يحيى الربيعي
في الذروة التي تبلغ فيها الغطرسة الصهيونية أوجها، وتتجلى فيها ملامح الهجمة الاستعمارية بأبشع صورها، فإن الصراع اليوم تجاوز كونه نزاعاً حدودياً تقليدياً ليغدو حرب وجودية شاملة، فبينما يشن الكيان الصهيوني الأمريكي اعتداءات غادرة تطال الجمهورية الإسلامية في إيران، ولبنان، والعراق، يواصل في الوقت نفسه حرب الإبادة في فلسطين المحتلة؛ عبر إبادة جماعية وتجويع ممنهج وحصار خانق في قطاع غزة، إلى جانب حملات استيطانية وتهجيرية شرسة واعتقالات يومية في الضفة الغربية، وصولاً إلى الانتهاكات المتواصلة والتدنيس للمسجد الأقصى المبارك، قبلة المسلمين الأولى.
هذه الحرب لا تقف عند حدود النار والبارود، بل تمتد لتشمل غزواً فكرياً تقوده المنظومة الصهيونية العالمية عبر حروب ناعمة متعددة، تستخدم فيها ترسانة الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لتشويه صورة الإسلام، وتذويب هوية شباب الأمة، واستهداف قيمهم الإيمانية والوطنية، وفي خضم تصاعد وتيرة هذا العدوان العالمي الذي تقوده قوى الاستكبار، تبرز رؤية الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي في الدرس السابع من سلسلة "معرفة الله" كخارطة طريق إيمانية وعملية لتحرير الأمة من قيود الهيمنة، ليقدم هذا التقرير قراءة تحليلية في مضامين هذا الدرس وربطها بالواقع الراهن.
سلاح كسر الهيبة الزائفة
في قراءة معمقة لمضامين هذا الدرس، وربطها بواقع الأمة الذي تواجه فيه حرب استئصال شاملة تستهدف وجودها وهويتها ومقدساتها، يؤكد شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي أن المدخل الأساسي للمواجهة يبدأ من التمجيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى، فمعرفة الله بأسمائه الحسنى، كـ"القوي" و"العزيز" و"الجبار"، ليست مجرد طقوس لفظية، بل هي عملية بناء نفسي تهدف إلى نزع صفة "القوة المطلقة" عن أمريكا والكيان الصهيوني، ويشير شهيد القرآن إلى أن استشعار عظمة الله هو الكفيل بجعل تلك الطائرات التي تقصف مدننا، والجيوش التي تحاصر أهلنا، تبدو ضئيلة وعاجزة أمام قدرة الله المهيمن الذي يحيط بكل مكرهم.
ويشير شهيد القرآن في سياق تحليله إلى واقع الذلة التي أصابت بعض أنظمة الأمة، ولا سيما المطبعة منها، مؤكداً أن البحث عن "السلام" عند الأعداء لم يورث العرب والمسلمين إلا المزيد من المهانة وتجرؤ سلطات الاحتلال على دماء الأطفال والنساء في غزة ولبنان. ويشدّد في تشخيصه لهذا الوهن على أن السلام الحقيقي -كما يُستفاد من اسم الله "السلام"- لا يتحقق بالخضوع للمنظومة الصهيونية، بل يتحقق بامتلاك أسباب القوة والمنعة، والارتباط بمصدر السلام الحقيقي الذي يمنح المؤمنين السكينة في الميدان والنصر في العاقبة.
من الميدان العسكري إلى الحرب الناعمة
وفي بيان حقيقة أن الهيمنة الصهيو-أمريكية، التي تحاول اليوم فرض إرادتها عبر التجويع في غزة والعدوان على إيران وحزب الله في لبنان والمقاومة في العراق، ما هي إلا هيمنة زائفة" تتهاوى أمام معرفة الله، ينطلق الشهيد القائد من قاعدة أن معرفة الله وسيلة لترسيخ الثقة المطلقة به، معتبراً أن التمجيد والتعظيم لله من خلال كماله المطلق هو السلاح الأقوى في مواجهة التحديات. ففي الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني فرض أنفسهم كآلهة مادية تتحكم بمصير الشعوب، يأتي التذكير بأسماء الله (الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر) ليعيد صياغة الوعي الجمعي بأن القوة الحقيقية ليست في الترسانة العسكرية، وإنما في الارتباط بالقوي العزيز الذي بيده ملكوت كل شيء.
ويرسخ الشهيد القائد حقيقة أن الإنسان لا يكون قوياً إلا حينما يعتصم بالله، وأن مواجهة الحروب الناعمة التي تستهدف تذويب الأجيال تبدأ من تعزيز الارتباط بعظمة الخالق؛ فهو "الخالق البارئ المصور" الذي لم يخلق هذه الأمة لتستعبدها حفنة من شذاذ الآفاق، بل خلقها لتكون شاهدة بالحق ومنطلقة في آفاق العزة والكرامة.
وعلى مسرح واقع الأمة، تتجاوز الهجمة التي تتعرض لها اليوم حدود الصراعات السياسية التقليدية لتستقر في عمق "حرب استئصال" عقائدية، وهو ما أكده الشهيد القائد في رؤيته القرآنية حول طبيعة الصراع. واليوم، تبرز الشواهد المادية واللفظية من قادة "الاستكبار" لتؤكد أن المعركة تستهدف الوجود الإسلامي في جوهره.
ويمثل اختيار "بيت هيغسيث" وزيراً للدفاع في الإدارة الأمريكية قمة "جبل الجليد" في التحالف الصليبي الصهيوني. فهيغسيث، الذي يحمل وشماً لصليب "بيت المقدس" (شعار الحروب الصليبية)، صرّح علانية في مؤتمر بالقدس المحتلة عام 2018 قائلاً: "لا يوجد سبب يمنع من إعادة بناء الهيكل على جبل الهيكل (المسجد الأقصى).. إن إقامة السيادة اليهودية هي معجزة حقيقية". هذا التصريح ليس مجرد رأي سياسي، بل هو إعلان عن معركة تستهدف أقدس مقدسات المسلمين، وتؤكد رؤية الإدارة الأمريكية كذراع عسكري لتنفيذ "نبوءات" صهيونية مزيفة.
وفي سياق متصل، تتناغم تصريحات قادة الكيان الصهيوني مع هذا التوجه الاستئصالي، حيث صرّح "وزير المالية" في "حكومة" الاحتلال "بتسلئيل سموتريتش" في باريس عام 2023 قائلاً: "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني، هذا المفهوم تم اختراعه لمواجهة الحركة الصهيونية". هذا النفي الوجودي يمتد ليشمل الأرض والهوية، حيث دعا علانية إلى محو مدن فلسطينية كاملة، كما في تصريحه الشهير حول بلدة حوارة: "يجب محو قرية حوارة، وأعتقد أن على إسرائيل فعل ذلك".
كما يبرز الحاخام الصهيوني "إسحاق شابيرا" في كتابه "توراة الملك"، الذي يمثل مرجعاً للعديد من جنود العدو، حيث يفتي بـ "جواز قتل الأغيار (غير اليهود) بما في ذلك الأطفال إذا كانوا يشكلون خطراً مستقبلياً على الكيان".
هذه التصريحات تثبت أن الأمة تواجه تحالفاً يمزج بين التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتطورة وبين الأيديولوجيا الصهيونية الاستئصالية. وما أسماه الشهيد القائد ب"الحرب الناعمة" يتكامل مع هذه التصريحات عبر محاولة كسر الروح المعنوية وتطبيع الهزيمة. إلا أن المنهج القرآني الذي يرسّخ أن الله هو "العزيز" و"الجبار" و"المهيمن" يقدّم الرد الحاسم؛ فمهما بلغت تصريحات هيغسيث أو سموتريتش من الغطرسة، فإنها تظل محكومة بسنن الله التي تقصم ظهور الطغاة.
وهذا ما يحتم على الأمة مواجهة وفضح ألاعيب السياسات الاستعمارية، تأكيداً على أن الصراع قائم وحتمي بين قيم الهداية والرحمة الإلهية من جهة، وقيم الاستكبار والتوحش الصهيوني من جهة أخرى، ولا سيما أننا أمام قوى عدوانية تستخدم "الحرب الناعمة" لضرب الأمة من الداخل عبر نشر الخوف والذلة، وهو ما حذر منه الشهيد القائد بقوله إن ما ضرب المسلمين كباراً وصغاراً هو "الخوف" من الأعداء بدلاً من خشية الله، معتبراً أن السلام الذي يبحث عنه العرب عند أعدائهم لم يورثهم إلا الضياع والمهانة، لأن السلام الحقيقي لا يُطلب إلا من "السلام" سبحانه وتعالى، وبامتلاك المنعة والقوة.
تنزيه الله وهيمنته على الطواغيت:
ويشير الشهيد القائد إلى أن اسم الله "القدوس" ينزّه الخالق عن الظلم والعبث، ما يضع الأمة أمام مسؤولية التحرك وفق سنن الله العادلة. وفي مقابل "الهيمنة" الأمريكية الزائفة، يبرز اسم الله "المهيمن" كحقيقة مطلقة تعني إحاطة الله بكل تحركات الأعداء ومؤامراتهم، وفشل تدابيرهم أمام إرادته. إن الله الذي "برأ وصوّر" هذا الكون بدقة متناهية، لم يترك الإنسان سدى أمام الطغاة، بل جعل طريق العزة في العبودية له وحده.
وختاماً، فإن التركيز على أهمية عبادة "الثناء والتمجيد" التي أكد عليها الشهيد القائد، فيه دلالة واضحة على أنها "بناء نفسي" يصنع الإنسان القوي الذي لا يهتز أمام التهديدات اللوجستية أو العسكرية. بل إن استحضار عظمة الله في واقع الصراع هو الكفيل بتحويل الأمة من حالة الاستضعاف إلى حالة الاستعلاء بالإيمان، لتقف سداً منيعاً أمام الهجمة الصهيو-أمريكية التي تستهدف استئصال دينها ودنياها.


.png)



.jpg)
