مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 22 رجب 1447هـ
في ذروة استحكام الطغيان وسطوة الباطل، تعيش الأمم مرحلة مفصلية من تاريخها، فإما أن تَثبت وتَذبَّ عن نفسها عدوان المتسلطين أو تغرق في مستنقع الذل والهوان، في هذه المرحلة الحساسة يبرز العظماء بعمق أثرهم، وبقدرتهم على قراءة الواقع قراءةً واعية، وبناء مشروع خلاص في لحظات الانكسار، وفي هذا العصر الذي تمر فيه الأمة الإسلامية بأعقد مراحلها برزت شخصية استثنائية شكّلت علامة فارقة في الوعي والموقف والمسار، هي شخصية شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي "رضوان الله عليه"، الرجل الذي تعامل مع القرآن الكريم كمنهج حياة، وبوصلة وعي، وأداة تحرّر، ومشروع نهضة بعيداً عن الارتباط السطحي لمجرد العبادة والأجر.
أطلق شهيد القرآن مشروعه القرآني مطلع الألفية الثالثة، في زمن طغت فيه الهيمنة العالمية بقيادة أمريكا و"إسرائيل"، وتواطأت فيه الأنظمة، واستُنزفت فيه طاقات الشعوب، وسادت حالة من الغفلة والجمود واليأس، فكان صوته القرآني المختلف استدعاء للوعي، وإحياء للمسؤولية، وكشفاً لحقيقة الصراع، وإعادة تعريف لدور الأمة في مواجهة الظلم والاستكبار، وإعادة لتصحيح منطلقات الأمة القائمة على الثقة بالله وصدق التوكل عليه. ومن خلال قراءة قرآنية للواقع، قدّم شهيد القرآن رؤية متكاملة جمعت بين الإيمان الواعي، والبصيرة والحكمة، والقيم الإنسانية، والموقف العملي المؤثر، فحوّل القرآنَ الكريم إلى قوة فاعلة في الوعي والتحرك.
يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على معالم شخصية شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي "رضوان الله عليه" كما تجلّت في وعيه، وأخلاقه، ومواقفه، ومشروعه القرآني، بوصفها نموذجاً إنسانياً وإيمانياً فريداً، ومرجعية فكرية وأخلاقية في زمن الحاجة إلى القدوة، وفي مرحلة لا تزال الأمة أحوج ما تكون فيها إلى استعادة وعيها، وبناء موقفها، والعودة إلى القرآن بوصفه طريق الخلاص، وقد اعتمدنا في ذلك على كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في تأبين شهيد القرآن.
-
رجل المرحلة وإدراكه لخطورة الواقع
كان شهيد القرآن بعيداً كل البعد عن كونه شخصية عاطفية أو خطيباً متحمساً منفصلاً عن الواقع، بل كان رجل المرحلة بامتياز؛ أدرك طبيعة الزمن الذي تعيشه الأمة، ووعى خطورته، واستوعب متطلباته، وفهم تداعياته على الحاضر والمستقبل، لقد نظر إلى الواقع بعين المسؤول لا المتابع بصمت، فشخّص مكامن الخلل، وحدد طبيعة التحديات، ورسم معالم الطريق للخروج من حالة الانكسار الرهيب، كان يدرك أن الأمة تمر بمرحلة استثنائية، تتطلب وعياً استثنائياً، وموقفاً استثنائياً، وتحركاً خارج المألوف.
"هذا الرجل الذي كان بحقٍ حليف القرآن، ومن القرآن الكريم قدَّم للأمة رؤيةً فريدةً مسددةً، جمعت بين العُمق والوضوح، والمصداقية وسعة الأفق، والفاعلية والتأثير، وكشف بها زيف الأعداء ومكائدهم ومؤامراتهم، وقدَّم الحل في زمن اللاحل، في عصر الحيرة، وعزز الأمل في دنيا اليأس وفي زمن الإحباط. لقد كان هذا الرجل العظيم -الذي كان بحقٍ رجل المرحلة- يعي هذه المرحلة التي يمر بها شعبه، وتمر بها أمته عموماً، يعيها جيداً، يعي خطورتها، يعي ما تتطلبه هذه المرحلة، يعي تداعياتها، ويعي ما يجب أن تكون عليه الأمة في مواجهة هذا الواقع، وفي الخروج منه، وفي مواجهة تلك التداعيات".
-
المسؤولية بوصفها روح المشروع القرآني
تميّزت شخصية شهيد القرآن بروحية عالية من الإحساس بالمسؤولية؛ مسؤولية تجاه الله، وتجاه الأمة، وتجاه الواقع، وبالتالي، فهو لم يكن من أولئك الذين يكتفون بالتشخيص أو التحليل البارد، وإنما حمل همّ الأمة في قلبه، وتعامل مع الواقع بوصفه أمانة ثقيلة لا مجال للتنصل منها، وقد تجلت هذه المسؤولية في العزم الصادق، والإرادة الصلبة، والجدية العالية، والاهتمام الواعي، والإيمان العميق، حتى غدا نموذجاً عملياً لرجل يحمل همّ أمة، لا همّ ذاته.
"كان بحقٍّ رجلَ المسؤولية، يعي مسؤوليته ومسؤولية الأمة من حوله، تجاه هذا الواقع المرير، تجاه هذه المرحلة الخطرة، ويحمل روحية المسؤولية بما تحتاج إليه من عزم ومن إرادة، ومن صدق، ومن جد، ومن اهتمام، ومن وعي، ومن إيمان، ومن عزيمة".
-
عالمية الرؤية واتساع الأفق القرآني
من أبرز معالم شخصيته أنه كان عالمي الرؤية، لم تحصره حدود الجغرافيا، ولا قيود المذهب، ولا اعتبارات العشيرة أو الانتماءات الضيقة، فقد تحرر من كل الأطر المحدودة، لأنه استنار بنور القرآن الكريم، الذي يخاطب الإنسان بوصفه إنساناً، والأمة بوصفها أمة واحدة، وبهذه الرؤية القرآنية أصبح نظره واسعاً، واهتمامه شاملاً، ورؤيته ممتدة إلى قضايا الأمة في كل مكان، من فلسطين إلى العراق، ومن لبنان إلى كل ساحة مظلومية.
"كان واسع الأفق، كان عالمي الرؤية، والنظرة والاهتمام، فلم ينحصر أبداً اهتمامه أو نظرته أو توجهه في محيطه، لا محيطه المذهبي، ولا محيطه الجغرافي، ولا محيطه العشائري، ولا بأي مقياس من المقاييس المحدودة والصغيرة، لأنه استنار بالقرآن الكريم، فكان فعلاً عالمياً بعالمية القرآن، في رؤيته الواسعة، اهتمامه الواسع، في نظرته الواسعة، وفي أفقه الواسع".
-
كان أمة من القيم والأخلاق
شهيد القرآن هو بعيد عن أن يكون مجرد مفكر ، إنه كان أمةً متكاملة من القيم؛ إيماناً ووعياً وأخلاقاً وسلوكاً، لقد أدرك حجم المأساة التي تعيشها الأمة، وشخّص المشكلة في زمنٍ كان فيه الجميع يتهرب من الاعتراف بالحقيقة، وقدّم الحل في مرحلة طغى فيها اليأس، وسيطر فيها الإحباط، حتى تجسدت في شخصيته عظمة القرآن نفسه؛ في عمق الرؤية، ودقة التقييم، وصوابية التشخيص، ووضوح الحل، حتى أصبح مشروعه القرآني مشروع خلاص شامل للأمة.
"كان أمةً من الأخلاق والقيم، رجلاً متكاملاً في إيمانه، في وعيه، في أخلاقه، في سؤدده، في قيمه، وأدرك الواقع، أدرك الواقع على المستوى العالمي وعلى مستوى واقع الأمة، وأدرك بعمق حجم المأساة التي تعيشها أمته ويعيشها شعبه، وخطورة الوضع، وخطورة المرحلة، شخَّص المشكلة وقدم الحل في زمن لم نسمع فيه من يُقدِّم الحل، ومرحلة غلب عليها حالة اليأس، تغلبت عليها حالة اليأس، وغلب فيها الإحباط والحيرة".
