم وهذه الحالة من التراخي تجاه قضاياها المصيرية، حيث تتسيد التفاهة والسطحية على تفكير وتقدير الكثير تجاه ما يعتمل، وتسيطر الغايات الدنيا على رغباتهم لتصير -لاحقاً- نقاط ضعف بيد الأعداء يتحكمون من خلالها على مواقف أبناء هذه الأمة وأهدافها وحتى طموحاتها، مع انصراف تام عما يعرضه الله سبحانه عليهم من فرص ونتائج في الدنيا والآخرة؛ لذلك في تشخيصه يقول السيد القائد: "وفعلاً.. كثير من الناس تغريهم الأمور التافهة ممَّا يلهثون وراءه بحسب شهواتهم ورغباتهم، ولا يلتفتون إلى عظيم ما يعرضه الله عليهم، وعظيم ما يمكن أن يحظى به الإنسان إذا استجاب لله، إذا أقبل إلى ما يعرضه الله عليه من الخير العظيم. وفي نفس الوقت كم هي الخسارة الكبيرة جدًّا، الناتجة عن الإعراض عن الله وعمَّا يقدِّمه ويعرضه لنا من الخير العظيم، ما فتحه من أبواب الرحمة الواسعة".
-
ضرب الإسلام في نفوس المسلمين
وبالنظر إلى نشاط العدو، سنجد أن توجهه لخلق هذه الحالة من التقليص للخير والخيِّرين، وبالتالي بواعث هذا الخير قد تَصدّر اهتمامه وأهدافه، انطلاقاً من كون ضرب المسلمين والسيطرة عليهم لن يكون إلا بمحو حضور تأثير الدين في نفوسهم، ثم لن يكون بعده لكثير من الثوابت أي حُرمة لديهم.
فعمل العدو على تآكل حضور الدين بقيمه ومبادئه وثوابته الأخلاقية في وجدان المسلمين، بحيث لا يصير بعدها فقط الاستخفاف والاستهانة هو سيد الموقف وسيد رد الفعل تجاه أي إساءة، وإنما تحوُّل واعتبار مظاهر الإسلام لدى الكثير من مظاهر التخلف والانشداد إلى الماضي.
وقد ركز الغزو الفكري للأمة على "تفتير" علاقة المسلم بالدين، لإدراكه بأن الإسلام لا يغض الطرف عن أفكار الأعداء القائمة على توظيف كل شيء لخدمة مشروعهم الإمبريالي في التحكم بالعالم والسيطرة على مواطن الثروات.
في حاصل الأحداث التي شهدتها العقود الماضية وكانت خلالها الأمة الإسلامية أكبر هدف للمخططات العدائية، كان الاشتغال على هذا الجانب حاضراً وبقوة من خلال المنظمات الأجنبية أو استقطاب المنظمات المحلية للعمل بالوكالة وتوجيهها إلى جملة من المشاريع الداعمة لمخطط استهداف الهوية والثقافة المنتمية إلى هذا الدين، كان سقف العمل مفتوحاً، ومنافذ الدعم تحفز بقوةٍ الكوادرَ المحلية لوضع تصورات جديدة من أجل استقطاب الشباب من الجنسين للانخراط ضمن موجة التحديث التي كانت تعني بالضرورة الانفصال عن الدين والاستغراق في المفاهيم الغربية بعد تقديمها كنماذج راقية للحداثة.
-
حياة منفلتة بلا كوابح أو ضوابط
على ضوء ذلك أصبح مألوفاً رؤية من يتعرض للتهكم والسخرية عند استشهاده بآية قرآنية أو شخصية إسلامية أو بملمح من التاريخ الإسلامي، بل وقد يتعرض هذا الشخص للازدراء، ليس من الداعم الغربي الشيطاني، وإنما من الوكيل المحلي، وهكذا، وصولاً إلى خلق بيئة تحمل اسم الإسلام لكنها تغترب بسلوكها عنه، وفي بعض النماذج العربية تجد هذه الثقافة الإسلامية قد أصبحت عبئاً يجري التخلص منه من خلال إحلال ثقافة حياة منفلتة بلا كوابح أو ضوابط، تكرس عُقدة الشعور بالنقص أمام النموذج الغربي.
في هذه النماذج ما يُظهر حقيقة هذا الاشتغال، حيث تحضر فيه كل تفاصيل الثقافة البديلة، وتتلاشى الثقافة المحلية المرتبطة بالدين، وعلى إثر ذلك تظهر المنافسة بين المنظمات المحلية على من يقدم أفكاراً لمشاريع حداثية أكثر تأثيراً وجاذبية، لا يغيب عنها فقط أي مظاهر الانتماء للهوية الإسلامية، وإنما تتضمن -في الوقت ذاته- أفكاراً جديدة لتأكيد هذا التحول، بحيث يصير جزءاً أصيلاً من ثقافة المسلمين.
-
بين منسلخة ومهتزّة وثابتة
وكناتج لهذه الهجمة وتحويل أبناء الأمة إلى معاول لهدم الدين، صار واقع الأمة مرهوناً بأمزجة متضاربة بين ثلاث فئات: فئة منسلخة عن دينها وثقافتها يستهويها باستمرار جَلْدُ الذات واحتقارها مقابل إعطاء النموذج الغربي الأفضلية، وفئة دخلت مرحلة الاهتزاز والاضطراب أمام المفاهيم الغازية، وفئة قليلة ما تزال قابضةً على هويتها.
على أن المشكلة الأبرز تتمثل لدى المنسلخين، إذ إن حالة الانسلاخ وصلت بهم إلى حد الشلل عن إدراك حقيقة الوهم الكامن في تفاصيل الثقافة البديلة الغازية، وبالتالي تهيُّب انتقاد وضعية التباين الماثلة بين الشعارات والسلوك، فالعناوين التي مثلت واجهة الغزو الثقافي، ورفعت من شأن حقوق الإنسان، وسمَت بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأكدت رفض الاعتداء على الآخر، تحولت كلها إلى مجرد محاور لورش عمل مع التمحور حول المنطقة العربية كنموذج قياس لهذه العناوين والمفاهيم.
وحين كانت قوى الغطرسة تمنح نفسها الحق في إعادة رسم وهيكلة واقع الأمة وتحديد مستقبلها ولو بالنار، كان المخدوعون بالفكر الغربي يوجهون جهدهم للبحث في صياغات تبريرية تزيد من سحق الذات والانتصار لأهداف الغازي.
-
تقليص الصلاح وفصل المجتمع عن الدين
دائماً ما كانت هزيمة النفسية العربية الإسلامية هدفاً عالي المستوى لمخططات الغرب الإمبريالي، فكرست الشعور بالفارق بين واقع العرب وواقع دول الغرب، وكان الدفع ببعض مفكري المنطقة إلى تكرار الخوض في هذا الأمر بأشكال مختلفة محاولةً ناجعة لتثبيت القناعة في هذا الاتجاه، حتى شهدت فترات من التاريخ العربي حالة من عدم الرضى داخلية، ورغبة جامحة للهجرة إلى الغرب، كل هذه المظاهر مثلت بعد ذلك بيئة خصبة لتمرير الأفكار الغربية التي تخلق حالة انفصال بين المجتمع والمُثل الراقية التي يقوم عليها الإسلام.
تقليص الصلاح والإيمان وتقليص المتفاعلين مع الأعمال الصالحة الذي لفت إليه السيد القائد، ومحاولتهم إطفاء نور الله بأفواههم، يلخص وضعاً قائماً ومخططاً عدائياً لمستقبل الأمة، ولما يصير شهر رمضان المبارك بمنزلته العظيمة وحجم ما يشمله من خير في نفوس البعض، أشبه بالمتغير المناخي الذي يتطلب وضعه في الحسبان فقط، وليس التجهيز له باعتباره فرصة ثمينة لمراكمة الرصيد من الخير، فإن الأمر يشير إلى تراجع خطير عن تقديس المناسبات الدينية، وبالتالي مؤشر على المستوى الذي وصلته عملية الترويض وتهجير المسلمين من إسلامهم.
ومع بلوغ الحال حداً صار فيه المتماهون مع توجهات الأعداء أتباعاً لإرادتهم، فقدت الأمة الكثير على مستوى الحقوق والمكانة، وابتلع الأعداء الأراضي العربية، وسيطروا على دول النفط، واستباحوا دماء العرب والمسلمين.





.jpg)

