براق المنبهي
ليست كُـلّ الحروب تُقاسُ بعدد الصواريخ أَو بحجم الدمار المباشر، فبعض الحروب تُقاس بمدى ما تكشفه من هشاشة المشاريع الكبرى التي حكمت المنطقة لعقود.
وما يجري اليوم ليس مُجَـرّد تصعيد عسكري عابر، بل لحظة تاريخية تتعرى فيها سردية القوة الأمريكية والإسرائيلية أمام واقع إقليمي مختلف، أكثر تعقيدًا، وأكثر استعدادا للمواجهة.
حين خرج دونالد ترامب ليقول إن «حضارة بأكملها ستموت الليلة»، بدا الخطاب أقرب إلى صرخة إمبراطورية مأزومة منه إلى بيان رئيس دولة عظمى.
هذه العبارة لا تختزل مُجَـرّد تهديد لطهران، بل تكشف عمق الأزمة داخل العقل السياسي الأمريكي نفسه، فأمريكا، التي نصّبت نفسها لعقود وصية على أمن العالم وموازين المنطقة، تبدو اليوم أسيرة خيارات ضيقة، بين تراجع يفضح الهزيمة، أَو اندفاع قد يشعل الشرق الأوسط بأسره.
إنها لحظة انكشاف كبرى.
واشنطن.. من إدارة الأزمات إلى صناعتها
لأكثر من نصف قرن، قامت الاستراتيجية الأمريكية في غرب آسيا على مبدأ إدارة التوتر لا إنهائه، كُـلّ أزمة كانت فرصة لإعادة توزيع النفوذ، وكل حرب كانت وسيلة لتثبيت الهيمنة، وكل حليف كان أدَاة في مشروع أوسع يتجاوز حدود الدول نفسها.
من العراق إلى سوريا، ومن فلسطين إلى الخليج، لم تكن واشنطن وسيطًا نزيهًا، وإنما هي طرف فاعل في هندسة الخرائط السياسية والعسكرية بما يخدم مصالحها ومصالح كَيان الاحتلال، واليوم، بعد كُـلّ هذه السنوات، يبدو أن الآلة نفسها بدأت ترتد على صانعها.
فما كان يُراد له أن يكون حرب ضغط محدودة، يتحول شيئًا فشيئًا إلى مواجهة مفتوحة مع محور إقليمي يملك أدوات تعطيل حقيقية.
كَيان الاحتلال.. المشروع الذي يعيش على الحروب
لا يمكن قراءة هذا المشهد بعيدًا عن الدور الإسرائيلي، كَيان الاحتلال كانَ، ولا يزال، المستفيد والخاسر الأول من بقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم، فكل حرب جديدة تمنحها فرصة لإعادة إنتاج خطاب التهديد الوجودي، وتبرير مزيد من التوسع العسكري والأمني ولكن في هذه المرحلة تجلت بالانعكاسية.
لكن ما تغير اليوم هو أن الجبهة لم تعد واحدة، كَيان الاحتلال الغاصب الذي اعتاد أن يكون صاحب اليد الطولى في إدارة الضربات، بات أمام محور يمتد جغرافيًّا وعسكريًّا من إيران إلى اليمن ولبنان
وهذا ما يجعل أي تصعيد جديد مقامرة غير مضمونة النتائج.
العرب في دائرة النار.. ثمن الاصطفاف
في قلب هذا المشهد، تقف بعض العواصم العربية أمام امتحان تاريخي، لقد اختارت أن تكون جزءًا من المنظومة الأمريكية، سياسيًّا وأمنيًّا ولوجستيًّا، على أمل أن يضمن ذلك الحماية والاستقرار، لكن الواقع اليوم يثبت عكس ذلك، فالمنطقة كلها تدفع ثمن الارتهان لقرار خارجي لا يضع مصلحة الشعوب في أولوياته.
الموانئ، شبكات الطاقة، الممرات البحرية، وحتى الأمن اليومي للمواطنين، كلها أصبحت ضمن بنك الأهداف المحتملة في حال توسع المواجهة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يستمر هذا الاصطفاف، بينما النار تقترب من الداخل؟
باب المندب وهرمز.. شرايين العالم تحت الضغط
هنا يدخل العامل الأخطر في المعادلة الجغرافيا، فالقوة في هذه الحرب لم تعد فقط في الصواريخ والطائرات، بل في القدرة على التحكم بالممرات التي يتنفس منها العالم اقتصاديًّا.
من مضيق هرمز إلى باب المندب، يمتلك محور المقاومة أوراقا قادرة على نقل كلفة الحرب من الإقليم إلى الأسواق العالمية، أي تعطيل كبير وجري في هذه الممرات لا يهدّد المنطقة فقط، بل يهدّد الاقتصاد الدولي، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمدَاد، وهذا ما يمنح المحور ثقلًا ونصرًا استراتيجيًّا يتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر.
من طهران إلى صنعاء.. محور يفرض منطقه
المشهد اليوم يوضح أن المحور لا يتحَرّك بمنطق الانفعال، بل بمنطق الردع المتدرج، من طهران التي تمسك بمفاتيح الطاقة، إلى صنعاء التي تلوح بورقة البحر،
تتبلور معادلة تقول إن الحرب لن تكون بلا ثمن.
كل ضربة ستقابلها ضربة، وكل تصعيد سيولد مساحة أوسع للاشتعال.
وهذا ما يضع واشنطن وكَيان الاحتلال أمام مأزق استراتيجي حقيقي.
الساعات القادمة.. ما بين التراجع والانفجار
نحن أمام ساعات حاسمة بكل معنى الكلمة.
إما أن تتراجع واشنطن بخطاب يحفظ ما تبقى من هيبتها، وإما أن تختار المقامرة الأخيرة.
لكن هذه المقامرة، إن حدثت، قد لا تظل محصورة في حدود إيران أَو الخليج.
بل قد تمتد إلى البحر الأحمر، وأسواق النفط، وعواصم المنطقة بأسرها.
إنها ليست مُجَـرّد حرب، لحظة قد تعيد تعريف شكل النفوذ الأمريكي والإسرائيلي لعقود قادمة.


.jpg)
.jpg)

.png)

.jpg)