مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

حسين بن محمد المهدي
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.

من سنن الله الجارية في عباده أن الرجال لا تُقاس منازلهم بكثرة المال ولا بجاه السلطان، وإنما تُقاس بما يحملونه من علم، وما يقدمونه من عمل، وما يثبتون عليه من حق، وما يتركونه للأُمَّـة من أثر صالح.

فمن جمع العلم إلى العمل، والشجاعة إلى التقوى، والإخلاص إلى البصيرة، بقي ذكره حيًّا في ضمير الأجيال، وإن غاب جسده عن الدنيا.

أما من اتخذ القوة سبيلًا للظلم، والسلطان وسيلة للاستعلاء، فإن أيامَه إلى انقضاء، وإن طال به الأمد، مصداقًا لقولِه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.

​إن التاريخَ الإنسانيَّ لا يخلّدُ إلا العظماء الذين سما شأنُهم بفضلهم، ومروءتِهم، وعلمهم، وحسن سيرتهم.

وفي المقابل، يطوي النسيانُ – أَو يلاحقُ الخزي – أُولئك الذين استعلوا بنقصِهم ودناءتهم وتجبرهم.

ومن أُولئك الأعلام الفواطم الذين صاغوا بدمائهم وعلمِهم مناراتِ الهدى، يبرز الإمام الولي التقي الفذ الألمعي، زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)؛ الإمام المجتهد الذي تجسدت فيه فصاحةُ جَدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشجاعة وبلاغة جَدِّه أمير المؤمنين علي، فكان أفضلَ أهل زمانه خِصالًا، وأجمعهم لشرائط الكلام، ووارث علوم آبائه الأكرمين.

يا إمامَ الهدى سَمَوْتَ مقامًا ** ليس يُدنى إليه إلا الأوفياءُ

وأقمتَ الكتابَ عدلًا وحقًّا ** حين مالت عن الهدى الأهواءُ

لم تُرِدْ مُلكَهم ولكنْ قيامًا ** بدينِ الله؛ إذ طغى الجُهَلاءُ

واشتريتَ الخلودَ بالنفسِ لما ** باعَ قومٌ هداهمُ الإغراء

أنتَ زيدُ العُلى، وفيكَ تجلَّتْ ** شِيمُ قومٍ سمتْ بهمُ الآباءُ

من بَني المصطفى الذين عليهم ** أنزلَ اللهُ طُهرَه والثناءُ

كم أقمتَ المعروفَ سيفًا وقولًا ** فانثنتْ عند بأسِكَ البغضاءُ

وسَقَيْتَ الزمانَ درسًا بليغًا ** ما محاهُ التعاقبُ والإبطاءُ

فسلامٌ عليكَ ما لاحَ بدرٌ ** وتعاقبتِ الأنجمُ الوضَّاءُ

 

​الإمام زيد: أُستاذ الأئمة وجامع العلوم

​لم يكن الإمام زيد بن علي إمامًا للزيدية فحسب، وإنما كان نبعًا استقت منه الأُمَّــة بمختلف مذاهبها؛ فالقراءة الفاحصة لكتب السير والحديث تكشف عن سلسلة ذهبية تربط أئمة المذاهب الإسلامية وعلماء الحديث النبوي الشريف بعلمه، حَيثُ يتصل إسناد التلمذة الفقهية والحديثية صعودًا من الترمذي ومسلم والبخاري، مُرورًا بأحمد بن حنبل والشافعي ومالك والشيباني، وُصُـولًا إلى الإمام أبي حنيفة النعمان الذي تتلمذ مباشرة على يد الإمام زيد بن علي.

​وقد أخذ الإمام زيد علمَه الشامخ عن أبيه الإمام زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الإمام الحسين شهيد كربلاء، عن أبيه الإمام علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لذا، فهو إمامٌ لعلماء الشريعة قاطبة، وفارسُ أهل النبوة الذي اختصه الله بحفظ العلوم الإسلامية وروايتها للخاص والعام.

​في زمنٍ غرق فيه رأسُ السلطة الأموية، هشام بن عبد الملك، في غرور السلطان، والتجبر بالأحكام، والاستخفاف بأهل بيت النبوة والعلماء، وتضييع السنن والأحكام؛ لم يجد الإمامُ زيد بُدًّا من رفع راية القرآن الكريم، وتجسيد قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

​خرج الإمام زيد مواجهًا جيوش البغي والظلم بعزيمة الأتقياء الصالحين الذين وهبوا حياتَهم لإعلاء كلمة الله وإصلاح شؤون الأُمَّــة ورفع الظلم عنها.

ورغم استشهاده وفوزه بكرامة الشهادة مستبشرًا، إلا أن ثورتَه أحيت معالمَ الحق؛ فلم تمر خمسَ عشرةَ سنةً على شهادته حتى صارت الدولة الأموية أثرًا بعد عين، تصديقًا لقوله تعالى:

​{وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} (الكهف: 59).

​عواقب الظلم ووَحدة البيت النبوي

​إن عواقب الظلم وخيمة، ومن غالب الله غُلب.

وإن التأمل في سيرة أهل بيت النبوة يوضح للكافة أن الدين الإسلامي نشأ وترعرع في بيتهم، وقامت قناة هذا الدين بسيوفهم وسيوف المهاجرين والأنصار لوضوح حجتهم ونقاء سريرتهم.

​أما من رفض بيعتَه من الغُلاة وفارقوا منهجَه، فهم الذين أطلق عليهم وصفُ "الرافضة" حين قال لهم: "اذهبوا فأنتم الرافضة"، وهم الذين تخلوا عن نُصرة الحق وخرجوا عن طاعته، وظلوا يرجفون بالباطل والافتراء.

كم جرى فيك من خطوبٍ عظامٍ ** هدَّ منها الضميرَ والإصغاءُ

ما رعوا فيكَ حرمةَ البيتِ بل ** أضمرَ الغدرَ فيهم الدُّخلاءُ

سلْ رُبا الكوفةِ الكريمةِ ماذا ** خطَّ فيها الدمُ الزكيُّ المضاءُ

يومَ أمسى الإمامُ يرقى شهيدًا ** والهدى في يمينِه وللواءُ

لم يمتْ زيدُهم ولكنْ تهاوى ** عرشُ ظلمٍ أَسَاسه البغضاءُ

وبقيتَ المَثَلَ الرفيعَ مدى الده ** رِ إذَا ما استبانَ أهل الوفاءِ

​واقعنا المعاصر: التأسي بالإمام زيد في مواجهة الطغيان الصهيوني

​إننا اليوم، انطلاقًا من مبدأِ التعاون على البر والتقوى، فيْ أمسّ الحاجة إلى التأسي والاقتدَاء بالإمام زيد بن علي في غاياته وإقدامه.

إن واقعَ الأُمَّــة المعاصر وما تواجهه من طغيان وإجرام صهيوني غاشم في فلسطين وإيران والعراق ويمن الإيمان يتطلب منا استنهاضَ واجبَي:

•​الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الشامل لحماية الأُمَّــة ومقدساتها.

•​الجهاد والاحتساب في مقارعة قوى الاستكبار العالمي والطغيان الصهيوني.

​إن مواجهةَ العدوّ الصهيوني الغاصب اليوم هي امتدادٌ لمعركة الحق ضد البغي؛ فمن أراد العزة والكرامة والنصر، عليه أن يستلهمَ من ثورة الإمام زيد عزيمته، ومنهجه القرآني، وشجاعته في عدم الاكتراث بأهل البغي والعناد، باذلين الأنفس والأموال لإعلاء كلمة الله، وإصلاح شؤون الأُمَّــة، ودحر الظالمين والمحتلّين.

