مـوقع دائرة الثقافة القرآنية – تقارير – 17 ربيع الأول 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
وسط ركام الظروف المعيشية الصعبة والحصار وتداعيات سنوات العدوان السعودي الأمريكي التي عصفت بالبنية التحتية ونهبت الموارد، اندفع ملايين اليمنيين نحو الساحات في مختلف المحافظات الحرة، ليعلوَ رسم الابتهاج، ويكسو اللون الأخضر تفاصيل المكان وأوجهَ المدنِ المنهكة. هو شعب الإباء حين يقهر التحديات والأزمات، ويتعالى على الأوجاع، ويبتكر هذا الحجم الهائل من طقوس الاحتفاء، والبهجة.
هكذا سنوياً تتشكل -مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف- حالة استثنائية من التعبئة الوجدانية في الوسط اليمني المرتبط -على مدى التاريخ- بدينه وثوابته ومبادئه، ويتحوّل فيها الفضاء العام في العاصمة صنعاء والمحافظات إلى مسرح مفتوح للضوء واللون، وحشد مليوني يجدد ولاءه لرسول الهداية.
في اليمن، حيث الإيمان والحكمة، لا يجري التعامل مع الطقوس الدينية والتراثية استجابة لمناسبة تقويمية أو امتثالاُ لتوجيهات تنظيمية، وإنما تأكيداً لارتباط إيماني ووجداني برسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وبالشعائر الدينية التي تعني إحياءً للنفوس وترجمة لصدق التولي لله ورسوله. لهذا يبقى اليمني هو الأسمى بروحه والأقوى بحضوره.
-
بناء واقع برؤية اليمنيين
لا يُعَبر تزيين واجهة منزل بسيط بأدوات محلية وتكلفة زهيدة عن ترف مادي، وإنما يسطر مكتوباً صريحاً بالإصرار من قِبل المواطن بأنه ما يزال قادراً على فرض الجمال وتشكيل بيئته الخاصة، مستمداً من رمزية "صاحب المناسبة" صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله طاقةً متجددة تمنحه شعوراً بالأمل لبناء واقعه برؤيته هو، لا كما خطط له التحالف السعودي الأمريكي من عدوانهم على اليمن.
وفي الوقت الذي انكبّت فيه التحليلات المحمومة للنفوس المأزومة، تَرْصدُ الكلفة المادية للاحتفالات، كان هناك اقتصاد تضامني تلقائي ينشأ في الحارات، حيث المجتمع المحلي ينخرط في مبادرات تشاركية لشراء الإضاءات، وتوزيع الطلاء، وتحضير الأطعمة التقليدية وتوزيعها على الأسر الأشد فقراً في الحارة، في مشهد كسر حالة العزلة الفردية التي عادة ما تفرضها الحروب والأزمات الاقتصادية الشديدة. كما توفِّر المناسبة في هذا الوقت الاستثنائي فرصة لتحريك الطاقات وخلق مساحات للعمل التطوعي والتشاركي بين الناس، ما يمنح الفرد -حسب الطب النفسي- شعوراً بالقيمة والقدرة على العطاء، ويرمم أي تصدعات اجتماعية يمكن أن تكون قد أنتجتها سنوات العدوان والحصار.
-
التكافل الاجتماعي في زمن الأزمة
لا تتوقف مشهدية الاحتفاء بالمناسبة عند تلك التفاصيل البصرية المُعبرة، بل تمتد لتسخير طاقات المجتمع في صور تكافلية تعزز التلاحم الشعبي. وهذه المبادرات التكافلية التي تشهدها القرى والمدن اليمنية بالتزامن مع هذه الذكرى، جعلت من المناسبة محطة عملية لتخفيف أعباء العدوان عن كاهل المستضعفين؛ حيث تتكاتف الجهود الأهلية لتوزيع السلال الغذائية، وتفقُّد احتياجات أسر الشهداء والجرحى والمرابطين. ولا شك بأن هذا التكافل لا يرمم الفقر المادي فحسب، بل يغرس طمأنينة روحيّة تؤكد أن المجتمع اليمني عصي على الانكسار أو التفكك، وأن روح الجود النبوي تتجسد سلوكاً واقعياً في حياة الناس.
-
شعب يصنع مشهديته الخاصة بكبرياء
إلى ذلك أعطى هذا التشارك في الساحات، حيث الجميع يرفعون الصرخات والأناشيد ويوجهون أبصارهم نحو شاشة واحدة إلى مُحيي هذه الأمة سيد القول والفعل السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي وهو يلقي خطابه بالمناسبة، وحيث يمزج الشعر والأناشيد الشعبية بين المدح النبوي والتعبير عن قضايا الأمة وصمود اليمن، فيصير التراث الشفهي والديني سلاحاً ناعماً ومحركاً معنوياً يُستدعى لمواجهة تحديات الحاضر. كل ذلك وسّع من مديات الدلالات التي وثقها هذا الاهتمام اليماني التلقائي برسول الله وذكرى يوم مولده صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.
وفي احتشاد الوفاء لرسول الله ابتكر اليمنيون تعريفهم الخاص للفرح و"هندسة البهجة" حسب علم الاجتماع، وقدموا نموذجاً مغايراً لما خلصت إليه النظريات الاقتصادية والاجتماعية الكلاسيكية. فبينما تفترض هذه النظريات أن المجتمعات المجهٓدة بالفقر والاستهداف تميل نحو الانكفاء واليأس والسلبية، فاض المجتمع اليمني بالإقبال الخالص لإحياء اللحظة بما تستوجبه من حب ونقاء روح، مجددا العهد بالمضي على درب الجهاد لإعلاء شأن القيم، وصياغة الرسالة الطبيعية إلى العالم المنافق بأن هذه الأمة قادرة -رغم كل شيء- على تنظيم نفسها، واستحضار رموزها التاريخية والدينية، وصناعة مشهديتها الخاصة بكبرياء وثبات.
-
المناسبة مدرسة لغرس القيم
أخذ الاهتمام بالمناسبة أيضاً بعداً تربوياً مزج بين المفاهيم الأصيلة وما اشتملت عليه حركة التطور من مكامن قوة تستدعي الأخذ بها وعدم الانفصال عنها، فكان السلوك التفاعلي للأطفال والشباب في هذه المناسبة جزئية في غاية الأهمية؛ فمثّل إشراك الجيل الجديد في عمليات التزيين والتنظيم وإحياء الأناشيد صلةً تاريخية كفيلة -بطبيعتها- بحماية الذاكرة الجمعية من التآكل.
وفي الوقت الذي تعاني فيه المؤسسات التعليمية والاجتماعية من ضغوط شديدة بسبب ظروف الحصار، تأتي هذه المناسبة الميدانية لتؤكد وتغرس منظومة القيم في الأجيال الجديدة بطريقة تفاعلية وعملية، فيتعلم الطفل في الحارة كيف يشارك جيرانه الطلاء، وكيف ينظم حركة السير، وكيف يستقبل الضيوف والزوار، ما يُنمي لديه روح المسؤولية المجتمعية والاعتزاز بالهوية الوطنية والإسلامية، ويحميه من آلام العزلة، ويحصنه من المفاهيم والثقافات المغلوطة.
-
تجدد الهوية وعزة الإنسان
في ذلك اليوم، وما قبله وما بعده، تحوّلت المناسبة إلى مختبر كاشف عن أسرار القوة الروحية والنفسية للإنسان اليمني، حيث نجح الجميع في تحويل الضائقة إلى طاقة تعبيرية خلاقة، وجعلوا من المعاناة دافعاً لتجديد الهوية الإيمانية والروابط الاجتماعية، وأكدوا أن الشعوب الحية قد تُحاصر أو تُستنزف مادياً، لكن روحها الجمعية تظل عصية على الكسر، متجددة العطاء كلما استدعت قيمها وهويتها الضاربة في أعماق التاريخ.
وفي المناسبة أيضا والاحتشاد المليوني المفعم بالحياة تراجعت -مؤقتاً- الصورة الذهنية عن اليمن المُنْهَك بما خلّفه العدوان من دمار، وهيمنت بدلاً عنها مشهدية بصرية موحدة ومبهرة تصدرت وسائل الإعلام، وفرضت نفسها كحدث استثنائي ومدهش، لفت أنظار العالم بجمالياته وتنظيمه، ما عزز لدى كل يمني الشعورَ بالفخر القومي والديني، وارتقى بهذا الشعور إلى القناعة بأنه بات يأخذ مكانه اليوم كجزء من رسالة حضارية أكبر تتجاوز مؤامرات أعداء الدين والإنسانية.
-
خلود الموقف وانتصار الروح
ولا شك -في المحصلة- من أن هذا التدفق الجماهيري المشبع بالضوء والابتهاج يبرهن على أن أعتى آلات الحرب لا تستطيع تجريف العقيدة أو مصادرة الفرح من نفوس أصحاب الحق. يخرج اليمني من هذه المناسبة أكثر صلابة وتماسكاً، محصناً بهويته، ومؤكداً للعالم أجمع أن الشعوب المتصلة بالسماء والمتمسكة بنبيها لا تُهزَم، وأن إرادة الإيمان وتلاحم الصفوف هي السلاح الأمضى الذي يتحطم عليه الحصار، ليظل اليمن منارة للحرية والإباء وعنواناً عريضاً للوفاء الإيماني الخالد.






