أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
كنَّا في المحاضرة الماضية وصلنا إلى دعاء نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وسؤله فيما سأله من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بعد أن بعثه بالرسالة، وكلَّفه بهذه المهمة المقدَّسة، بالرسالة إلى فرعون وقومه وبني إسرائيل، وفي مواجهة طغيان فرعون، كان في مقدِّمة ذلك الدعاء والسؤل: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}[طه:25]:
- تحدَّثنا عن أهمية هذا الجانب، في مقدِّمة ما يحتاجه الإنسان في المهام الكبرى، والمسؤوليات بكلها: حاجة الإنسان إلى سعة الصدر، وإلى التخلُّص من الضيق، وهو فيما سيواجهه، سواءً من جهة فرعون وقومه في البداية، وما يواجهه من بعد من جهة بني إسرائيل؛ بحاجة إلى سعة صدر بشكلٍ كبير، وقدرةٍ هائلةٍ على التَّحَمُّل النفسي.
- وتحدَّثنا أيضاً في المحاضرة الماضية عن أهمية هذا الجانب، وبالذات الكثير من المسؤوليات الحسَّاسة، التي يمكن أن يتورَّط الإنسان فيها في الظلم، إذا تعامل أو تصرف وفق الحالة النفسية لديه، بدافع ضيق النفس، ضيق الصدر، حالة الانفعال، والحِدَّة، والغضب، أو حالة الاستياء والحزن.
فالإنســان إذا أصبــح يتعامــل ويتصـرف وفـق الحالـة النفسيــة؛ فهـو:
- يتجاوز حالة الرشد والصواب.
- وقد يتورَّط أيضاً فيما هو ظلم.
- وأيضاً يؤثِّر هذا على قيمته الأخلاقية، مكانته الأخلاقية، وعلى علاقته بالناس من حوله.
لهذه المسألة تأثيراتها السلبية من جوانب متعدِّدة.
كُنَّا وصلنا إلى قوله: {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}[طه:26]، اليسر في ما سيقوم به من أعمال ومهام، في ظروف صعبة، ومعقَّدة، وعسيرة، وشديدة، يحتاج فيها إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وإلى رعايته وتيسيره، والله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو العظيم، الكريم، الرحيم، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، ييسِّر ما تعسَّر من الأمور، ويهيِّئ الانفراجات للإنسان في كل المضائق والشدائد؛ ولذلك الالتجاء إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" شيء مهم جدًّا، حتَّى حينما يتحرَّك الإنسان بهذا الأمل، بهذا الرجاء في الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في أداء مهامه ومسؤولياته، ولاسيَّما عندما يتحرَّك الإنسان في إطار مسؤوليات كبيرة وعظيمة ومهمة، كالمسؤوليات الجهادية في سبيل الله، والخدمة لعباد الله... وغير ذلك، الإنسان في كل الأحوال بحاجة إلى الالتجاء إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، أن ييسِّر له ما يتعسَّر من الأمور، ويخارجه في كل المضائق والشدائد.
{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي}[طه:27-28]، شبَّه صعوبة النطق ببعض الحروف، بالعقدة في اللسان، هذا تشبيه يعني، حين قال: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}[طه:27]، يقال: أنَّه كان ألثغ اللسان، ويواجه صعوبة في بعض الحروف في النطق بها.
هنا يظهر حرصه على أن يهبه الله القدرة العالية في الفصاحة والبلاغة؛ لأهمية ذلك في التبليغ، والتبيين، والإقناع، والتأثير، وإقامة الحُجَّة، يعني: المسألة لها أهمية فعلاً، القدرة البيانية، كلما كان الإنسان أقدر على التبيين والتوضيح، ويمتلك الفصاحة بشكلٍ أكبر في كلامه، في تعبيره؛ كلما كان لذلك التأثير الأكبر:
- على مستوى الإقناع.
- على مستوى إقامة الحُجَّة.
- على مستوى التفهيم.
- على مستوى خدمة القضية التي تسعى لخدمتها، في إبانة الحق، في إبانة المظلومية، في إبانة الحُجَّة... إلى غير ذلك.
هذا الجانب له أهمية كبيرة جدًّا.
في هذا العصر، من المهم جدًّا العناية بهذا الجانب:
- أولاً: بالالتجاء إلى الله، والاستعانة به.
- ثانياً: بالأخذ بالأسباب، في امتلاك القدرة التبيينية، سواءً في العمل التبليغي، والتثقيفي، والتعليمي، أو في الأنشطة الإعلامية، امتلاك القدرة البيانية في الإيضاح للحق، وفي إزهاق الباطل، وفي دحض الافتراءات والشبه، ودحض الأباطيل.
هذا مهم جدًّا في هذا العصر؛ لأنه ميدان أساس، بل هو الميدان الأول للصراع؛ ولهذا يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عن أعداء الإسلام، في مقدِّمتهم: أهل الكتاب: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}[الصف:8]، بالحرب الدعائية، بالشُّبه، بالدِّعايات، بأساليب الإضلال، ووسائل الإضلال، فهم يحاولون أن يطفئوا نور الله بها، فالسعي لامتلاك القدرة البيانية، وتوظيفها، وتفعيلها، وتشغيلها بشكلٍ كامل في خدمة الحق، هذا شيء مهم جدًّا.
البعض من الناس- مثلاً- فعلاً قد يمتلك القدرة البيانية، عنده قدرة في التعبير، ولكن البعض- ولسوء حاله، وسوء نفسه، وخبث نفسه- قد يوظِّف ذلك كلَّ التوظيف في خدمة الباطل، أو في الظلم للناس، أو في الإساءة بغير حقٍّ إلى عباد الله، وهذه حالة خطيرة جدًّا.
في هذا العصر، مع مسألة مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام... وغير ذلك، يجب أن يدرك الإنسان المسؤولية الأخلاقية والإيمانية والدينية، والمسؤولية في الجزاء والحساب والثواب من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، على الكلمة، على ما يقول الإنسان، على ما يعبِّر عنه، على تشغيل نعمة البيان فيما شغَّلها فيه، فيما وظَّفها له، لأي قضيةٍ خَدَمَت.
البعض من الناس يتحوَّل إلى همَّاز، لَمَّاز، مفترٍ، مسيء، يوظِّف حتَّى قدرته البيانية، التي قد يكون اكتسبها حتَّى من التعليم- يتخرَّج من كلية إعلامية- في خدمة الباطل، هذه مسألة خطيرة على الإنسان.
فعلى كُلٍّ، نجد هنا حرص نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" على أن يهبه الله القدرة العالية في الفصاحة والبلاغة؛ لأهمية ذلك في خدمة الحق، في تبليغ الرسالة الإلهية، في التبيين، في الإقناع، في التأثير، في إقامة الحُجَّة، وكما أشرنا: في هذا الزمن هذا جانب مهم.
{وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا}[طه:29-35]، وهنا يطلب أيضاً معاوناً، يطلب من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أن يجعل له وزيراً، يعني: معيناً يعينه في أداء هذه المهمة، ويسمَّى المعاون الذي له دور أساس في الإعانة، يسمَّى وزير؛ لأنه يحمل من الثقل الذي على الإنسان ما يخفِّف به عنه.
{وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا}[طه:29-35]؛ نظراً لحجم المهمة وتعقيداتها، يطلب موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" من الله أن يجعل له وزيراً، يعينه على التبليغ للرسالة، والقيام بالمهمة، ويحدِّد هذا الوزير وهو (هارون).
هارون هو الأخ الأكبر- كما في الروايات والتواريخ- لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وُلِدَ في مرحلة لم يكن فيها ذبح الأطفال من بني إسرائيل، من جهة فرعون قائماً في تلك المرحلة، يعني: لم يكن قد أمر فرعون في تلك المرحلة بذبح الأطفال، والبعض يقولون: أنَّه كان يأمر بالذبح في مواسم معيَّنة، ويعفيهم في مواسم أخرى.
هارون كان يمتاز بالفصاحة، في الآية الأخرى يقول موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ": {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا}[القصص:34]، كان يمتاز بالفصاحة، بالأمانة، باللياقة بهذا الدور، إضافةً إلى ما سيحظى به من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في إطار رعايته في نفس أداء المهمة، من هداية، من توفيق، من رعاية فيها البناء للنفس الإنسانية، الله يتدخَّل حتَّى في بناء النفوس، ولكن لا شك أنَّه كان على درجة عالية من مكارم الأخلاق، من اللياقة بهذا الدور؛ ولهذا طلب من الله أن يجعله معيناً له.
