مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

حسين بن محمد المهدي
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَيَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

ما أشقى الإنسانَ حين يُطفِئُ نورَ العدل في قلبه، ويجعل من الظلم سياسةً، ومن العدوان وسيلةً، ومن الاستكبار منهجًا، ومن نهب ثروات الشعوب غايةً، ومن سفك دماء الأبرياء أمرًا هينًا لا تحرك له ضميرًا ولا تستوقف له فطرة!

وما أعظمَ الخُسرانَ حين تتحول القوة من أداةٍ لحماية الإنسان إلى سيفٍ مسلطٍ على رقبته، وحين تُستعمل السياسة ليس لصناعة السلام، وإنما لإدامة الهيمنة، وإخضاع الشعوب، ومصادرة إرادتها، والتحكم في مقدراتها وثرواتها!

إن الظلم ليس مجرد اعتداءٍ عابر على حقٍّ من الحقوق، وإنما هو انحرافٌ عن الفطرة، وفسادٌ في ميزان القيم، وإفسادٌ في الأرض، وطريقٌ يبدأ بالاستعلاء وينتهي بالندامة؛ ولذلك جاءت آيات القرآن الكريم زاجرةً عنه، محذرةً من عاقبته، كاشفةً سوء مآله.

قال تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

وقال سبحانه في عاقبة الظالمين: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا}.

وقال جل جلاله: {إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً}.

وجاء التحذير النبوي جامعًا بليغًا: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».

فيا لها من كلمةٍ تختصر عاقبة الظلم كلها: ظلمات!

ظلمةٌ في القلب حين يفقد صاحبه نور البصيرة، وظلمةٌ في الضمير حين يستمرئ الباطل، وظلمةٌ في الحياة حين يأمن الظالم العقوبة، ثم ظلماتٌ يوم القيامة حين يقف الإنسان بين يدي رب العالمين، وقد أُحصيت المظالم، وردت الحقوق إلى أهلها، ولم يعد للجبروت سلطان، ولا للسلاح هيبة، ولا للدعاية قدرةٌ على تزييف الحقيقة.

 

حين تفقد القوةُ ضميرَها

إن ما يجري اليوم من عدوانٍ وظلمٍ وانتهاكاتٍ بحق الشعب الفلسطيني، وما رافقه من قتلٍ وتشريدٍ وحصارٍ وتدمير، يمثل صورةً صارخةً للخطر الذي ينشأ حين تنفصلُ القوةُ عن الأخلاق، وحين يُنزَع من السلاح ضميرُه، ومن السياسة إنسانيتُها، ومن القوة مسؤوليتُها.

فالقوة التي لا يحكُمُها العدلُ لا تبني سلامًا، وإنما تُنتج طغيانًا؛ والسياسة التي تنفصل عن الأخلاق لا تصنع استقرارًا، وإنما تُراكم أسباب الصراع؛ والمشروعات التي تقوم على قهر الشعوب وسلب إرادتها ونهب ثرواتها لا تستطيع أن تمنح العالم أمنًا حقيقيًا، مهما امتلكت من السلاح والإمكانات.

وإن محاولات فرض الهيمنة على دول المنطقة، والتدخل في شؤونها، والضغط عليها، والسعي إلى التحكم في قرارها ومقدراتها وثرواتها، ليست طريقًا إلى السلام، وإنما هي وصفةٌ لإنتاج مزيدٍ من الأحقاد والصراعات والدمار.

فلا سلامَ يُبنى على ركام البيوت المهدمة، ولا أمنَ يُؤسَّس على دماء الأبرياء، ولا استقرارَ يولد من إذلال الشعوب، ولا مستقبلَ تُباركه العدالة بينما يُداس فيه حق الإنسان.

إن

السلامَ الحقيقيَّ لا يكون سلامَ الأقوياء على الضعفاء، ولا استسلامَ المظلوم لشروط الظالم،

إنه سلامٌ يقوم على الحق والعدل والكرامة، ويحفظ للإنسان إنسانيته، وللشعوب حقها في تقرير مصيرها،

وللأوطان سيادتها، وللأجيال القادمة حقها في حياةٍ آمنةٍ كريمة.

 

الظلم حين يعمي البصيرة

إن الإمعان في الظلم، والاسترسال في العدوان، والتطاول على أهل الإيمان في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان ويمن الإيمان والحكمة من قبل قوى الاستكبار الصهيوني وأذنابهم، والإصرار على انتهاك الحقوق، ليس دليل قوةٍ كما يتوهم أصحابه، وإنما عنوانًا لبلوغ الغرور غايته، وانطفاء البصيرة، وقسوة القلب.

