مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

شاهر أحمد عمير
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات "حقوق الإنسان" و"الإغاثة العالمية" في أروقة الأمم المتحدة، يجد المراقب المتفحص للمشهد الدولي نفسه أمام فجوة سحيقة تتسع يومًا بعد يوم بين النظرية والتطبيق؛ فالعمل الإنساني الذي وُلد في أعقاب الحروب الكبرى ليكون بلسمًا لجراح الشعوب المنكوبة وحائط صد ضد التوحش، بات اليوم يواجه اتّهامات صريحة وخطيرة بالانتقائية والارتهان لموازين القوى السياسية؛ مما يهدّد بنسف ما تبقى من ملامح الثقة في المنظومة الدولية برمتها.

لقد قامت فكرة الأمم المتحدة، في أصلها الفلسفي والتشريعي، على مبادرة نبيلة تهدف إلى إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة الإنسان أينما وجد دون تمييز عرق أَو لون أَو دين، غير أن هذا "الطهر الإنساني" المأمول يواجه اليوم تحديات وجودية شوّهت جوهره، حَيثُ تحول العمل الإغاثي في كثير من الأحيان من وسيلة مُجَـرّدة لحماية المدنيين إلى "أدَاة ناعمة" تُستخدم بذكاء -وأحيانًا بصلف- في سياق الصراع السياسي والعسكري، لا سِـيَّـما في تلك البقع الساخنة التي تتصارع فيها إرادات القوى العظمى.

إننا نعيش اليوم مرحلة لم يعد فيها العمل الإنساني بمنأى عن حسابات النفوذ والمصالح القومية للدول الكبرى، بل بات في حالات صارخة غطاءً لتمرير أجندات استخباراتية أَو وسيلة لإعادة رسم خطوط التأثير الجيوسياسي تحت ستار تقديم الدعم.

وفي الواقع العملي، تُدار الأزمات الدولية اليوم بعقلية "إدارة النزاع" لا "حل النزاع"، بما يضمن بقاء خطوط الإمدَاد والمساعدات ورقة ضغط رابحة بيد المانحين والقوى المهيمنة، بينما يتحول الإنسان المنكوب، الذي فقد بيته وأمنه، من غاية بحد ذاته ومحور للاهتمام الدولي إلى مُجَـرّد رقم أَو وسيلة ضغط في معارك المصالح الكبرى.

ويتجلى هذا الانحراف الأخلاقي بوضوح فاقع عند عقد مقارنة تحليلية بين مناطق النزاع المختلفة حول العالم؛ فبينما نلمس غيابًا محيرًا للحضور الإنساني الحقيقي والمكثّـف عن شعوب مثل الشعبين الإيراني واللبناني، بذريعة تصنيفات سياسية أَو مذهبية معقدة تضع هذه الشعوب في خانة "الخصوم"، نجد في المقابل استنفارا دوليًّا وتدفقًا هائلًا -ومشكورًا في ذاته- للدعم المادي والمعنوي والتعاطف الإعلامي تجاه الشعب الأوكراني.

إن جوهر الإشكالية هنا لا يكمن في تقديم الدعم لأوكرانيا، فحق الشعوب في الحماية والإغاثة هو حق أصيل لا يقبل الجدل، ولكن المأساة تكمن في "ازدواجية المعايير" التي تُحوّل المبدأ الإنساني من قيمة مطلقة إلى منحة مشروطة؛ إذ يُفتح باب الإنسانية على مصراعيه، وتُجند له الآلة الإعلامية والدبلوماسية حين يكون الضحية حليفًا للغرب أَو يخدم صموده مصلحة استراتيجية، بينما يُغلق هذا الباب أَو يُضيق إلى أدنى مستوياته حين تقع المعاناة في الجانب الآخر من الخارطة السياسية.

إن هذا التصنيف، مهما كانت خلفياته المذهبية أَو السياسية، لا يمكن أن يشكل مبرّرًا أخلاقيًّا أَو قانونيًّا لإعفاء الأمم المتحدة من واجباتها؛ لأن ميثاقها لم يفرق بين إنسان وآخر بناءً على موقعه من الأجندة الدولية، بل اعتبر "الكرامة المتأصلة" لكل أعضاء الأسرة البشرية هي أَسَاس الحرية والعدل والسلام في العالم.

وهذه الازدواجية الفجة ليست مُجَـرّد صدفة عابرة، بل هي انعكاس مباشر للخلل البنيوي العميق في منظومة صناعة القرار الدولي؛ حَيثُ بات مجلس الأمن الدولي، المنوط به حماية السلم والأمن الدوليين، عاجزًا في كثير من الحالات عن اتِّخاذ مواقف مستقلة، بعد أن أصبح رهينة لسياسات "الفيتو" المتبادل والمقايضات السياسية.

هذا الواقع حوّل المؤسّسات الدولية من "حكم محايد" إلى "طرف صراع" في نظر الكثير من شعوب المنطقة، مما عمّق أزمة الثقة في النظام العالمي الحالي.

إن أخطر ما يهدّد السلم البشري اليوم ليس فقط الحروب، بل ترسيخ فكرة "تراتبية المعاناة"؛ أي أن هناك دماءً "زرقاء" تستوجب استنفار الضمير العالمي، ودماءً أُخرى تُترك للنسيان أَو تُحاصر بالتسييس، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تفريغ مفهوم الإنسانية من جوهره العدلي، وتحويله إلى "قوة ناعمة" لإعادة إنتاج التبعية والسيطرة.

هذا المسار الخطير قد أضعف إلى حَــدّ كبير مصداقية المؤسّسات الدولية، وأدى إلى شعور متزايد بالمرارة لدى الشعوب التي تشعر بأن معاناتها قد جُدولت وفقًا لبوصلة المصالح السياسية لا الاحتياجات الإنسانية.

ومع مرور الوقت، تحوّل مفهوم "الإنسانية" ذاته إلى مفهوم "انتقائي" يُعاد تعريفه وصياغته خلف الأبواب المغلقة، بدلًا عن أن يكون قيمة عليا تسمو فوق التوجّـهات الدينية والسياسية والعقائدية.

إننا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يتطلب شجاعة أخلاقية لمراجعة هذه المسارات؛ فإما أن تتحَرّك المنظومة الدولية لاستعادة بوصلة الإنسان كقيمة مطلقة وشاملة، وإما أن نعلن -بكل أسف- نهاية عصر القيم الكونية وبداية عصر جديد لا يحكمه سوى موازين القوى ولغة المصالح الضيقة، حَيثُ الإنسانية فيه مُجَـرّد شعار يُرفع عندما يفيد، ويُنسى عندما يعيق.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر