أحمد الضبيبي
في قراءة متأنية لمسار المواجهة العسكرية الراهنة، يتجلى بوضوح صدق التحذيرات العسكرية التي أطلقها إمام الشهداء، السيد القائد علي الخامنئي رضوان الله عليه، قبيل العدوان الأمريكي الصهيوني الغاشم الذي استهدف الجمهورية الإسلامية إيران، حَيثُ أكّـد بعبارات لا تقبل التأويل أن أية حماقة أمريكية ستزج بالمنطقة في أتون حرب مفتوحة لا أفق لها.
واليوم، يبرهن الميدان أن هذا الأفق المفتوح هي استراتيجية النفس الطويل التي ترفض الانجرار خلف الرغبة الأمريكية والصهيونية في الحسم الخاطف، مفضلةً إدارة الصراع ببراعة وهدوء استراتيجي يربك العواصم الغربية ويتركها في تيهٍ من أمرها.
لقد برهن الميدان الملتهب أن عمليات الوعد الصادق السابقة بجولاتها الثلاث، لم تكن سوى فاتحة التمهيد، وبروفات استباقية لصياغة قواعد اشتباك جديدة، ومع بزوغ فجر المواجهة الكبرى، انقضت مطارق حرس الثورة الإسلامية على اوكار التخطيط في سفارة الشيطان الأكبر في الرياض وغرف القيادة والسيطرة التي اتخذت من أبراج الإمارات وقطر والبحرين والكويت غرف عمليات لإدارة العدوان على الجمهورية الإسلامية إيران وكذا سحق الأعصاب الحسية للعدو، حَيثُ استهدف حرس الثورة بضربات احترافية ومدمّـرة منظومات الرادار الأمريكية للإنذار المبكر والتتبع في دول الخليج، حَيثُ وهي العقل المدبر الذي يغذي ترسانة الدفاعات الصهيونية من حتس، وثاد، إلى مقلاع داوود، والقبة الحديدية.
إن تحطيم هذه المنظومات الرادارية أفضى إلى شلل عضوي، في المنظومات الدفاعية الصهيونية بنسبة ناهزت الـ 90 %، وهو ما أحدث نقلة نوعية في كفاءة القوة الصاروخية وسلاح الجو المسير؛ فبينما كانت عمليات الوعد الصادق بجولاتها الثلاث تقتضي إطلاق موجات كبيرة من الصواريخ الطائرات المسيرة لإرباك الدفاعات، فالمعادلة الجديدة لم يعد الاختراق يتطلب مئات الصواريخ، والمسيرات فالموجات المحدودة صارت كفيلة بخرق جدار الصمت وإصابة أهدافها بدقة متناهية، مما يعني أن كلفة التدمير انخفضت، بينما ارتفعت جدوى الإصابة.
أمام هذا التدفق الاحترافي في إدارة النار، تلاشت الدبلوماسية الناعمة، وخرج قادة الثلاثي الأُورُوبي، ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا بلهجة يشوبها الارتجاف، ملوحين بالانتحار العسكري المباشر لحماية ربيبتهم المدللة إسرائيل وقواعد ومصالح الشيطان الأكبر أمريكا من المصير المحتوم والمؤكّـد.
إن هذا الهلع الغربي ليس إلا اعترافًا بتصدع جدار الردع التاريخي، فالمخطّط الغربي والأمريكي الذي اعتاد الحروب القصيرة، يقف اليوم مذهولًا أمام لغز الدفاع الإيراني، وهو يدرك يقينًا أن طهران لا تزال تلوح بأوراق سيادية لم تمس بعدُ؛ مما جعل غرف عملياتهم في حالة ذهول وخيبة أمل.
وفي إطار هذا الأفق الممتد، لم تعد الحدود عوائق بل أصبحت جسورًا للردع بداية بالجبهة اللبنانية فالمقاومة الإسلامية حزب الله يُحكم قبضته على الشمال الفلسطيني المحتلّ، وقد دشّـن خلال اليومين الماضيين مرحلة حيفا وما بعد حيفا، محولًا المستوطنات في الشمال إلى خلاءٍ استراتيجي.
في السياق ذاته للعمق العراقي، حَيثُ أُسود الرافدين، قد وضعوا المصالح الأمريكية تحت مجهر الاستهداف المباشر، في رسالة مفادها أن القواعد والمصالح الأمريكية باتت رهائن جغرافية تحت النار لا قلاعًا حصينة.
إن العالم بأسره يقف اليوم لا سِـيَّـما أُورُوبا على أطراف أصابعه، فإذا ما سوّلت لحلف الناتو الأُورُوبي نفسه التدخل المباشر، إسناد للشيطان الأكبر أمريكا والكيان الغاصب، ستتحول البحار إلى مقابر للأساطيل، وتتحول المضائق إلى رتاج مغلق في وجه القارة الشمطاء التي تقتات على أوهام الهيمنة.
إن ما نشهده اليوم هو تحول بنيوي في العقيدة العسكرية الإيرانية، التي انتقلت من الصبر الاستراتيجي، إلى الاستنزاف الوجودي للعدو الأمريكي المجرم وبتر اليد السياسية من خلال الرفض القاطع لأنصاف الحلول أَو الخديعة التفاوضية التي تهدف لترميم صفوف العدوّ، وإرهاقه بتوجيه هجمات موزعة زمنيًا تهدف لخلخلة التوازن النفسي والمادي للغرب على المدى البعيد، وكذاتوسيع الميدان بإدخَال القواعد البريطانية، في قبرص والفرنسية بالإمارات، في دائرة النار؛ مما يعني أن المواجهة لم تعد محلية محدودة وإنما إقليمية واسعة.
لقد استقرت الحقائق العسكرية اليوم في الميدان الإقليمي، ولسان حال حرس الثورة يقول، إن ما مضى كان مُجَـرّد جس نبض، وما هو آتٍ هو الفصل الذي تطوى فيه صحف الهيمنة والعاقبة للمتقين.




.png)
.png)

.jpg)