شاهر أحمد عمير
الصراعُ بين الحق والباطل قانونٌ إلهي متواصل، يُبْرِزُه التاريخ بوضوح، وليس مُجَـرّد نزاعات عابرة، إنما تتحقّقُ فيه سننُ الله لمن يتأمَّلُ مسيرةَ الأمم والشعوب.
ومن أبرز هذه السنن: أنه لا تمكينَ للحق إلا بعد اختبار، ولا استقرارَ ولا أمن إلا ويسبقُه فزع، ولا يمكن اختبار الإنسان إلا في مواجهة التحديات والابتلاءات.
نعودُ بالذاكرة إلى غزوة الخندق، حين بلغت الحناجرَ قلوبُ الصحابة من الأحزاب الخارجين، واليهود والمنافقين من الداخل، فراهن الجميع أن الإسلام يوشك على الزوال.
لم يكن التحدي مُجَـرّد قتال على أرض محدّدة، إنه اختبار للإيمان والوعي الجماعي، وميزانٌ للصراع بين الصادقين والمنافقين.
ومع ذلك، وبعد عشر سنوات فقط، أسّس الصحابة لعصرٍ جديدٍ من القوة والتمكين، ودكوا إمبراطوريتَي الروم والفرس، مثبتين أن الحق إذَا كان ثابتًا فسيبقى ولن تزول دعائمه مهما حاول الباطل أن ينتصر.
واليوم، الأُمَّــة الإسلامية والعربية، ممثلةً بمحور المقاومة وعلى رأسه الجمهورية اليمنية والمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، تخوض حربًا شرسةً مع أمريكا وكَيان الاحتلال الإسرائيلي، وتمرّغ أنف أمريكا وربيبتها كَيان الاحتلال في التراب، رغم الخِذلان العربي والدعم الخليجي لأمريكا وكَيان الاحتلال الإسرائيلي.
إن سُنَنَ الله تتكرَّرُ في صور جديدة؛ فالإسلامُ اليومَ يواجِهُ قوىً كبرى من أمريكا إلى كَيان الاحتلال الإسرائيلي، ومن المنافقين الذين يراهنون على استضعاف الأُمَّــة وتفتيت قوتها.
ومع ذلك، الواقعُ يؤكّـدُ أن التاريخَ يعيدُ نفسَه لمن يفهمُ دروسَه، كما يقول الله تعالى: "وَلَن يَسْتَخِفَّ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ" [آل عمران: 179].
ليس المهم حجم القوة المادية للعدو، ولا توافر التكنولوجيا والمال، بل الثبات على المبادئ، والوعي بأهميّة الصبر والثقة بالله.
والدرس الأهم المستخلص من هذه السنن هو أن القلقَ على الدين أَو الحق لا مكان له، فالدين قائم بحكم سنن الله، وما علينا إلا مراجعة موقعنا من هذا الصراع.
لكل إنسان ومجتمع دور محدّد، والنجاح في أية مواجهة مع الباطل يتوقف على تحديد هذا الدور والعمل بجد وإخلاص، مع مراعاة أن الامتحان جزء من سنن التمكين، وأن الانكسار أمام الفتن والضغوط هو ما يعرّض المجتمعات للضعف والهزيمة.
يجب أن يكونَ السؤال الأهم لكل فرد ومجتمع في هذا العصر: ما موقعك من هذا الصراع؟ هل أنت واقف مع الحق، مدافعًا عنه بفكر وعمل؟ أم أنك غائب عن المشهد، أَو محايد، أَو متواطئ مع الباطل؟ التاريخ لن يرحم المتخاذلين، ولن ينتظر المتردّدين، فالحق لا يحتاج إلى شك، والباطل لا يطول أمام قوة الإيمان والوحدة.
إن فهمَ سنن الله في الصراع بين الحق والباطل يمنحنا القدرة على قراءة الأحداث المعاصرة بنظرة تحليلية واعية، ويدركنا أن كُـلّ أزمة أَو تحدٍّ هو اختبار للثبات والإرادَة، وأن النجاح لا يكون إلا لمن يتمسك بالحق رغم كُـلّ الظروف.
وما دامت الأُمَّــة واعية، وما دام أبناؤها يدركون مواقعهم ومسؤولياتهم، فإن التاريخ سيتكرّر لصالح الحق كما حدث مع الصحابة الذين غيروا مسار التاريخ بعد أن واجهوا أصعب التحديات.
وفي نهاية المطاف، يجب أن يظل هذا السؤال حاضرًا في وجدان كُـلّ مسلم وكل إنسان مؤمن بالحق: ما موقعك أنت من هذا الصراع؟ فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، والدين لن يضيع بفضل الله، ولكن المستقبل يحتاج إلى وعي وعمل وموقف ثابت.
ومن يدرك هذا، يدرك أن الاختبار هو بداية التمكين، وأن الثبات على الحق هو الطريق الوحيد للنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.

.jpg)
.jpg)


.png)

.jpg)