-
القراءة القرآنية للواقع لمواجهة الغفلة العامة
في وقت كانت الغفلة هي الحالة السائدة، واللامبالاة هي العنوان العريض، والانهماك في الجزئيات التافهة هو السلوك الغالب، كان شهيد القرآن يراقب الواقع بوعي يقظ، ويرصد المتغيرات بروح المسؤولية، تميّزت قراءته للواقع بأنها بعيدة عن القراءة الإعلامية السطحية، أو السياسية المحدودة، والتحليل البارد المنفصل عن الموقف، وإنما قراءة قرآنية واعية، مرتبطة بمشروع عملي، وموقف أخلاقي، ومسؤولية إيمانية.
"نرى فيه عظمة القرآن الكريم، في عُمق الفكرة، وصوابية النظرة، والرؤية الصائبة، والدقة في التقييم، وبعد ذلك نرى فعلاً عظمة المشروع الذي قدمه لخلاص الأمة من هذا الواقع، ولتغييره. لقد كان الواقع العام والحالة السائدة بالنسبة للأمة هي التجاهل واللا مبالاة تجاه هذا الواقع المرير، والغفلة الكبيرة عما يحاك لهذه الأمة من مؤامرات، وما يدبّر لها من مكائد، وما يعصف بها من أخطار، كان هو -فعلاً- عميق النظرة، يراقب الواقع، يرصد الأحداث والمتغيرات وبروح المسؤولية، بينما كان البعض حتى وإن رصدوا الأحداث، وإن تابعوا الوقائع فبنظرة سطحية، وبقراءة عابرة، إما كحالةٍ إعلاميةٍ كما هو حال الكثير من الناس، حالة إعلامية مجردة، متابعة الخبر لنقل الخبر، السماع للخبر وللحدث لمجرد السماع، والاكتفاء بذلك، أو إطلاق تعليق محدود بدون شعورٍ بالمسؤولية، وبدون روحية عملية، وبدون ارتباطٍ بمشروعٍ عملي، وبدون موقف".
"أما شهيدنا المقدَّس، ورجلنا العظيم، فقد حكمت قراءته للواقع أخلاقه، وإيمانه، وإنسانيته، ووعيه، شعوره العالي بالمسؤولية، أمله الكبير في الله، وثقته بالله، وتوكله على الله، يجمع ذلك كله قرآنيته، بارتباطه بالقرآن الكريم، بتمسكه بالقرآن الكريم، بوعيه للمفاهيم القرآنية، بنظرته القرآنية للواقع، فقد كان موقفه متميزاً ومسؤولاً بالدرجة الأولى، وبالقيم التي حملها من خلال القرآن الكريم، ومن خلال ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، ومن خلال إيمانه المتكامل والواعي، فقد حمل القيم العظيمة والمتميزة، وتجلى الإيمان في واقعه، تجلَّى في روحيته، تجلى في أخلاقه، تجلى في قيمه، حتى تحول -في معالم شخصيته- إلى إيمانٍ يتحرك، وقرآنٍ ناطق، هكذا كان واقعه".
-
مواجهة الطغيان في زمن الصمت
مع بلوغ هيبة الطاغوت الأمريكي والإسرائيلي أوجها، وحينما خضعت الأنظمة، وصمتت الشعوب، واستسلمت النخب، كان شهيد القرآن واقفاً بعزة، صادعاً بالحق، غير آبه بجبروت الطغاة، لم يخشَ إلا الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فكان نموذجاً للإيمان الصادق الذي يتحرك حين يقعد الآخرون، ويتكلم حين يصمت الجميع، ويواجه حين يختار الآخرون السلامة.
"كان على درجة عالية من الخوف من الله سبحانه وتعالى لدرجة أنه لم يعد يخشى إلا الله، ولم يعد يخف من أحد، ولا يبالي أبداً بسطوة الظالمين، والجائرين، والمستكبرين، ولا بجبروتهم، ولا بطغيانهم، ولا بهمجيتهم، ولا بإجرامهم، ولا بكل ما يمتلكون من وسائل الظلم والقهر والجبروت، ومن آلة الدمار والتعذيب. لم يعد يكترث بهم، ولم يبال بهم، ولم يخف منهم، وكان خوفه العظيم هو من الله سبحانه وتعالى".
"تجلَّى أثر ذلك حتى في مواقفه، في المرحلة التي تحرك فيها، لو نستذكر جميعاً الظرف والواقع الذي بدأ فيه تحركه الواسع بهذا المشروع القرآني العظيم، وموقفه المناهض والمعادي للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على الأمة، أمام كل ذلك الطغيان والهجمة العالمية بكل إمكانياتها، بكل عتادها، بكل قوتها، بكل هيبتها، بآلتها الإعلامية التي ضَخَّمَت أيضاً من حجمها وزادت من هيبتها، كان في تلك المرحلة، أبياً، عزيزاً، صامداً، ثابتاً، لم يخش أحداً غير الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم. وهذه الحالة هي من الحالات التي تدل دلالةً واضحةً على الإيمان الصادق. التحرك في الظروف التي يُؤْثر الآخرون فيها القعود، والتكلم والصدع بالحق في المرحلة التي يُؤْثر فيها الكثير من الناس الصمت، ويرون فيه سلامةً، ويرون فيه حفاظاً على أنفسهم، أو على حياتهم، أو على مصالحهم، أو على وجودهم. التحرك في الظروف الحساسة والخطرة، والمهمة الحرجة، يدلل بحقٍ على مصداقية الإيمان، وعلى حقيقة الإيمان".
-
الرحمة الواسعة والإحساس العميق بآلام الأمة
من أسمى تجليات شخصيته الإيمانية "الرحمة الصادقة والشعور الحي بآلام الأمة"، فشهيد القرآن كان يتألم لكل مظلومية، ويعيش معاناة فلسطين وسائر الشعوب المستضعفة كأنها معاناته الشخصية، لقد حمل همّ الأمة كلها، لا همّ فئة أو طائفة، وكانت آلام الشعوب وقود تحركه، ودافع مشروعه، ومحرك موقفه.
"هذا الرجل العظيم كان رحيماً بأمته وبشعبه، يتألم ويعاني لكل ألمٍ أو معاناة، عندما يشاهد الظلم، عندما يشاهد معاناة الأمة، عندما يشاهد تلك المظالم الفظيعة والوحشية بحق الأمة، سواءً في داخل شعبه أو خارج شعبه، فالكل أمةٌ واحدة يجمعها عنوان واحد هو الإسلام، وارتباطٌ واحد، وأساسٌ واحد، وأرضية واحدة هي الإسلام، هذه الأمة في كل قطرٍ من أقطارها، في كل منطقة من مناطقها، حيث كان يشاهد مظلمةً أو مأساةً كان يعاني كما يعاني صاحبها أو أكثر، يعاني للواقع المرير والمظلومية الكبرى للأمة في فلسطين وفي غيرها من الشعوب العربية والإسلامية، يعاني ويشعر بالمعاناة والألم، ويتبين عليه أنه يعيش في نفسه، في مشاعره، في واقعه حالة الألم الشديد والمعاناة والشعور بالمرارة، لم يكن حاله كحال الكثير من الناس الذين يعيشون حالة الأنانية، وحالة الانغلاق الشخصي، فلا يبالي عندما يرى معاناة الآخرين، إما لأنه يرى في الآخرين غيره، أو يرى فيهم غير شعبه، أو يرى فيهم غير طائفته، أو يرى فيهم غير أسرته، فلا يبالي، مهما كانت أوجاعهم".
-
العزة الإيمانية في مواجهة ثقافة الذل
كان شهيد القرآن عزيز النفس، أبيّاً، رافضاً للذل والهوان، في زمن تحوّلت فيه ثقافة الاستسلام إلى خطاب سائد، وروّج لها إعلام وسياسة وحتى تبريرات دينية مزيفة، فرفض أن تكون الأمة أمةً ذليلة، وواجه مشاريع التدجين والتخويف، وفضح خطورة الخطاب الذي يبرر الخضوع، مؤكداً أن كل من يروّج للذل، يخدم العدو شاء أم أبى.
"بإيمانه المتكامل كان عزيزاً وأبياً، لا يقبل بالذل، ولا يقبل بالهوان، ولا يقبل بالقهر، لا يستسيغ الظلم أبداً، ولا يستسيغ الهوان أبداً، عزيزاً يشعر بالعزة تملأ جوانحه، وتدفعه حالة العزة للموقف العزيز، والكلام العزيز. تجلت هذه العزة وظهرت في موقفه، في شموخه، في إبائه، في عزمه، في ثباته، في كلامه، في منطقه، فلا مكان عنده أبداً للذل ولا للهوان، ولا للقهر ولا للضيم، كان أبياً يأبى الضيم ويأبى الظلم، وحراً، وهذه من القيم التي غابت -إلى حدٍ كبير- في واقع الأمة، بل أصبحت في تلك المرحلة التي تحرك فيها ثقافة الذل والترويج للذُّل، والترويج للقبول بحالة الهوان، والترويج لحالة السكوت، أصبحت ثقافةً سائدة، وحالةً راسخةً قائمة، فالكثير ممن فقدوا الشعور بالعزة، وفقدوا هذه القيمة الإيمانية والإنسانية، فقبلوا بالذُّل والهوان، لم يقبلوا به فحسب، بل انطلقوا ليعمموا تلك الحالة، ويصبح لها ثقافة، ويصبح لها رؤية، ويصبح لها فكر، ويصبح لها ترويج، ولها منابر، ولها تبريرات كثيرة".
-
الإحسان بوصفه سلوكاً ومنهجاً
من القيم المركزية في شخصية شهيد القرآن، الإحسان؛ إحسان في القول، وإحسان في الفعل، وإحسان في الموقف. ذاب في خدمة الناس، وتجاوز ذاته، وجعل حياته وقفاً لله وفي سبيل عباده، فتحرك تربوياً وثقافياً وتنويرياً، وبذل جهده في كل مجال متاح، وكان مستعداً للتضحية بكل شيء، حتى بنفسه، في سبيل المستضعفين، وقل فعل ذلك.
"من المواصفات والقيم الإيمانية التي كان يتحلى بها -رضوان الله عليه- الإحسان، كان من عباد الله المحسنين، ونهج نهج أنبياء الله، واقتدى بهم بالإحسان إلى الناس، فكان شخصاً ذاب في خدمة الناس، وتجاوز نهائياً ذاته، وأنانيته، وواقعه الشخصي، ليعيش -بكل فكره، بكل توجهه، بكل اهتمامه- لله، وفي الناس، لله وفي عباد الله، فكان على المستوى الثقافي دائماً يحث على الإحسان، يرشد إلى الإحسان، يدعو إلى الإحسان، يرسخ ثقافة الإحسان، ومبدأ الإحسان، وسلوك الإحسان، ثم في الواقع العملي يتحرك على هذا الأساس، باذلاً كل جهده وكلما يستطيع في الإحسان إلى الناس، بكل مظاهر الإحسان، على المستوى التربوي، والتثقيفي، والتعليمي ، والتنويري، على مستوى الخدمة العملية فيما كان يعمله على قدر ما يستطيع، وفي حدود الممكن".
"من تجليات هذا الدافع، وهذه القيمة، وهذا الخلق، تحركه بكل ما يستطيع وتضحيته حتى بالنفس في سبيل الله سبحانه وتعالى، وفي سبيل المستضعفين، في مواجهة الظلم الذي يعاني منه الناس، في مواجهة الأخطار التي تحيط بالناس، في مواجهة التضليل للناس، في مواجهة الهجمة الاستكبارية للسيطرة على الناس، كان أحد الدوافع المهمة والأساسية في مواجهة كل ذلك، لأنه يحمل روحية الإحسان والمحسنين".
-
الوعي والبصيرة أساس الإيمان الحقيقي
تميّز شهيد القرآن بإيمان واعٍ، لا يقبل الغفلة ولا السطحية، فكان يدرك أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الوعي، ولا ينسجم مع الجهل، ولا يتعايش مع القراءة الخاطئة للواقع، وقد تجسدت هذه البصيرة في مشروعه القرآني المتكامل، الذي قدّم تشخيصاً دقيقاً لمشكلات الأمة، ورؤية واضحة للخلاص، متحرراً من كل القيود المذهبية والسياسية والجغرافية.
"من المعالم الأساسية لشخصيته في ما كان يتحلى به من إيمانٍ واعٍ، إيمانٍ حقيقي، إيمان بمبادئ الإيمان، وأخلاق الإيمان، الوعي العالي والنظرة الصائبة والعميقة، وهذا شيءٌ أساسي بالنسبة للإنسان المؤمن، الإيمان لا يقبل أبداً أن يكون المؤمن أحمقَ أو غبياً أو نظرته إلى الواقع نظرةً مغلوطة، هذه مسألة أبداً لا تنسجم مع الإيمان، لا يمكن أن يكون هناك مؤمن غبي، أحمق، جاهل بالواقع، بعيد عن الحكمة، | لا|. من لوازم الإيمان هو الوعي، هو البصيرة، بل لا يكتمل الإيمان ولا يتحقق الإيمان إلا بذلك، وهو (الشهيد القائد) كان على درجةٍ عاليةٍ جداً جداً من الوعي والنظرة الصائبة والعميقة، والحكمة، وهذا ما تجلَّى واضحاً في المشروع العظيم الذي قدمه للأمة".
"يكفي كل فرد، كل من يريد أن يتحقق من ذلك، يكفيه أن يطلع على ذلك المشروع، من خلال المحاضرات والدروس التي قدمها، ليدرك أن هناك حالة استثنائية، وأن هذا كان بحقٍ رجلاً استثنائياً، وأنه كان لديه من النظرة العميقة والتقييم الدقيق، والتشخيص لواقع الأمة، ومشكلات الأمة، والمخرج للأمة من هذا الواقع، ما ليس ملموساً لدى الآخرين أبداً. حالة متميزة فعلاً في مستوى العصر وفي مستوى التحديات".
-
المشروع القرآني في مواجهة تواطؤ الأنظمة
وفيما كانت معظم الأنظمة قد جعلت من نفسها أدوات بيد الأعداء، ونافذة خطيرة لاختراق الأمة، ووسيلة لضرب الشعوب من الداخل، جاء شهيد القرآن بالمشروع القرآني ليعيد الاعتبار لدور الشعوب، ويكسر وهم الرهان على الحكومات، بعد أن كشف بوضوح أن الشعوب أصبحت ضحية، وأن النخب صامتة أو عاجزة، وأن الخلاص لا يكون إلا بمشروع قرآني واعٍ، ينطلق من داخل الأمة.
"عندما أصبحت الأنظمة بنفسها والحكومات بنفسها، الحكومات والأنظمة التي يُفترض بها أن تكون هي من تحمي الأمة، من تحمي الشعوب من تدافع عن الشعوب، من تقوم بخدمة هذه الشعوب، من تُدَبِّر هذه الشعوب في شؤون حياتها وفي واقعها في كل المجالات وعلى كل المسارات، عندما أصبحت هي أداة بيد الأعداء، تشتغل لمصلحة الأعداء، تُنَفِّذ هي مؤامرات الأعداء، فتحت المجال لأعداء الأمة لأن تدخل مؤامراتهم ومكائدهم في كل تفاصيل شؤون هذه الأمة، نافذة خطيرة على الأمة دخل من خلالها الأعداء، أمام كل هذه الحالة تحرك هذا المشروع القرآني العظيم، بمعالم مهمة ومعالم أساسية وبارزة، وتحرك السيد حسين بدر الدين الحوثي "رضوان الله عليه"، في الوقت الذي آثر فيه الآخرون القعود، ونطق وصدع بالحق حينما سكتوا وآثروا السكوت، وهكذا كان موقفه متميزاً في مرحلة حساسة وظرفٍ معروف".
-
نعمة قرآنية في زمن الحاجة
لقد كان شهيد القرآن نعمةً إلهية في زمن الظلام، ورؤيةً قرآنية متكاملة في عصر التشتت، ومشروع خلاص في مرحلة الانهيار، كان محطة تاريخية، وتجربة استثنائية، وشهادة حية على أن القرآن قادر -إذا ما فُهم وعُمل به- أن يصنع الإنسان، ويحيي الأمة، ويغيّر مسار الأحداث لتكون في صالح المنطلقين وفق المنهجية القرآنية.






