مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 2 رمضان 1447هـ
تقرير | وديع العبسي
كم شهر رمضان مرّ، والحصار على الشعب اليمني قائم، ولا تجد السعودية حرجاً في استمرار امتداده. خلال عشر سنوات خلت كان الحصار يأخذ مستويات متعددة، أدناها أخلاقياً الحصار بقصد التجويع، وهو الفعل الذي نألف أن يمارسه المحتل الإسرائيلي اليهودي ضد الفلسطينيين، غير أن السعودية "المسلمة" كسرت المألوف وحاصرت جارة مسلمة بلا أي حيثيات قانونية أو حتى موضوعية، وإنما استقواء بالمظلة الأمريكية.
وعقب عشر سنوات من العدوان واللجوء إلى الحصار كواحد من الأسلحة المستخدمة لإخضاع شعب وتركيعه، وخلق العديد من الأزمات التي أقلقت حياة اليمنيين دون وصول تحالف العدان إلى أي هدف استراتيجي، أصبح استمرار نفس الأسلحة ركوناً عبثياً إلى ما تبين فشله، وأصبح حصار اليمنيين نوعاً من السادية المقيتة.
لم تتمكن أنواع الأسلحة الأمريكية والفرنسية والألمانية والإسبانية وحتى "الإسرائيلية"، والربع مليون غارة التي قصفت كل شيء، من إشباع نهم القتل والتجويع، ودفعِ اليمنيين لرفع راية الاستسلام، وعليه صار الرهان على أن دوام الحصار يمكن أن يُحدث خرقاً في صلابة المجتمع اليمني هو ضرب من التوهمات، الشعب اليمني اعتاد -منذ أول التاريخ- الاعتماد على ذاته في تلبية احتياجاته الحياتية، وهو لم يعش حالة الرفاهية يوماً، بالتالي فإن التأثير المباشر للحصار وإن حدث لكنه لن يقود إلى شيء يهدف إليه التحالف السعودي الأمريكي بقدر ما سيبقى وصمة عار في حق فاعليه.
-
حصار لخدمة أعداء الأمة
منذ اليوم الأول للعدوان خرج اليمنيون على واجهات الوسائل الإعلامية مجددين التأكيد بأن التوجه العجيب للعدوان عليهم ليس إلا كشفاً واضحاً للتبعية للغرب الإمبريالي بقيادة أمريكا، كما أنه يأتي على خط المصلحة الإسرائيلية في تدمير أي قوى حية في المنطقة والسيطرة على مواقعها الاستراتيجية.
اليمنيون خلال العدوان والحصار عاشوا على البدائل، مع موجة عارمة من اللعنات على حالة الخنوع لدى بعض الأنظمة للأجندة الغربية في النيل من المنطقة، وما قيل في أول العدوان والحصار وما جرى العمل عليه ظل يراوح ذات المكان: مربع القصف أو التضييق على الناس، ورغم تيقن أعداء اليمن بأن إخضاع هذه الأمة ليس بالسهل، إلا أنهم ظلوا يراهنون على قدرة الزمن في خلق حالة من السخط الشعبي ضد الحكومة اليمنية لخلق وضع فوضوي غير مستقر. هذا الرهان الخاسر كشف بصورة دقيقة وواضحة أن العدو إنما يرزح تحت سطوة واحدة من ثلاث حالات: الأولى أنه لا يعي ولا يفقه كحالة طبيعية لصيقة به، والثانية أنه يعي ولكنه يكابر، أما الثالثة فإنه مجبر على السير وفق مرسوم أمريكي يشدد على بقاء اليمنيين في المعاناة المستمرة إلى أن يسلموا بلادهم.
-
التحرر من الوصاية، والاستقلالُ بالسيادة
في كل الحالات، كان خروج اليمنيين الأسبوعي بذاك الجمع الهادر الذي لوى رقاب العالم تجاهه وهو الذي يعيش الحصار والمعاناة، مشهداً يختزل التقييم الدقيق لطبيعة قادة الحصار، فهذه الملايين عاشت التداعيات لكنها -باستمرارٍ- ظلت ترى بأن السعودية وأمريكا و"إسرائيل" قد فقدوا الحيلة، وبالتالي انهارت قدرتهم على تحديد التوجه البديل في التعاطي مع شعب محاصر لكنه ما يزال يرفع نفس المطالب: التحرر من الوصاية، والاستقلال بالسيادة والقرار، والتعامل بنديّة كاملة معه ووفق علاقة تقوم على الاحترام وتبادل المصالح، وكلها مطالب لا تستقيم مع أهداف العدوان والحصار.
لم ينل التجويع من الشعب الفلسطيني لأشهر طويلة، فكيف واليمن لم يغب حضوره منذ أول العدوان إلى اليوم كشعب قادر على الوصول إلى عقر دار العدو بالسلاح المحلي. هذا الأمر كان أكبر من أن تستوعبه عقليات محاطة بأحزمة من الغرور والغطرسة.
-
لا شيء يستمر
خلال مسيرات الإسناد الأسبوعية، كان السلوك العدواني تجاه اليمن حاضراً دائماً وسط ذاك الهدير الشعبي المليوني، ولأن المؤامرة واحدة تحيكها قوى معروفة، لم يفتر اليمنيون عن التأكيد بأن الثبات مسألة حتمية كقاعدة ومنطلق إلى مسارات جديدة عالية المستوى تتسم بالثورية وإجبار العدو على رفع يده عن البلاد والشعب اليمني.
وربما أصبح من الموضوعي على الدولة السعودية "المسلمة" أن تعي بأن تراكم حالة السخط لدى اليمنيين ضدها قد ينتهي بانفجار لا يمكن السيطرة عليه، كما أن الحصار بقصد التجويع وتعقيد حياة الناس أمر لن يكون له أن يستمر إلى ما لا نهاية، فضلاً عن أن أي مستويات هجومية أو دفاعية لرد اليمنيين عن الدفاع عن حقوقهم ليست مضمونة الفاعلية، بالتالي تصير المقامرة توجهاً غير سليم، وأثمانه ستكون مزعجة.
-
صورة سلبية لأعداء الإسلام
تجاوز كل قيم التعايش واستقبال أيام مباركة كشهر رمضان المبارك باستمرار محاصرة اليمنيين لا يمكن وضع الحسابات والاحتمالات إلى أي حال سيقود، خصوصاً وأنه يتنافى مع منهجية المسلم التي تحرِّم استهداف إخوة الدين بلا أي مبرر سوى الرغبة في الاحتلال غير المباشر للبلد، والسيطرة على شعبه، وإعاقة حركته نحو المستقبل، وهو أمر مستفز لمشاعر اليمنيين.
كما أن الاستهانة بعظمة الشهر الفضيل وتقديم صورة سلبية لأعداء الإسلام عن علاقة المسلمين ببعضهم وعلاقتهم بدينهم، وهم يسيؤون لحرمة مثل هذا الشهر، هو فعل يستدعي رد فعل ينتصر للدين ومبادئه.
وحين يأتي التفاعل مع حملات إلكترونية ضد استمرار الحصار بهذا الشكل اللافت، فإن ذلك يعكس تنامي القناعة وحالة الوعي بأن ما هو قائم مرفوض ولن يستمر، وهو شكل من أشكال التعبير عن ثبات هذا الموقف، واستمرار المسيرات المليونية، والوقفات، وبيانات المستويات السياسية، وأشكال أخرى تخلص جميعها إلى أن أمد الاستخفاف قد طال ودنت نهايته.

.png)