وقال: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}[طه:31]، يعني: اشدد به قوَّتي وأمري، يكون زيادة قوَّة لي، وعوناً حقيقياً لي؛ لأن البعض فعلاً يكونون عوناً بما تعنيه الكلمة، زيادة قوَّة، وعوناً فيما يقومون به من مهام، من أعمال، وهذه المهام الكبرى تتطلَّب هذا الدور، تتطلَّب هذا الدور في أن يكون هناك من يعين عوناً حقيقياً.
وطلب من الله أن يشركه في أمره، يعني: ليكون شريكاً معه في الرسالة، ومهمة التبليغ بها، والتنفيذ لمهامها العملية، وحجم مهمة موسى فعلاً يعني بشكل كبير جدًّا، ما يواجهه من تحدِّيات، من أعباء، من ضغوط.
ونجد كيف كان حرصه الكبير على خدمة الرسالة، وخدمة القضية التي يتحرَّك من أجلها، وكيف كان تجرُّده التام من كلِّ حالات الأنانية، والاعتبارات الشخصية، والحسابات الشخصية، كان متجرِّداً منها بشكلٍ تام، فكل همِّه هو ما يخدم الرسالة، ويخدم القضية التي يتحرَّك من أجلها، ليس عنده أي اعتبارات أو حسابات شخصية.
وهذا من أهمِّ المؤهِّلات الكبرى للمسؤوليات العظيمة، يعني: ليس فقط مستوى الرسالة والنبوَّة، بل بقيَّة المهام العملية ذات الأهمية الأخلاقية والدينية، وذات القيمة الإنسانية، هي بحاجة إلى أن يكون من يتحرَّك فيها متجرِّداً تماماً من الأنانيات، من الحسابات الشخصية، من الاعتبارات الشخصية، من تضخُّم الذات، وأن يكون متجرِّداً، همُّه بكله مُنْصَبّاً نحو ما يخدم تلك المهمة.
مثلاً: البعض من الناس حينما يرى المهمة مشرِّفة، وذات قيمة اعتبارية عالية، قد يكون تفكيره ألَّا يزاحمه أحد، وألَّا يظهر معه في الصورة أحد، يعني: في صورة الأمر، في واقع الحال، كشريك في المهمة، بل يعتبر ذلك من أكبر ما يمكن أن يستاء منه، ويتحسَّس منه، ويتعقَّد منه، ويحرص دائماً على أن يبرز شخصياً هو ولوحده- حصراً وقصراً- صاحب الإنجاز، صاحب الدور، صاحب المهمة، ولا يظهر أي شخص معه في ذلك، وهذا من الآفات التي تدخل على الناس في مقام المسؤوليات والأعمال، سواءً الأعمال في المسؤولية العامَّة، في المسؤوليات الجهادية... في مختلف المسؤوليات، تظهر هذه الآفة في كثيرٍ من الحالات، ويكون لها أثرها السلبي والسيء على العمل نفسه، على خدمة الأعمال والمهام، وما يفيد فيها بشكلٍ كبير جدًّا.
والبعض يصل بهم الحال إلى مستويات سيئة؛ نتيجةً لحالة الأنانية، والحسابات الشخصية، بما يضر بالعمل، ويضر على مستوى خدمة القضايا التي يعملون من أجلها؛ فيتحوَّل الاهتمام اهتمام شخصي، في إطار حسابات شخصية، واعتبارات شخصية، ثم تكون النتيجة هي: الخيانة، الخيانة للعمل، الخيانة للمسؤولية؛ حينما يتحوَّل اهتمام الإنسان مُنْصَبّاً نحو نفسه، ومتمحوراً حول ذاته وشخصه، ولم يعد يركِّز على خدمة القضية.
البعض أيضاً- هناك داء آخر- البعض قد يكون سليماً من حالة الغرور، وحالات هذه الحسابات (الحسابات الشخصية)، لكن قد تكون لديه تصوُّرات معيَّنة: أنَّ من مصلحة العمل أن يكون مستحوذاً بشكلٍ شخصي على كلِّ التفاصيل، وعلى أكبر قدرٍ من المهام والأعمال، بما يفوق قدراته، إمكاناته، ويحاول أن يستحوذ على كلِّ تفاصيل الأعمال والمهام؛ وهذا يجعله في الأخير مقصِّراً، يعني: يفوته الكثير، الإنسان لديه قدرات في مستوى محدود، إمكانات فيما يمتلكه على مستوى المؤهِّلات العملية، على مستوى معيَّن، فما يفوق قدراته، ما يفوق إمكاناته، ما يفوق طاقته، يخرج عن نطاق الاهتمام بشكلٍ إجباري، غير اختياري يعني، لغير اختياره تفوته الأشياء الكثيرة، لا يحيط بكثيرٍ من الأمور، ويحصل نقص، يحصل خلل في العمل نتيجةً لذلك، نتيجةً لذلك؛ بينما هو قد يكون في غاية الاهتمام، ويبذل قصارى جهده، ويبذل كل وسعه، ويتفانى في العمل؛ لكن مهما كان إخلاصه، مهما كان تفانيه، مهما كان اهتمامه، بالجهد الشخصي، والجهد الفردي، والاهتمام على المستوى الفردي، في نطاق مسؤولية كبيرة، وأعمال واسعة، وضغط عملي كبير؛ لا يدرك الكثير من الأمور، ويحصل خلل، ويحصل نقص، ويتحمَّل المسؤولية نتيجةً لذلك، وهذه الآفة تحصل في كثيرٍ من مجالات العمل.
ولهذا نجد هذا الدرس مهماً لكلِّ الحالات والاعتبارات المتفاوتة، موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" مع شرف الرسالة العظيم جدًّا، نجد أنَّ كلَّ همِّه كان ما يخدم الرسالة؛ ولهذا خرج عن كل الاعتبارات الشخصية، والحسابات الشخصية، إلى درجة أنَّه قال: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ}[القصص:34]، وهنا يقول: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي}[طه:29-30]، يقول: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}[طه:31-32]، فهو يتحدَّث ويطلب من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هذا السؤل العظيم؛ لما يخدم الرسالة، ويخدم القضية التي يتحرَّك من أجلها.
وهنا نجد أيضاً في تدبير الله الحكيم "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، حتَّى في المهام الرسالية، في تكامل الأدوار، يعني: دور في إطار دور، هارون "عَلَيْهِ السَّلَامُ" رسول من الله، ونبي، ولكن في إطار دورٍ مع موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وموسى دوره أكبر، يعني: هارون دوره في إطار موسى، وليس خارجاً عنه، ولا مستقلاً عنه، بمثابة وزيرٍ له، وهو- في نفس الوقت- رسول معه، وشريك في الأمر، في النبوَّة والرسالة معه، والمهمة في تفاصيلها المختلفة.
ونجد أيضاً أدواراً أخرى في هذه السنَّة الإلهية، وهذا التدبير الإلهي مع الرسل والأنبياء، في قصة نبي الله يحيى بن زكريا "عَلَيْهِمَا السَّلَام"، مع نبي الله ورسوله عيسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، قال عنه الله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ}[آل عمران:39]، حتَّى في البشارة لنبي الله زكريا "عَلَيْهِ السَّلَامُ": {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}[آل عمران:39]، {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} يعني: مصدِّقاً بعيسى، وتصديقه كان أيضاً في مستوى تأييد، ومساندة، ودعم معنوي، دعم في الساحة بين أوساط الناس، في الدعوة إلى الإيمان به، في الدعوة إلى نصرته، وهو نبي، ومعه هذا الدور المساند لرسول الله ونبيه عيسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ".
نجد مثالاً آخر أيضاً في قصة نبي الله ورسوله لوط "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وهو كذلك كان رسولاً ونبياً، ولكن في إطار دور إبراهيم، نبي الله وخليله ورسوله إبراهيم "عَلَيْهِ السَّلَامُ"؛ ولذلك كانت الملائكة تمرُّ من عند إبراهيم وتذهب إلى لوط في بعض الحالات، كما في نزولهم في قصة العذاب والهلاك، ويخبرون نبي الله إبراهيم أولاً، لوط كان من المؤمنين بإبراهيم، والمصدِّقين به، وأيضاً كان رسولاً ومرتبطاً به، يعني: لم تتغيَّر علاقته بإبراهيم كتابعٍ من أتباعه وأعوانه...إلخ.
هذا الدور- كما ذكرنا- هو في إطار سنَّة الله في تكامل الأدوار، في تكامل الأدوار، دورٌ في إطار دور، دورٌ مكمِّلٌ لدور، هذا على مستوى الرسالة والنبوَّة، في مقام كذلك مقامات الهداية في مستوياتها المختلفة.
ثم حينما نأتي إلى مستويات أخرى، مستويات المسؤوليات العامة، كذلك هي قائمة على تكامل الأدوار، على التعاون؛ لأنها مهام جماعية، تحتاج إلى حالة التعاون، بل وجدنا في قصة بني إسرائيل فيما بعد، أنَّ الله بعث منه اثني عشر نقيباً؛ ليكونوا أعواناً لموسى، لكن في مهام تنفيذية، ومهام عملية، وهذا الدور أيضاً بشكلٍ منظَّم يأتي في إطار التعاون للنهوض بالمهام والمسؤوليات الكبرى.
فعلى الإنسان أن يكون واعياً فيما يتعلَّق بالمسؤوليات والمهام، أنَّها قائمة على مبدأ تكامل الأدوار، وأنَّه لا يمكن للإنسان أن يستغني عن الآخرين، عن أدوارهم، أو أن يتصوَّر نفسه أنَّه سيكتفي بدوره ونفسه، فيحمل فكرة الاستحواذ على كلِّ الأعمال، على كلِّ المهام، والاستغناء عن الناس، مع الحرص على أن يتجرَّد الإنسان من كل حالات الأنانية، وكل آفات وأمراض وعلل التمحور حول الذات؛ لأنها حالة خطيرة جدًّا على الإنسان، تفتك بإيمانه، بعلاقته بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بشعوره بأنه عبد لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، تتحوَّل نفسه عنده إلى صنم، ثم ينطلق متمحوراً حولها في ما يؤثِّر على المهام، والأعمال، والاعتبارات الأخرى.
هذا درس مهم جدًّا يعني: درس عن أهمية التعاون في المهام والمسؤوليات الجماعية، والحذر أيضاً من تحمُّل ما لا يطاق من الأعباء كآفة أخرى، حرص، لكن غير واعي، حرص من يمتلك الثقة العالية بنفسه، وتنقصه الثقة بالآخرين، ثم يتصوَّر أنَّ الحل هو: أن يستحوذ على كل المهام والأعمال بما يفوق طاقته وقدرته.
هنا نجد- مثلاً- في ثمرة التعاون، عندما قال نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ": {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}[طه:32-34]، هنا نجد تعبيراً من أجمل التعابير، ومن أرقاها، فيما يتعلَّق بالمهام الرسالية، والمسؤوليات الرسالية، في أهدافها الأساسية، يعني: هو تحدَّث عنها في ثمرتها، ونتيجتها، وأهدافها المطلوبة، التي يسعى من أجلها.
كل المهام الرسالية هي تشدُّ الناس إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وحتَّى ما كان بصورة أعمال عبادية، كـ: فريضة الصلاة... وغيرها، أو التزامات إيمانية عملية: في معاملات... وغيرها، لها مؤدَّى يَشُدّ الإنسان إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يشهد على عظمة الله، على تنزيهه، على تقديسه؛ لأن شرع الله، وهديه، وتعليماته، كلها تشهد على تنزيهه، على عظمته، وكلها تشدُّ إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتربط الإنسان في مسيرة حياته بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ولذلك من المهم أن ندرك هذه الحقيقة، يعني: مهما كانت التفاصيل العملية التي ننشغل بها، لا ننفصل ذهنياً ولا نفسياً عن ثمرتها المفترضة، وأهدافها الحقيقية، التي تبقينا على صلة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": صلة التعظيم لله، التنزيه لله، التقديس لله، الشهادة بكمال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الذكر لله، الانشداد إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن هذا التعبير راقٍ جدًّا في ربط المهام العملية- في كل تفاصيلها- بالتعظيم والتقديس لله، والشد إلى الله، والتركيز على ذلك، مع الإكثار أيضاً فيما يتعلَّق بالذكر نفسه، الذكر نفسه، لكنه ذكر مرتبط بعمل، وتسبيح مرتبط بمهام عملية، وليس منفصلاً عنها، بل مرتبطاً بها، وهي أيضاً تجسيدٌ له، وكيف هذا الحرص على تحقيق هذه النتائج: {كَثِيرًا}[طه:33]، {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}[طه:33-34]، يعني: كثمرة من ثمار هذا التعاون، عندما أتعاون أنا وهو، تكون النتيجة أكبر، وتجلياتها أكثر.
{إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا}[طه: 35]، يعني: أنت العالم بحالنا، وما نواجهه من صعوبات، من تحدِّيات، من عوائق، من إشكالات... وغير ذلك، وأنت الذي لا تعيى في تدبير أحوالنا، وتيسير أمورنا، هنا اكتمل الدعاء.
وهناك أيضاً- مثلاً- في (سورة القصص) أيضاً، شكا إلى الله من مشكلة قد تكون عائقاً في مهمته الرسالية، تحتاج إلى حل، {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}[القصص:33]، يعني: ألَّا يتحمَّلوا عندما أصل إليهم لتبليغ الرسالة، وأن يبادروا إلى قتلي، دون أن يستمعوا منِّي حتَّى للرسالة، لإيصال الرسالة، وتبليغ الرسالة.
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا}[القصص:34]، يعني: ليكون معيناً، وظهيراً، ونصيراً، ومعاوناً، {يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}[القصص:34-35]، يعني: نقوِّيك، وندعمك به، {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}[القصص:35]، البشارة بالنصر والغلبة.
وهنا في سياق الآيات المباركة من (سورة طه)، عندما أكمل سؤله ودعاءه، أجابه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}[طه:36]، {سُؤْلَكَ}: ما سألت في هذا الدعاء، أي: أُجِيب دعاؤك، وأُعطِيت مطلوبك، يعني: كل هذه الطلبات:
- من شرح صدره.
- من تيسير أمره.
- من إعطائه درجة عالية جدًّا من البلاغة والفصاحة.
- وكذلك في أن يشرك الله معه أخاه هارون وزيراً، ورسولاً، ونبياً، ومعيناً.
كل هذا استجاب الله له فيه، وأعطاه إيَّاه.
وهنا نجد- كما ذكرنا- أهمية دور المعاونين الصادقين، الصالحين، المخلصين، الذائبين في المسؤولية، الذين يشكِّلون عوناً، عَضُداً، {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ}[القصص: 35]، يشكِّلون- فعلاً- عَضُداً بما تعنيه الكلمة.
وهذا يذكِّرنا أيضاً- في هذا السياق نفسه- بالحديث المشهور بين الأمة الإسلامية بـ (حديث المنزلة)، وهو قول رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عَلَيْهِ السَّلَامُ": ((أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، هذا النص متَّفق عليه، ومجمعٌ على صِحَّته بين مختلف المذاهب الإسلامية، وبين مختلف المحدِّثين من الأُمَّة الإسلامية، وهو حديثٌ مهم؛ لأنه:
- يبيِّن لنا أولاً الدور العظيم الذي قام به أمير المؤمنين عليٌّ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، في معاونة ومناصرة رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم".
- ويبين لنا المنزلة أيضاً، ومستوى هذا الدور، الذي استثنيت منه النبوَّة والرسالة، يعني: ليس نبياً، هارون كان أيضاً نبياً في مهمته مع موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"؛ أمَّا رسول الله محمد "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، فهو خاتم النبيين، وتمام عِدَّة المرسلين، يعني: ليس بعده رسول ونبي؛ ولذلك جاء الاستثناء في قوله: ((إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي)).
ثم نعود إلى سياق الآيات المباركة، بعد قوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}[طه:36]، وهذا دعم كبير، ونعمة كبيرة جدًّا، {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى}[طه:37-38]، يعني: منَّ الله عليه في هذه المرَّة بإعطائه هذا السؤل، ويذكِّره الله بمنَّةٍ سابقةٍ عليه، يعني: نعمة عظيمة منَّ الله بها عليه في طفولته، بعد مولده، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى كل الرعاية والحفظ.
{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى}[طه:37-40]، تحدَّثنا عن هذه الآيات المباركة إلى قوله: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ}[طه:40]، في محاضرات سابقة، {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ}[طه:40]، يعني: ما كان يمكن أن يناله بسبب تلك الحادثة، في مستوى العقوبة من جهة فرعون وقومه، وما يترتب على ذلك، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" نجَّاه، غفر له، وأخرجه من المشكلة، بتلك الطريقة التي هيَّأ له فيها الهجرة إلى مدين، والرعاية هناك.
{وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا}[طه:40]، يعني: أعدَّه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لتحمُّل الشدائد بما يعيشه من أوضاع صعبة، ومشاكل يمرُّ بها، وتجارب متنوعة، ساعدت في صياغته صياغةً يتحمَّل فيها كل أنواع الشدائد والصعوبات.
{ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى}[طه:40]، يعني: بتدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الله هو الذي هيَّأ عودة موسى في ذلك الوقت بالتحديد.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

.jpg)