بِأَبِي عِتْرَةُ النَّبِيِّ وَمَنْ خَـــــــــــــــــــــــــــــادَ ** عَـهُـمْ فِي زَمَانِنَا الأَدْعِـيَـــــــــــــــــــــــــــــــــــاءُ

حَمَلُوا الشَّمْسَ فِي الضَّمِيرِ وَلَكِـنْ ** غَشِيَتْ أَعْيُنَ الْعَبِيدِ الْعَمَــــــــــــــــــــــــــــاءُ

يَا لِقَوْمٍ بَاعُوا الْهُدَى بِضَلَالٍ ** وَعَلَى الطَّامِعِينَ حَـلّ الْبَلَــــــــــــــــــــــــــــاءُ

كَمْ شَهِيدٍ مَضَى عَلَى نَهْجِ زَيْدٍ ** حِينَ حُمَّ البلا وحان الْقضَاءُ

قَامَ كَالطَّوْدِ لَا يُبَالِي بِجَيْشٍ ** بَغْيُهُ فِي الأَنَامِ شَرٌّ وَدَاءُ

فَإِذَا أَقْبَلَ الطُّغَاةُ بِجَوْرٍ ** جَاءَ مِنْ آلِ أحمد الشُّهَدَاءُ

بَكَتِ الأرض فَقْدَهُمْ بِدِمَاءٍ ** وَاسْتَنَارَتْ بِنُورِهِمْ سِيْنَاءُ

فَاتَّبِعْ نَهْجَهُمْ وَجَاهِدْ عَدُوًّا ** صَهْيَنَتْهُ الأحقاد وَالأَهْوَاءُ

​لقد كان الإمام زيد مثالًا خالدًا للتضحية والثبات.

ولم تكن غاية الإمام زيد طلبَ سُلطان، ولا منافسة على دنيا، وإنما كان همه إحياء معالم الدين، وإقامة العدل، وصيانة كرامة الأُمَّــة، ولذلك بقيت ثورته حية في وجدان المسلمين، وأصبحت رمزًا لكل من يقاوم الظلم ويأبى الخضوع للطغيان.

ولقد أثبت التاريخ أن الظلم لا يدوم، وأن الدولَ مهما بلغت قوتُها فإنها إذَا قامت على الجور كتب الله عليها الزوال، وقد مضت سنواتٌ يسيرة بعد استشهاد الإمام زيد حتى انتهت الدولة الأموية، وبقي ذكر الإمام زيد خالدًا، بينما ذهبت الممالك وبقيت المواقف.

وفي واقعنا المعاصر، حَيثُ تشهد الأُمَّــةُ صورًا متعددةً من العدوان والاحتلال وانتهاك الحقوق، فإن استحضار سيرة الإمام زيد ينبغي أن يكون استحضارًا لقيمه ومبادئه، وفي مقدمتها الصدق، والعدل، والإصلاح، والثبات على الحق، وتحمل المسؤولية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق أحكام الشريعة وضوابطها، وعدم الاستسلام للظلم أَو اليأس من وعد الله.

إن الأُمَّــةَ اليومَ أحوجُ ما تكونُ إلى أن تستلهمَ من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخلاقهم، وعلمهم، وزهدهم، وشجاعتهم، ووحدتهم على الحق، وأن تجعل من سيرتهم مدرسة لتربية الأجيال على الإيمان والكرامة، بعيدًا عن العصبيات والفرقة، فإنهم معدن الفضائل، وأئمة الهدى، وسفن النجاة لمن اقتدى بهديهم.

فانهضوا واهتدوا بزيدٍ فإنَّ ** الحقَّ لا ترتضيهِ الجبناءُ

سنَّ للأحرار دربًا كريمًا ** شرفُ النفسِ فيه والإباءُ

كلُّ باغٍ وإن تطاولَ دهرًا ** سوف تُرديهِ نقمةٌ وقضاءُ

إن من أعظم الدروس التي تقدمها سيرةُ الإمام زيد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح النفس، ثم بإقامة العدل، ونشر العلم، ومقاومة الظلم، والثبات على المبادئ، مع الإخلاص لله تعالى، فإن النصر وعدٌ من الله لعباده المؤمنين الصادقين، قال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

 

* عضو رابطة علماء اليمن


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر