طلال الغادر
في مشهدٍ لم تشهد له المنطقة مثيلاً منذ عقود، وقف مسؤولو وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار في حكومة صنعاء، مطلع أغسطس 2026، ليعلنوا للعالم أجمع ما خلّفه 12 عاماً من العدوان السعودي الأمريكي على اليمن من دمار منهجي لم يترك حجراً على حجر، والمؤتمر الصحفي الذي عقد في العاصمة صنعاء، كان شهادة تاريخية على جريمة إبادة اقتصادية متكاملة، كشفت النقاب عن حجم الكارثة التي حلت بواحد من أقدم شعوب المنطقة.
الرقم الذي أعلنته الوزارة كان بمثابة صاعقة لكل من حضره: 1.13 تريليون دولار هي حصيلة الخسائر المباشرة التي تكبدها الاقتصاد اليمني طيلة 12 عاماً من العدوان والحصار، ولتوضيح فداحة هذا الرقم؛ فهو يعادل أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لليمن خلال عقود من الزمن، ويفوق ميزانيات دول كاملة في المنطقة.
التقرير أوضح أن الخسائر المباشرة وحدها قدرت بنحو 482 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي 648 مليار دولار، ليكون المجموع الكلي هذا الرقم التريليوني الذي يصعب على العقل استيعابه.
ولم تقتصر جريمة العدوان على قطاع بعينه، بل طالت كل مفاصل الدولة والاقتصاد، وكأن هناك خطة ممنهجة لتجفيف منابع الحياة في اليمن.
التجارة والزراعة كانا في مقدمة الضحايا، إذ بلغت خسائر قطاع التجارة الخارجية 111.13 مليار دولار، بينما تكبد قطاع الزراعة والثروة الحيوانية 111 مليار دولار، وهذان القطاعان يمثلان شريان الغذاء والتجارة لأكثر من 30 مليون يمني.
الصناعة اليمنية التي كانت تبني نفسها بصعوبة، هوت خسائرها إلى 82.5 مليار دولار، في مشهد يعكس توقف مئات المصانع وخطوط الإنتاج، أمّا قطاع النفط والمعادن، المصدر الأكبر لإيرادات الدولة، فتجاوزت خسائره 57 مليار دولار.
ولم تسلم الخزينة العامة والقطاع المالي من النزيف، إذ بلغت خسائرها 32.1 مليار دولار، ما أدى إلى انهيار العملة المحلية وشل حركة المالية العامة.
العدوان لم يستهدف الاقتصاد فقط، بل طال البنية التحتية التي هي عماد حياة المواطن اليومية، قطاع الكهرباء والطاقة والمياه تكبد خسائر تجاوزت 28 مليار دولار، ما يعني أن اليمنيين دفعوا ثمناً باهظاً مقابل كل ساعة انقطاع للتيار الكهربائي. قطاع النقل خسر 23 مليار دولار، بعد أن دمرت الطرق والجسور والمطارات والموانئ.
أمّا القطاع الصحي فكانت فاجعة بحد ذاتها: 476 مرفقاً صحياً بين مستشفى ومركز صحي تعرض للتدمير أو التضرر، بخسائر تجاوزت 7 مليارات دولار، وهذا يعني أن الملايين من اليمنيين حرموا من أبسط حقوقهم في العلاج.
ولم تغب السياحة والآثار عن قائمة الضحايا؛ إذ بلغت خسائر هذا القطاع 11 مليار دولار، في جريمة ضد تاريخ وحضارة اليمن.
لكن الأرقام الاقتصادية، رغم فداحتها، لا تعكس ولو جزءاً يسيراً من عمق المأساة الإنسانية، أكثر من 30 مليون مواطن يمني يواجهون اليوم خطر المجاعة، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
التقرير كشف أيضاً أن العدوان تسبب في تعطيل وتدمير 64 مشروعاً استثمارياً بتكلفة ملياري دولار، ما أدى إلى تسريح 27 ألف عامل وعاملة، وأسفرت الحرب والحصار عن سقوط 60 ألفاً و891 مدنياً بين شهيد وجريح، في مشهد يعكس الوجه القبيح لهذا العدوان.
لكن الخسارة الأكبر، كما أكد مسؤولو الوزارة، هي "خسارة 12 عاماً من فرصة بناء اليمن وتنميته"، إنها سنوات كانت كافية لانتقال اليمن إلى مصاف الدول المستقرة اقتصادياً، لكنها تحولت إلى عقود من الدم والخراب والحصار.
إن هذا التقرير، بأرقامه الموثقة، هو بمثابة إقامة للحجة أمام المجتمع الدولي، وإعلان بأن الشعب اليمني لن ينسى ولن يسكت عن حقوقه المشروعة، ورسالة إلى العالم بأن العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، كان جريمة إبادة شاملة، وأن اليمن الذي ينهض اليوم من تحت الركام، سيظل يحمل في ذاكرته جراح 12 عاماً من العذاب، لن تشفى إلا بالقصاص العادل وأخذ كامل الحقوق.


.jpg)