وما أخطرَ أن يظُنَّ الظالِمُ أن إمهالَه دليلُ رضًا عنه، وأن انتصاره المؤقت في فنزويلا أو فلسطين دليل خلود سلطانه، وأن كثرة سلاحه تمنحه حقًا في الأرض والإنسان!

فذلك وهم قد يقع على من ختم الله على قلبه، فهو لا يبصر حقيقة سوء فعله، لكفره بالله وبما أنزل على محمد خاتم الأنبياء ورسله فنزل فيه قرآن يتلى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

فإذا خُتم على القلب، لم تعد العين ترى الحقيقة وإن أبصرت الأشياءَ، ولم يعد السمع يسمع الحق وإن بلغته الكلمات، ولم تعد القوة وسيلةً لحماية الإنسان، بل تتحول إلى أداةٍ للبطش والاستعلاء.

وليس من الرشد أن يسير الإنسان خلف أهل الشقاء في ظلمهم وعدوانهم، أو أن يجعل من نفسه ذيلًا لمشروعٍ يقوم على قهر الإنسان وسلب حقوقه وإذلال الشعوب؛ فالعاقل لا يبيع آخرته بمصلحةٍ عابرة، ولا كرامته بتبعيةٍ مذلة، ولا ضميره بمكسبٍ زائل.

 

ربيع الأول.. ذكرى تُحيي المنهج النبوي

وفي شهر ربيع الأول تحل ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي مناسبةٌ جديرةٌ بأن تتجاوز حدود الذكرى إلى استحضار المنهج، وأن تتجاوز مظاهر الاحتفاء إلى الاقتداء، وأن تتحول من مناسبةٍ تُروى فيها السيرة إلى مدرسةٍ تُترجم فيها السيرة إلى أخلاقٍ ومواقفَ وسلوك.

لقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين، وداعيًا إلى الهدى، ومقيمًا للعدل، وناشرًا للأخلاق، ومؤلفًا بين القلوب، ورافعًا راية الحق، ونصيرًا للمظلوم، ومربيًا لأمةٍ أراد لها أن تكون شاهدةً على الناس بالخير والعدل.

قال سبحانه: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.

ومن أعظم ما تحتاج إليه الأمة اليوم أن تجعل من ذكرى المولد النبوي الشريف محطةً لتجديد الوعي بالمسؤولية، ومدرسةً للأخلاق، ومشروعًا للوحدة، ومنهجًا للإصلاح، ودعوةً إلى نصرة المظلومين وإغاثة المستضعفين ورفض العدوان.

فليست محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلماتٍ تُقال فحسب، وإنما المحبة الصادقة اتباعٌ واقتداء، ورحمةٌ وعدل، وصدقٌ وأمانة، وإصلاحٌ بين الناس، وانتصارٌ للحق، ونصرةٌ للمظلوم بما يحقق العدل ويحفظ الدماء ويصون الكرامة.

 

العدل الميزانُ الذي لا يميل

وما أكثرَ آيات القرآن التي تأمُرُ بالعدل وتحض عليه؛ لأن العدل ليس فضيلةً فرديةً فحسب، وإنما هو أساس العمران، وقوام المجتمعات، وشرط استقرار الأمم والحضارات.

قال تعالى: {وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}.

وقال سبحانه: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}.

وقال جل جلاله: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.

فميزان العدل في الإسلام لا يميل مع الهوى، ولا ينحرف مع العصبية، ولا يتغير بتغير المصالح، ولا يتأرجح مع الخصومة، ولا يحيف مع الشنآن.

إنه ميزانٌ واحدٌ للضعيف والقوي، وللقريب والبعيد، وللصديق والخصم؛ لأن الحق لا يتجزأ، والعدل لا يكون عدلًا إذا كان مكيالًا يُستخدم مع من نحب، ويُهمل مع من نكره.

 

أمةٌ واحدة.. لا أممٌ متنازعة

ومن العدل كذلك أن تكون الأمة أمةً واحدة، تتعاون على البر والتقوى، ولا تجعل خلافاتها سببًا لتنازعها وتناحرها وإضعافها.

وفي الحديث النبوي الشريف: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».

فالأمة التي تتفرق يضعف أثرها، والتي تتنازع تتبدد قوتها، والتي تنشغل بخلافاتها عن قضاياها الكبرى يفقد صوتها أثره، والتي تنسى آلام المظلومين تفقد جانبًا من رسالتها الأخلاقية.

ومن هنا فإن واجب المرحلة هو التآخي والتعاضد، وجمع الكلمة على الحق، وإغاثة المنكوبين، ونصرة الشعب الفلسطيني، والوقوف إلى جانب الشعوب التي تتعرض للعدوان، وفق ما يحقق العدل ويحفظ الدماء ويصون كرامة الإنسان.

وفي عصرنا هذا، وفي ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كانت الجمهورية الإسلامية في إيران سباقةً إلى عقد مؤتمر الوحدة الإسلامية، تأسّيًا بهدي النبي الكريم الذي جاء بدين التوحيد والوحدة، قال تعالى:

{وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.

والوحدة التي ينشدها الإسلام ليست شعارًا موسميًا، وإنما هي وعيٌ بالمسؤولية، وتعاونٌ على الخير، وتناصرٌ في الحق، وتجاوزٌ لأسباب الفرقة التي تستنزف طاقة الأمة وتشتت إرادتها.

 

الوفاء للنبي أن نحمل أخلاقه

ومن الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقتدي بأخلاقه؛ فنكون دعاةَ رحمةٍ لا دعاةَ كراهية، وأهلَ عدلٍ لا أهلَ ظلم، وأنصارَ حقٍّ لا أتباعَ باطل، وأن نجعل قوتنا في خدمة الإنسان لا في إذلاله، وأن تكون مواقفنا قائمةً على البصيرة والعدل والمسؤولية.

قال تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}.

وهذا هو جوهر الاقتداء: أن تتحول السيرة من صفحاتٍ تُقرأ إلى واقعٍ يُعاش، ومن كلماتٍ تُردد إلى أخلاقٍ تُمارس، ومن محبةٍ تُعلن إلى مسؤوليةٍ تُحمَل.

وأن يسعى أبناء الأمة جميعًا إلى الأخذ بما جاء به القرآن، والاهتداء بهدي نبي الإسلام، والتمسك بقيم الحق والعدل والوحدة، وهي المعاني التي يحث عليها قائد المسيرة القرآنية السيد العلم عبدالملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله-.

قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

بين طريقين

إن طريق السعادة واضح، كما أن طريق الشقاء واضح؛ طريقٌ يضيئه العدل فيقود إلى الأمن والاستقرار، وطريقٌ تكتنفه ظلمات الظلم فيقود إلى الندم.

هذا عدلٌ يورث الطمأنينة، وذاك ظلمٌ يزرع الخوف.

هذه أخلاقٌ تبني الإنسان، وتلك أطماعٌ تهدم الأوطان.

هذه وحدةٌ تجمع القوة، وتلك فرقةٌ تستنزفها.

هذا حقٌّ يرفع صاحبه، وذاك باطلٌ يرديه مهما طال به الأمد.

فطوبى لمن أبصر قبل فوات الأوان، واتعظ بغيره قبل أن يكون عبرةً لغيره، واختار طريق الخير والإصلاح، وجعل من قدرته نفعًا للناس، ومن موقفه نصرةً للمظلوم، ومن أخلاقه رسالةً تبقى بعد رحيله.

فما يبقى للإنسان بعد انقضاء العمر ليس ما جمعه من متاع، ولا ما امتلكه من سلطان، ولا ما راكمه من ثروة، وإنما يبقى أثره: خيرٌ صنعه، وعدلٌ أقامه، وفضيلةٌ غرسها، ومظلومٌ نصره، ومكروبٌ أعانه، وقلبٌ أسعده، وحقٌّ وقف معه، وباطلٌ قاومه.

وتلك هي التجارة التي لا تبور، والذكرى التي لا تموت، والأثر الذي لا تطويه الأيام.

فيا من ملكت القوة: اجعلها عدلًا لا ظلمًا.

ويا من ملكت الكلمة: اجعلها حقًا لا تضليلًا.

ويا من ملكت المال: اجعله عونًا لا استعلاءً.

ويا من ملكت القدرة على نصرة المظلوم: فلا تجعل خوفك من الظالم سببًا في خذلان المظلوم.

واعلموا أن الظلم وإن طال أمده فإلى زوال، وأن الباطل وإن علت رايته فإلى انكسار، وأن العدل وإن قل أنصاره فله عاقبة النصر؛ لأن الله سبحانه لا يرضى بالظلم، ولا يترك الظالم بلا حساب.

فاجعلوا من ربيع الأول ميلادًا للوعي، ومن ذكرى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ميلادًا للأخلاق، ومن القرآن منهاجًا للحياة، ومن العدل ميزانًا للمواقف، ومن الوحدة قوةً للأمة، ومن نصرة المظلوم شرفًا للإنسان.

فما بين الظلمات والنور طريقان، وما بين الظلم والعدل موقفان؛ فاختر لنفسك أيَّ الطريقين تسلك، وأيَّ الأثرين تترك، وأيَّ المصيرين تلقى.

فالعدلُ نورٌ في الدنيا، وأمانٌ في الآخرة؛ والظلمُ ظلماتٌ يوم القيامة: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر