عبدالخالق دعبوش
في البداية، الجميعُ بلا استثناء كمجتمع يمني قبلي لديه قضايا ومشاكل، تتردّد دائمًا في مجالس القبائل اليمنية، ويعرف الحكماء والمشايخ، ويعرف مشايخ الدفع الرباعي للجنة الخَاصَّة السعوديّة، ويعرف المشايخ الذين يمثّلون القيم الأخلاقية والدينية والأسلاف والأعراف.
لكن السؤال الذي نحاول في هذا المقال البحث عن إجابته:
لماذا كانت القبيلة اليمنية هدفًا لكل الطامعين منذ قرون؟
ولماذا أسّست السعوديّة اللجنة الخَاصَّة التي كان هدفها الرئيسي إحكام السيطرة على القبيلة اليمنية منذ أربعة عقود؟
الحقيقة أن التأمل في تاريخ اليمن القديم والحديث يثبت حقيقة واحدة لا جدال فيها، وهي أن القبيلة اليمنية عصية على الذوبان، مستعصية على الاختراق، وظلت على مر القرون حِصنًا منيعًا لكل من تسوِّل له نفسَه النيلَ من هذا البلد العريق.
حتى جاء العصر الحديث، وتحديدًا قبل أربعة عقود، حين تحولت الأدواتُ من السيوف إلى الأموال، ومن الغزو المباشر إلى المؤامرات الناعمة.
لكن السر الأهم: كيف سقطت دكاكينُ اللجنة الخَاصَّة السعوديّة أمام صولة الأسلاف والأعراف لقبائل اليمن؟
دعوني أبدأْ من تلك اللحظة التي أدركت فيها الرياض أن المواجهة العسكرية المباشرة مع اليمن وقبائله هي معركة خاسرة سلفًا، وأن الحل هو تفكيك النسيج الاجتماعي من الداخل، عبر مشروع هدفه القضاء على القبيلة بوصفها كيانًا مستقلًّا يرفض الوصاية والخضوع.
وهنا تولدت فكرة تأسيس ما يُعرَف بـ"اللجنة الخَاصَّة باليمن" التابعة لمجلس الوزراء السعوديّ، والتي تحولت إلى وزارة حرب غير معلّنة، وذراع استخباراتي يمتد في عمق اليمن، مهمتُه تجريفُ الهُوية القبلية، وتحويلها إلى مُجَـرّد دكاكين سياسية تدار بالريموت كنترول من خلف الحدود.
العدوان على اليمن لم يكن جديدًا، هو امتدادٌ لمعركة تجاوزت الأربعين عامًا، راهنت على شراء الذمم لتفريخ القيادات المزيّفة للنظام السعوديّ.
وهنا يحق لنا أن نتساءل:
كيف يمكن لرجل أن يصبح شَيخًا في عُرف القبيلة اليمنية الأصيلة؟
في أعرافنا اليمنية العريقة، لا يصبح الرجل شيخًا إلا عبر قواعد وأسلاف، بحيث يكون الشيخُ مأوى للمظلوم لا للظالم، مهمتُه حَـلُّ العُقَد، كفارس يتقدم الصفوف، وحكيم وصاحب يد بيضاء وكرم، يحمل التزامًا دينيًّا وخُلقيًّا، وفيه إباءٌ وحميةُ الدين لا حمية الجاهلية.
هذا هو الشيخ في اليمن، كسلوك -لا لقب فقط- يتجسد في عمله، ومسؤولية أخلاقية واجتماعية ودينية، وأمانة يتحملها أمام الإنسان.
لكن المؤامرة السعوديّة جاءت لقلب هذا المفهوم رأسًا على عقب، فصنعت مشيخات الميزانيات، وفرّخت قيادات قبلية طارئة لا رصيد لها في تاريخ قبائلها، ولا وزنَ لها في مجالس الحكماء والصلح، وكان مؤهلها الوحيد صَكّ التبعية للجنة الخَاصَّة، وارتباطها بالميزانيات الشهرية وسيارات الدفع الرباعي والقصور المشيدة على حساب الدم اليمني.
وهذا هو جوهر المؤامرة: إفراغ القبيلة من محتواها الأخلاقي والديني، واستبدال الأعراف والأسلاف بالمال، وتحويل الشيخ من حامٍ للقبيلة إلى تابعٍ للخارج ضد المواطن الباحث عن الحق.
ولأنَّ القبيلةَ الموحَّدة القوية تمثِّلُ تهديدًا استراتيجيًّا لأي مشروع هيمنة خارجي، لجأ المخطّطُ السعوديّ إلى قاعدة (فرِّقْ تَسُدْ)، وسلك مسارَين مدمّـرَين.
المسار الأول هو خلق الثارات المفتعَلة، ونبش الخلافات القديمة، وتغذية النزاعات الحدودية بين القبائل، مع ضخ الأموال والأسلحة لكلا الطرفَين؛ لضمان استمرار شلال الدم اليمني، وإشغال القبائل ببعضها، بدلًا من التفكير في قضايا الوطن الكبرى.
ويليه المسار الثاني، وهو إفشال كُـلّ محاولة صلح قبلي تقوم بها لجان القبيلة التي تتحَرّك بوازع ديني وأخلاقي وقيمي لحفظ المجتمع من الاقتتال ورأب الصدع.
فكانت مهمة اللجنة الخَاصَّة السعوديّة التدخل عبر أياديها الخفية لدعم أحد الأطراف، وتقديم الإغراءات المالية والعسكرية، لإفشال الصلح، وإبقاء الجرح نازفًا، والخلاف مشتعلًا؛ لضمان بقاء القبيلة في حالة ضعف وتبعية مُستمرّة.
كان الرهان السعوديّ واضحًا: أربعون عامًا من الضخ المالي، وتفريخ المشايخ المزيّفين، كانت كفيلةً بإنهاء القبيلة اليمنية إلى الأبد.
لكن الرهان انقلب على أعداء القبيلة والوطن، حين أسقطت القبيلةُ اليمنية الأصيلة النُّسخة المزيَّفة للجنة السعوديّة في العدوان على اليمن، في لحظة تاريخية فارقة وصل فيها اليمني إلى قناعة حقيقية لا تقبل الرهان على المال السعوديّ في صناعة نسخة مزيَّفة للقبيلة.
فمع أول اختبار حقيقي، ومع بداية العدوان على اليمن، تبخَّرت القياداتُ الهجينة، وهربت إلى الفنادق والشقق المفروشة في الخارج، تاركةً وراءَها القبائلَ التي ادعت تمثيلَها زيفًا، دون سلف أَو عُرف أَو تاريخ.
وحين تحَرّكت القبيلة اليمنية الحرةُ من جديد لاستعادة دورها وحقها التاريخي، هربت تلك الكائناتُ السياسية القَبَلية المصنوعة سعوديًّا، مقابل التحام أبناء القبائل ببعضهم، لتعودَ إلى المربع الأول، إلى العيب الأسود والفزعة، وحماية الدين والأرض والإنسان وفق منهج الله، ولتتسامى الرجالُ فوق الجراح التي كوتها الرياضُ طيلة العقود الماضية.
وفي لحظة الخطر، احتكموا إلى وثائق الشرف القَبَلي، وبدأوا بترميم البيت الداخلي، وإنهاء الثارات، وتأجيل الخلافات البينية، والالتفات نحو معركة الكرامة الكبرى.
ليثبتوا للعالم أجمع أن الأصالةَ اليمنية لا تقبل التزييف، وأن محاولات تدجين القبيلة وتحويلها إلى أدَاة فوضى وإثارة قد تحطمت تمامًا، دون رجعة.
واليوم، كلنا شهدنا معركةَ "طوفان الأقصى"، وإسناد اليمن لغزة، وإقدام الجيش اليمني على مواجهة بحرية مباشرة ضد الإمبراطورية الأمريكية والبريطانية وكيان الاحتلال الصهيوني، ليتجلى المشهد بأن القبيلة اليمنية التي صمدت أربعة عقود، هي اليوم رديفٌ قوي للجيش اليمني، تحمي الأعرافَ وتدافع عن عرض الأُمَّــة.
والتاريخ اليوم يعيد فرز المواقف، ويُسْقِطُ النسخة المزيَّفة التي صُنعت بالمال، لتبقى القبيلة اليمنية الأصيلة التي تواجه العدوان وتقف إلى جانب قضايا الأُمَّــة، هي النسخة الحقيقية، التي تمثل الشعب اليمني بقوته وإبائه، كحصن منيع لا يمكن أن يُشترى في سوق النخاسة السياسية مهما تضخمت الأموال.
لقد أثبتت القبيلة اليمنية للجميع أنها عقيدة ووجدان وتاريخ، وأن المؤامرات مهما طال أمدها، وتضخمت أدواتها، فإنها ستُزهَق في النهاية، وستبقى اليمن بأبنائها، بإذن الله، عصيةً على الأعداء، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

.png)





