محمد نبيل اليوسفي
ما بين صفحات الماضي وزمن كشف الحقائق، تبرز الحقيقةُ ليست كمُجَـرّد قراءة تكتيكية عابرة يصعب تفسيرها على مدى التاريخ، وإنما هي أيديولوجيةٌ متكاملة من الدلائل والبراهين القادرة على تشخيص المرض بدقة، وإنتاج الخطة العلاجية، ثم إعادة مسار البُوصلة باتّجاه الحقيقة المبهمة، سليمة المنطق والامتداد؛ لم تأتِ بجديد، وإنما جاءت تعاني من الجديد نفسه.
الجديد الذي لطالما مرّ بالإسلام عبر منعطفات تاريخية حاسمة، ثمارُها الظلم والضلال وتزييف الحقائق الدينية والعلمية، المُندرجة تحت مسميات عدة، منها: "أطِعْ الأمير ولو كان ظالمًا وأخذ مالك"، أَو "اختلاف أمتي رحمة"، وغيرها من العقائد الثقافية المغلوطة التي لم تُشكّل نتائجها بين أوساط الأُمَّــة سوى التخاذل والانبطاح، والتخلي عن الدين والمقدسات، وإصدار الإدانة والشجب فقط.
إنها ليست حربًا على حدود، هي في أصلها معركة وجود وهُوية، ودسّ نعرات طائفية لا تُسيطر في الحروب العسكرية بمثل سيطرتها على العقول، حَيثُ أثقلت كاهل هذه الأُمَّــة بخلافات وآراء وتباينات وصراعات، أنتجتها هندسة خَاصَّة لا تعتنق دين الإسلام، بل تسعى للفتك به وتهيئة الساحة.
يديرها نظام "بيروقراطي" يهودي مكتمل الأركان، منح الحركات الوهَّـابية على مستوى الأُمَّــة أيديولوجية متكاملة من الولاءات والأفكار المنحازة كليًّا عن "القرآن الكريم".
حريصة كُـلّ الحرص على تقديم "الوهَّـابية" باسم الدين والإسلام، مما كبّل شعوبَ هذه الأُمَّــة، وجعلها مُجَـرّد كيانات متناحرة متفرقة، عاجزة عن الاعتصام بالله ومناصرة القضايا العادلة، وصناعة قراراتها السيادية بنفسها من صميم الثقافة القرآنية والعقيدة الدينية، الجديرة بأن ترفع من مستواها العلمي في مجالات عدة، مثل: الصناعة، والتجارة، والابتكار، من عمق إدارتها الذاتية؛ لكنها أصبحت أُمَّـة متخمة بالانحطاط، نتاج تركيبة دامغة ومعقدة تمكّنت من إعادة هيكلة تاريخها، وانتزاع مضمونها الديني، والاستحواذ عليها دون مقابل.
علماء وأنظمة: ضحيتُها شعوب الأُمَّــة
بدلًا من أن تُقدّم للأُمَّـة الحقيقة بمضمونها الذي لا يتنافى مع القرآن، قُدّم لها الفساد والضلال كمنهج حياة بعناوين "الدين" و"الحضارة".
وها هي باتت الأُمَّــة مُجَـرّد نسخة شكلية من الإسلام فقط، لا تمتلك أدنى من مشاريع الحضارة والبناء، سوى كونها تنتهج ثقافات الاتباع بركاب الغرب وقاداته.
الأعمق من ذلك أنها لم تعد تُستهدف شعوب الأُمَّــة لمُجَـرّد فصلها عن الله فحسب، إنها في الأَسَاس لإعادة هندسة أراضيها بشكل قطاعات استهلاكية، تُنفق ميزانيات ثرواتها الاقتصادية في مزادات الأسواق العالمية الخاضعة إدارتها تحت وطأة "الإمبريالية الرأسمالية" الصهيوأمريكية على مستوى العالم.
إنها غُدّة سرطانية تنخر في قلب هذه الأُمَّــة، ولها تبعاتها الخطيرة عليها منذ ولادة الإسلام.
لا يمكن فك عُراها بالخضوع والتواطؤ، بل بالإقدام على امتلاك القوة وبنائها من جوف العقيدة والانتماء، كونهما من يصنعان معادلة الردع من موقع القوة والإرادَة، لا من زوايا الذل والفتور.
حيث ما يجب أن تدركه شعوب الأُمَّــة، في ظل صراع وجود وهُوية يستهدف قواعد الدين، لا تشكيلات الأنظمة والحكومات فحسب، إنه حتمًا يمضي بها نحو الهاوية ما لا يُعقل؛ فأمة تملك بين يديها كتاب هداية، أُكملت فيه حجّـة الله، وبُلّغت به الرسالة، فهو كافٍ لأن ينهض بها إلى قيادة العالم، لا إعادتها إلى الأمية العمياء ما قبل الإسلام.
ولا يمكن للأُمَّـة أن تحظى بكرامة الدين والسمو وعظمة الرفعة إلا بالاستجابة العملية لله، والجهاد في سبيله، والثبات على الحق الذي لا يُهزم، أَو تنتهي أفكاره أمام أعتى القوى وفلسفة "الإمبراطوريات" على مر العصور.
الثقة بالله هي من تصنع النصر، وهذه ضمانة إلهية حتمية رسم بها اللهُ في محكم كتابه الكريم للأُمَّـة خارطة طريق للنجاة والتحرّر من هيمنة الطغاة على مر التاريخ.
وبمثل ما كانت معجزة الله في عصا موسى قادرة على فلق البحر، كُـلّ فِرْقٍ كالطود العظيم، والنجاة بموسى وقومه، وإغراق فرعون وجنوده، فالله متى ما أعادت الأُمَّــة ضبط نفسها كما ينبغي، فهو قادر أن يُجدّد التأييد نفسه، كون تأييده لا يُقاس بحجم معدات القوى العسكرية أَو الجيوش النظامية، بل بقدر الإعداد في سبيله، والثبات على الموقف الحق، والثقة به، يتجلى تأييده الإلهي، وهو القوي العزيز الغالب على أمره.
وها نحن نرى اليوم محور المقاومة منظومة مترابطة، حَيثُ تُدار فيها القدرات السياسية والعسكرية والأمنية من صُلب عقيدة واحدة، هي عقيدة القرآن والجهاد في سبيل الله، لا عقيدة القبول بمعادلة الاستباحة أَو الاستسلام، ولقد تجلت فيهم معجزات الله في أرضه بالنصر والتمكين والنيل من الأعداء بكل عنفوان.
وهي قاعدة ثابتة وحتمية إلهية، لا تترتب مواقفها ووحدتها في كُـلّ عصر إلا بعقيدة واحدة لا انفصام عنها، عقيدة "القرآن"، والتمسك بقرنائه، ومناصرة القضايا العادلة مهما بلغت التضحيات ومرارة الألم.
إذن.. فكرة الحق لا تنتهي بمرور الزمن، ولا تموت بموت "الأنبياء" و"الأعلام"، أَو بمُجَـرّد هيمنة الطغاة وعلماء الضلال، بل يتجدد الحق في كُـلّ مرحلة بقدوم هداة جدد، يُقوّمون الثورات، ويسحقون الطغاة، ويتلون على الناس الحق، ويفككون عقد الضلال، ويعرّون المضللين.
لربما تكون المرحلة معقّدة على الآخرين، إلا أنها أمام الحق ليست كذلك؛ ينتهي الباطل من اكتمال جبروته، فيبدأ الحق باستئناف معجزاته، ليست صدفة، إنه موعدٌ إلهي.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ الأنبياء: 18




.png)
.png)

