عبدالمؤمن محمد جحاف
في سياق عرضه لهدي القصص القرآني، يتوقف السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي "أيده الله" عند محطة مهمة من قصة نبي الله موسى عليه السلام، وهي المرحلة التي وصل فيها إلى مدين بعد خروجه من مصر، ليقدّم من خلالها دروسًا أخلاقية وإنسانية عميقة تتصل ببناء شخصية الإنسان الصالح وبناء المجتمع السليم.
تبدأ هذه المحطة بالآية الكريمة:
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا...}، وهي آية تختصر منظومة متكاملة من القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تسود في المجتمع المؤمن.
الإحسان في أصعب الظروف
أول ما يلفت النظر في هذه القصة أن موسى عليه السلام، رغم حالته الصعبة كغريب مطارد لا يملك مأوى ولا مالًا، بادر إلى الإحسان إلى الفتاتين وسقى لهما من غير طلبٍ ولا انتظار مقابل.
هذا السلوك يجسد روح المبادرة إلى الخير، ويؤكّـد أن الإحسان لا يرتبط بوفرة الإمْكَانات، بل بصفاء النفس وكرم الأخلاق.
فحتى في لحظات الضيق، يبقى الإنسان المؤمن قادرًا على أن يكون مصدر خير للآخرين، وهو ما يجعل الله سبحانه يهيئ له من أبواب الفرج ما لم يكن يتوقعه.
الحياء.. جوهر شخصية المرأة المؤمنة
تُبرز الآية الكريمة جانبًا مهمًا في شخصية الفتاة حين قال الله تعالى: {تَمْشِي عَلَى استحياء}.
فالحياء ليس مُجَـرّد مظهر خارجي، بل هو خُلُق شامل يظهر في الكلام والحركات والتصرفات، بل حتى في المشية.
ويشير السيد القائد إلى أن الحياء من أعظم الأخلاق التي تجمع كَثيرًا من الفضائل، وهو سمة بارزة في شخصية الأنبياء.
فقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم مضرب المثل في الحياء.
مكافأة المعروف.. سمة النفوس الكريمة
حين دعت الفتاة موسى عليه السلام إلى بيت أبيها، كان ذلك بدافع مكافأة المعروف الذي قدمه.
فذلك الشيخ الصالح تحلّى بمكارم الأخلاق، واعتبر من الشهامة أن يجازي من أحسن إلى بناته.
إن هذا الموقف يعكس قيمة أخلاقية عظيمة، وهي الاعتراف بالجميل ومكافأة الإحسان، وهي قيمة إن غابت من المجتمع تحولت العلاقات فيه إلى علاقات جافة لا روح فيها.
القوة والأمانة.. معيار المسؤولية
في لحظة لافتة من القصة تقترح إحدى الفتاتين على أبيها أن يستأجر موسى، قائلة:
{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
هذه العبارة القصيرة تختصر معيارين أَسَاسيين لأي مسؤولية في الحياة: القوة والأمانة.
فالقوة تمثل القدرة والكفاءة على أداء المهمة، أما الأمانة فتمثل النزاهة والاستقامة في القيام بها.
ومن دون اجتماع هاتين الصفتين تختل المسؤوليات؛ فالقوي بلا أمانة قد يفسد، والأمين بلا قدرة قد يعجز.
ولهذا كان الجمع بينهما هو الأَسَاس الذي ينبغي أن يقوم عليه اختيار الأشخاص للمهام المختلفة في المجتمع.
كما يؤكّـد القرآن على عظمة الأمانة حين يقول:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأمانة عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَالْجِبَالِ...}، مما يوضح أن الإنسان يحمل مسؤولية كبرى في كُـلّ ما كلفه الله به في الحياة.
رغم ما تحلّت به الفتاة من حياء، إلا أنها أظهرت في الوقت نفسه فطنة وذكاءً في تقييمها لشخصية موسى عليه السلام.
فقد استنبطت من تصرفاته أنه يجمع بين القوة والأمانة، وهو حكم دقيق يدل على قدرة على قراءة المواقف والناس.
وهذا يبيّن أن الحياء لا يتعارض مع الوعي والذكاء، بل يمكن أن يجتمع معه في شخصية متوازنة تجمع بين العفة والحكمة.
الترتيب الإلهي في حياة الإنسان
كانت تلك الأسرة بحاجة إلى من يعينها في أعمالها، بينما كان موسى بحاجة إلى العمل والمأوى والاستقرار.
ومن هنا جاءت المبادرة الكريمة من الشيخ الصالح حين قال:
{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحدى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ...}.
هذا العرض جمع لموسى عليه السلام عدة جوانب من العون: السكن، والعمل، والزواج، والاستقرار الاجتماعي.
وهو ما يعكس كيف يدبر الله سبحانه حياة عباده بترتيبات قد لا يدركونها في حينها.
قيمة العمل في بناء الإنسان
من الدروس المهمة في هذه القصة أن موسى عليه السلام، الذي نشأ في قصر فرعون، انتقل إلى حياة بسيطة يعمل فيها راعيًا للأغنام.
وهنا تتجلى قيمة العمل كعنصر أَسَاسي في حياة الإنسان، ليس فقط لتوفير متطلبات المعيشة، بل أَيْـضًا لتحقيق التوازن النفسي وتنمية روح المسؤولية.
أما المجتمعات التي تفقد روح العمل، وتغرق في الكسل والبحث عن الراحة الدائمة، فهي مجتمعات عاجزة عن النهوض مهما امتلكت من الإمْكَانات.
الوضوح والعدل في المعاملات
تنتهي هذه المرحلة من القصة باتّفاق واضح بين موسى والشيخ الصالح حين قال موسى:
{ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.
وهذا يعكس درسًا مهمًا في المعاملات الإنسانية، وهو ضرورة أن تقوم العلاقات على الوضوح والعدل والتراضي، بعيدًا عن الغموض أَو الاستغلال.
هدي قرآني لبناء المجتمع
إن هذه المحطة من قصة موسى عليه السلام لا تقدم مُجَـرّد سرد تاريخي، بل تقدم منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان والمجتمع:
الإحسان، والحياء، ومكافأة المعروف، والأمانة، والعمل، والعدل في المعاملات.
وهي قيم إذَا ترسخت في حياة الأفراد تحولت إلى أَسَاس متين لمجتمع صالح قادر على النهوض ومواجهة التحديات، وهو ما يؤكّـد أن الهدي القرآني ليس مُجَـرّد موعظة، بل مشروع حضاري لبناء الإنسان والحياة.

.jpg)


.png)

.jpg)
