مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

جميل المقرمي
اليوم، وأنا أشاهد الحشود المليونية التي خرجت في إيران لإحياء يوم القدس العالمي رغم القصف والعدوان، توقفت طويلًا أمام هذا المشهد الذي لا يراه البعض إلا حدثًا عابرًا، بينما هو في الحقيقة رسالة استراتيجية عميقة لكل من يفهم سنن الصراع ويقرأ الواقع بعين على الأحداث وبعين على القرآن.

ففي تلك اللحظة لم تكن المسألة مُجَـرّد تجمع جماهيري، بل كانت صورة حية لمعنى الآية الكريمة: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

فحين تقف الشعوب في الميدان تتحول الإرادَة إلى قوة، ويتحول الصمود إلى سلاح يفوق في أثره كُـلّ ما يملكه العدوّ من عدة وعتاد.

والذي لفت انتباهي أكثر أن الرئيس الإيراني ووزراءه وكبار المسؤولين كانوا بين الناس بلا حواجز ولا مواكب، الدولة كلها تقف في صف واحد مع شعبها.

وهنا فقط يدرك المتأمل سر قوة الدول التي تصمد في وجه العواصف والغزاة والمحتلّين، فالدولة التي تقف قيادتها وسط شعبها تتحول إلى جبهة واحدة، أما الدولة التي تخاف شعبها وتختبئ خلف الأسوار فهي مهزومة قبل أن تبدأ المعركة.

هذا المشهد أعاد إلى ذهني صورة أُخرى شاهدناها في صنعاء عندما كان السيد محمد علي الحوثي يتجول في شوارع العاصمة على دراجته بين الناس بلا حراسة ولا بروتوكول، ويستقبل المبعوث الأممي في إحدى الشوارع المزدحمة وبين أهله وناسه.

حينها فهمنا أن سر الصمود لم يكن في الإمْكَانيات ولا في العدة والعتاد، بل في علاقة القيادة بالشعب، وفي إرادَة شعب قرّر أن يقاتل ويصبر ويصمد.

فاليمن الذي كان يوصف بأنه أضعف دولة في الشرق الأوسط، خُصُوصًا بعد أن قُسِّمَت وهيكلت جيوشه، وحُوِّلَت من جيوش يفترض بها أن تقف على الحدود لحماية سيادته إلى جيوش تتحصن وسط العاصمة وتتمترس فوق منازل المواطنين، وكيف دمّـرت أسلحة الدفاع الجوي تحت إشراف مجندة أمريكية في موقف مهين ومخزٍ.

ومع هذا وذاك استطاع أن يصمد في وجه أقسى عدوان وأشد حصار عرفه العصر الحديث، لا لشيء إلا لأن المعركة تحولت إلى معركة شعب كامل وليس مُجَـرّد معركة جيش أَو سلطة، وأن الشعب اليمني أدرك من خلال المشروع القرآني خطورة المشروع الأمريكي وسياسته الرامية إلى احتلال الأرض ونهب الثروات وانتهاك الأعراض وحرف بوصلة العداء.

هنا يتبادر إلى الذهن السؤال الكبير الذي يحاول كثيرون الهروب منه: هل مسؤولية تحرير فلسطين مسؤولية إيران وحدها أم مسؤولية الأُمَّــة كلها شعوبًا وأنظمة؟ كيف تحولت القضية التي كانت يومًا معيار الشرف والكرامة إلى ملف يُلقى على عاتق الآخرين، بينما يكتفي البعض بدور المتفرج أَو المشكك؟

والأغرب من ذلك أنني عندما فتحت صفحات كثير من الناشطين العرب وقنواتهم الإعلامية لم أجد لهذا المشهد الضخم ما يستحقه من اهتمام.

حشود بالملايين تحت القصف تمر كخبر عابر، بينما لو خرج واحد في المئة من هؤلاء ضد إيران لفتحت القنوات بثها المباشر، واستدعت المحللين السياسيين والعسكريين والأمنيين، وحتى محللي البول والبراز لتحويل الحدث إلى قضية كبرى.

عندها أدركت أن المشكلة ليست في غياب الحقيقة، بل في إرادَة تريد إخفاءها، فهناك آلة إعلامية تعرف جيِّدًا ماذا تبرز وماذا تخفي، ومتى تضخم الحدث ومتى تدفنه في زاوية صغيرة.

ومثل هذه اللحظات هي التي تكشف الحقائق وتفرز المواقف وتميز الخبيث من الطيب، فالمعركة في جوهرها ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وعي ومعركة إرادَة.

والقرآن يحدثنا بوضوح عن هذه السنن حين يقول: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.

فالنصر في نهاية المطاف ليس نتاج القوة المادية وحدها، بل ثمرة الصبر والثبات وصدق الموقف.

ولهذا فإن الشعوب التي تقرّر الوقوف في الميدان تستطيع أن تغير مسار التاريخ مهما كانت قوة العدوّ ومهما بلغت التحديات.

أما الذين أعمتهم مصالحهم وذنوبهم عن رؤية الحقائق فسيكتشفون متأخرين أن سنن الله لا تتغير، وأن التاريخ لا يرحم.

وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر