طلال الغادر
في غضون شهر واحد، فرضت القوات المسلحة اليمنية ثلاث معادلات استراتيجية، حوّلت البحر الأحمر إلى ساحة اختبار لنماذج جديدة من القوة، وأعادت تشكيل موازين الصراع الإقليمي، في مشهدٍ يستدعي التوقف عند الدروس القرآنية التي تقدمها "سورة القصص"؛ حيث تتجلى سنن الله سبحانه وتعالى في إنقاذ المستضعفين وتمكينهم في الأرض.
تذكرنا المعادلة التي أعلنتها قواتنا المسلحة "الحصار بالحصار" بقوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص:5)؛ فاليمن، التي حوصرت 12 عامًا، تحوّلت اليوم إلى قوةٍ تفرض حصارها على من حاصرها، في تجسيدٍ عملي لسنة الله الثابتة، أن المستضعفين الصابرين الواعين هم أهلٌ للتمكين.
استهداف 8 سفن نفطية سعودية، وإجبار 48 سفينة أخرى على العودة، وتنفذ 14 عملية ضد التحشيدات البرية، و9 عمليات استهدفت العمق السعودي في "ينبع ونجران وجيزان وأبها"، فيما كانت صحيفة "واشنطن بوست" تعلق بأن اليمن يرسخ "نوعًا جديدًا من القوة البحرية لا يعتمد على أسطول حربي، بل على الصواريخ والمسيّرات والجغرافيا"، و"فوكس نيوز" تعتبر باب المندب "نقطة ضعف ثانية تكسر الصورة النمطية للقوة الأمريكية".
هُنــا يفرز القرآن الكريم المستضعفين إلى ثلاثة أصناف، وقد تجلى في هذا المشهد الصنف الأول: المستضعفون الواعون الذين يعون واقعهم، غير راضين بما هم فيه، يتوجهون إلى الله سبحانه ويأخذون بأسباب التغيير، هم الذين قال فيهم: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} (النساء:75)، ولم يكتف اليمن بالدعاء، وإنّما تحرك فعلاً لتحقيق الخلاص، كما تحركت أم موسى وأختها وامرأة فرعون في إطار التدبير الإلهي.
وعلى ذكر قصة أم موسى، نجد دروسًا في الثقة بالله: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} (القصص:7)، لقد نفذّت أم موسى المهمة الصعبة بوعد الله، تمامًا كما نفذت القوات اليمنية مهمتها مستندة إلى إيمانها بأن النصر من عند الله، مهما بلغت قوة العدو، وكما ربط الله على قلب أم موسى ليثبتها؛ فإن الربط على القلوب هو ما مكّن اليمن من الصمود والثبات أمام تحالف قوي يمتلك إمكانات هائلة.
قصة موسى تذكرنا بأن فرعون كان يذبح الأبناء ويستحيي النساء ويجعل أهلها شيعًا، وفي النهاية: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص:6)، وهذا ما تراه السعودية اليوم، تحشيدات تستهدف، وسفن تغرق، ومصافٍ ترفض النفط، وشركات تأمين تنسحب من تغطية السفن السعودية، وأقساط تأمين إضافية ترتفع إلى 5% من قيمة السفن، كل ذلك في مشهدٍ يعيد إنتاج سنة الله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (القصص:8).
وتبدو الشروط الخماسية التي حددها بيان قواتنا المسلحة (رفع الحصار، إنهاء العدوان، دفع المرتبات، رحيل المحتلين، ترك ثروات الشعب للشعب) تذكرنا بأن الخلاص لا يأتي فجأة، بل عبر مسارٍ عمليّ طويل يحمل قضية مقدسة، كما حمل موسى -عليه السلام- رسالة الله لإنقاذ المستضعفين، وتحذير "أي تصعيد شامل سيواجه بتصعيد شامل" يعكس ثقة من يستند إلى وعد الله الغالب على أمره.
صدقوني، فما يحدث اليوم في البحر الأحمر هو إعادة تعريف لدور اليمن في المنطقة؛ فبعد أن كان طرفًا مستضعفًا، أصبح قوة تفرض معادلاتها وتعيد رسم خريطة النفوذ، في تجسيدٍ حي لسنن الله جلَّ وعلا التي لا تتغير ولا تتبدل، والتي تؤكّد أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.







.jpg)