عبدالخالق دعبوش
تتجاوز ثورة الإمام زيد بن علي (عليه السلام) حدود المناسبة والذكرى، بل هي مدرسةٌ متكاملة تبدأ من أعماق الوعي، وتمر عبر التعبئة الجهادية، ولا تتوقف حتى تصل إلى قلب الميدان العسكري.
في عالم اليوم، حيث تحكم المصالح موازين القوى، وتسيطر الآلة العسكرية والتكنولوجية على مفاصل المواجهة، فإن ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام أعادت اليوم تعريف المواجهة لتقول بكل وضوح إن المعركة مع المشروع الغربي بقيادة أمريكا، وحليفه الصهيوني، وأدواتهما في المنطقة هي وبشكل أساسي معركة وعي وثقافة قبل أن تكون عسكريّة، تبدأ من تحصين العقل وامتلاك البصيرة المستمدة من القرآن الكريم.
لنقرأ التاريخ جيداً..
فثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام بدأت بمنهج ثقافي وتعبوي جهادي، في زمن يراه كثيرون أن السلاح هو المرتكز الأساسي للنصر أو الهزيمة، لكن ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام أثبتت أن الثورة على الطغيان تبدأ بالبصيرة ثم البصيرة ثم الجهاد.
هذه الثورة العظيمة أثبتت أن معركة الأعداء تبدأ بثقافة التدجين والحرب الناعمة، وهي معركة لا يمكن هزيمتها بقوة السلاح، بل بسلاح البصيرة والوعي المستمد من القرآن الكريم لضمان النصر، حتى يكون التحرك في سبيل الله لمواجهة الطغاة والمنافقين خالصاً وحكيماً.
في مدرسة آل البيت، يتقدّم الفكر الجهادي ليسبق المعركة العسكرية.
ولهذا نجد أن شعار "البصيرة..
البصيرة ثم الجهاد" هو عنوانٌ كبير لمشروع متكامل يمتد من ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام إلى اليوم، ليكون هو خط الدفاع الأول في مواجهة الحرب الفكرية بأشكالها كافة، التي لا تهدف إلا لتفتيت الأمة وإذلالها للهيمنة الغربية.
إن إعادة بناء الهُوية الإيمانية الإسلامية وفق مرجعية القرآن الكريم هي عملية تعبئة شاملة لإنتاج جيل يتحمل مسؤولياته الدينية والإنسانية، وهذا لا يتحقق دون إحياء قيم الإسلام الحق، وكشف زيف الأنظمة المتخاذلة والمتواطئة التي تروّج لمشاريع الاستسلام والتبعية، وعجزها عن مواجهة الغرب.
ومع كل هذا، يبقى الوعي القرآني صامداً حين يمتلك قاعدة شعبية صلبة، لا تهتز في وجه الحصار والعدوان.
وهذا ما جسّدته الثورة اليمنية كامتداد ومنهج لثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام، فانطلقت هذه الثورة من الاعتماد على الله والثبات على المبادئ، وهذا ما منحها الميزة والقدرة على كسر حالة الخضوع والخنوع للقوى الغربية، فانتقلت بفضل الله، وبفضل المشروع القرآني، وبفضل قيادتها الحكيمة إلى مرحلة النضج العسكري والثقافي معاً، فانتقلت من الدفاع إلى الهجوم والردع الشامل، وكان أبرزها التصنيع العسكري والتطوير التقني الذي غيّر موازين القوى في المنطقة، وانتقل باليمن إلى دولة يُحسب لها ألف حساب.
هذا التجسيد العملي لقوة الوعي والبصيرة والجهاد، جعل اليمن يرسم معادلاته الجيوسياسية بنفسه، مخرجاً ممراته المائية من عباءة الهيمنة الغربية، واضعاً إياها في خدمة قضايا الأمة، كان آخرها كسر الحصار عن غزة ومنع إمداد العدو الصهيوني، وهو ما لم تكن القوى الكبرى تتوقعه من دولة كانت تراها هامشية.
هذا الربط الميداني بين الجبهات هو تطبيق عملي لوحدة القضية الإسلامية، ودليل على أن السلاح عندما يمتلك وعياً قرآنياً خالصاً، يصبح قادراً على صنع موازين قوى جديدة تتجاوز كل الفوارق المادية والتكنولوجية لمصلحة محور الجهاد الذي يواجه الغرب الكافر.
فحتمية النصر هو محصلة حتمية واقعية جمعت بين صرامة الميدان وطهارة المنهج الثقافي القرآني، فلا نصر عسكري بلا مشروع قرآني يمتلك قاعدة شعبية محصنة بالوعي، ولا قيمة لأي شعار تحرر بلا قوة ردع حقيقية.
فثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام، التي ثارت بالدم في وجه الطغيان الأموي، هي اليوم ذاتها من تصنع فصولاً من النصر الحتمي الموعود.



.jpg)



