مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

 

 

 

 

 

 

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبين، وَأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات:

السَّـلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

كُنَّا في المواسم الرمضانية الماضية، تحدثنا عن مزايا القصص القرآني، وعن أهمية القصص، وتاريخ الأحداث الكبرى التي وقعت في المجتمع البشري، كيف تستفيد منها الأجيال، كيف تستفيد منها فيما يتعلَّق بالدروس والعبر، وتستفيد منها في معرفة سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، واعتبارات أخرى، وأهمية هذه المسألة لدى الناس، لدى المجتمعات البشرية، فيما يتعلق بالسيَّر، والقصص، والأحداث التاريخية، والتواريخ؛ لاعتبارات متنوعة.

وفي هذا العصر تطوَّرت المسألة بكثير، وذلك من خلال ما ينتجه البشر، فيما يتعلَّق بالجانب الفني والتمثيل، وما ينتجونه عن الأحداث التاريخية، من إعادة تجسيدٍ لها من خلال التمثيل، وعلى العموم المسألة بالنسبة للبشر مسألة ذات أهمية كبيرة.

لكن القصص القرآني له مزايا فريدة، بين كل ما لدى المجتمعات البشرية من قصص عن الماضي، من تاريخٍ مكتوبٍ وموثَّق، وكذلك مما لديهم من تسجيل عن أحداث من أحداث التاريخ، التي تتضمَّن الكثير من العبر والدروس.

في مقدمة مزايا القصص القرآني: أن مصدره الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الذي هو عالم الغيب والشهادة، المحيط علماً بكل ما وقع، وبخلفيَّات ما وقع من أحداث تاريخية؛ بل وأكثر من ذلك: الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو مدبِّر شؤون السماوات والأرض، وتدبيره له الدور المحوري في متغيرات هذه الحياة وفي أحداثها، من خلال سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومن خلال تدخُّله "جَلَّ شَأنُهُ" في إطار تدبيره، وهو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يعلم خفايا النفوس، حتى الأسباب، والدوافع، والأمور النفسية، هو محيطٌ بها علماً، هو العليم بذات الصدور.

ولذلك- مثلاً- من المتطلبات الأساسية في نقل أحداثٍ تاريخية، أو قَصَصٍ من قصص الأمم الماضية، أو الشخصيات البارزة في مسيرة البشر:

  • أول المتطلبات هي: المتطلبات المعرفية، (العلم) العلم بما وقع:

فالله هو المحيط بكل شيءٍ علماً، وهو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" الحكيم، الذي ينقل لنا من تلك الأحداث من أهمها ما نحتاج إليه، بما تقتضيه حكمته "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهو العليم بنا، بأحوالنا، بما نحتاج إليه في الهداية في واقع حياتنا، ويقدِّمه لنا في إطار هدايته لنا "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

  • كذلك مسألة النقل:

كثيراً ما حصل تشويش وخلط كبير جداً في واقع البشر، فيما يتعلَّق بالتاريخ، والسيَّر، والقصص... وغير ذلك، وهذا أمر معروف ومعترفٌ به في واقع الناس، لكنَّ ما ينقله الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وما يقدِّمه لنا في إطار هدايته لنا "جَلَّ شَأنُهُ"، هو حقٌّ خالصٌ من كل الشوائب السلبية، ليس فيه أي زيف، ليس فيه أي افتراء، ليس فيه أي أساطير أو خرافات، ليس فيه باطل، ليس فيه كذب يتجنَّى به على أحد، حقٌّ خالص.

  • كذلك طريقة التقديم:

يقدِّم لنا بطريقة صحيحة فيها هداية، حتى الطريقة للتقديم فيها هداية، المحتوى الذي يقدِّمه لنا فيه هدايةٌ مهمة؛ ولذلك ما يقدِّمه لنا أيضاً هو هادفٌ ومفيد، وأتى في إطار هداية الله لنا، في إطار عرض الشواهد على حقائق مهمة، نحتاج إلى الوعي بها، إلى اليقين بها، إلى الاستيعاب لها؛ ولهذا قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[يوسف:111]، وهو يقدِّم لنا ما فيه موطن العبرة من أهم ما نحتاج فيه إلى العبرة، إلى الدروس المهمة.

والدروس المهمة في القصص القرآني متنوعة، وكلها ذات أهمية كبيرة:

  1. في مقدِّمتها: ما يتعلَّق بمعرفة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":

من أجمل ومن أعظم الفوائد في القصص القرآني: أنه يفيد حتى في مجال معرفة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فمن تلك الدروس تتعزَّز الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من تلك الحقائق التي يعرضها لنا نرى الشواهد الواضحة أن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" غالبٌ على أمره، وأنه صادقٌ في وعده، وأنه القادر، القاهر، الحكيم، الخبير، ودروس عن رحمة الله، ودروس واسعة في مجال معرفة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

  1. كذلك فيما يتعلَّق بالعبرة:

في مجالات واسعة، اعتبارات واسعة، حتى فيما يتعلَّق بالمهام الإيمانية: من جهاد في سبيل الله، من عمل لإقامة القسط، من مواجهةٍ للطغيان... وغير ذلك، معرفة بسنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، معرفة فيما يتعلَّق بالأحداث والمتغيرات في الحياة، وما يتجلَّى فيه من آيات.

وأتى في التعبير القرآني: {عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[يوسف:111]، لماذا؟ لأن أولي الألباب هم يستفيدون مما عرضه القرآن الكريم، من تاريخ الأنبياء والرسل، والأقوام، والأمم، والشخصيات التي عرض القرآن عنها من تاريخها في القرآن الكريم، والقرآن الكريم قدَّم الكثير الطَّيِّب فيما يتعلَّق بهذا الجانب، وبشكلٍ واسع، سواءً فيما يتعلَّق بالنماذج الإيمانية الراقية، أو النماذج الأخرى، التي كانت في طريق الطغيان، ونهج الشيطان، والاتِّجاه المنحرف، وطريق الباطل، يسجِّل حتى من كلماتهم ما يكشف لك نفسية أهل الباطل، ودوافعهم لمحاربة الحق والهدى، والعوائق التي يصنعونها؛ بهدف إعاقة الناس عن الإيمان بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

في القصص القرآني الواسع، المتنوع، مساحةٌ واسعة لقصةٍ من أهم القصص التاريخية، في غناها بالدروس والعبر، وفي صلتها بواقعنا، وظروفنا، والأحداث التي نعيشها، هي: قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، وهي وردت في القرآن الكريم أكثر من أي قصةٍ أخرى، وفيها الدروس والعبر المهمة، والكبيرة، والكثيرة، التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها في هذه المرحلة:

  • في ظل ما تواجهه الأمة من مخاطر وتحديات.
  • وفي ظل الوضع الذي تعيش فيه الأمة صراعها مع أولئك الأعداء، الذين كانوا هم في تلك المرحلة التاريخية، في زمن نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، والصراع ما بينه وبين فرعون، كانت هذه الدروس من أهم الدروس في تاريخهم هم.

وهذا فيه عبرةٌ لنا نحن، وعبرةٌ لهم: أن تكون الدروس التي تفيدنا بما فيها من عبر، بما فيها من حقائق ذات أهمية كبيرة جداً، بما فيها من هدايةٍ واسعة ومتنوعة، هي من تاريخ أعدائنا الذين نواجههم هذا العصر، والذين قد بلغوا في طغيانهم في هذا الزمن، بأكثر مما كان عليه فرعون في طغيانه وتكبره آنذاك، وإن اختلفت بعض الشكليات والعناوين، فالله "سبحانه وتعال" قال عن طغيان فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}[القصص:4]؛ أمَّا عن عتو وطغيان وعلو واستكبار اليهود، فالله قال في القرآن الكريم: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}[الإسراء:4]، فهو وصف علوَّهم بأكثر مما وصف به علوَّ فرعون، قال: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}[الإسراء:4].

وفعلاً، ما يمارسونه من إفساد، بما يمتلكونه من خبرة وإمكانات، وما تهيأت لهم أيضاً من ظروف، إضافةً إلى ما هناك من إمكانيات في هذا العصر، وتقنيات... وغير ذلك، يؤدِّي إلى أن يكون مستوى طغيانهم، وفاعلية طغيانهم، وحجم طغيانهم، ونطاق طغيانهم المنتشر في أصقاع الأرض، بأكثر مما كان لدى فرعون، وما كان عليه فرعون.

فأن تكون الدروس من تاريخ هؤلاء الأعداء، هذا مهمٌ لنا، وفيه عبرةٌ كبيرةٌ لنا، ولأولئك الأعداء كذلك، هذه المرحلة التي زاد فيها طغيان اليهود على طغيان فرعون.

قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، قال عنها شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ" أنه: ((يحتاجها كل إنسانٍ يحمل اسم إيمان، يحمل اسم تقوى، يأخذ منها الدروس العظيمة، التي تعزِّز ثقته بالله، من حيث أن الله صادقٌ في وعده لا يضيِّع أولياءه، ومن حيث أن الله قادرٌ، قاهرٌ، عالمٌ، جبَّارٌ، غالبٌ على أمره))، قال عنها أيضاً: ((في حياة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" الكثير من والعبر، وترددت قصته كثيراً في القرآن الكريم، وربما مما يمكن أن نفهمه من خلال الحديث الكثير عن قصة موسى وفرعون: أنها هي القضية التي ستبقى لنا علاقةٌ مستمرةٌ بها))، وفعلاً الصراع مستمرٌ مع أولئك الذين يدَّعون زوراً أنهم من أتباع موسى وأتباع عيسى؛ فيما مسلكهم هو الطغيان الفرعوني وأكثر مما كان عليه فرعون.

بداية مشوارنا مع هذه القصة الشيِّقة، المهمة، المفيدة، الغنية بالدروس والعبر، هي: من الآيات المباركة من (سورة القصص)، وهي بدأت بعرض القصة لنا من بدايتها.

يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في القرآن الكريم في (سورة القصص): {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}[القصص:1-2]، فالقرآن الكريم هو كتاب الله، الذي يبيِّن لنا الحقائق، بشواهد تاريخية تشهد لها، وتجليات حتى في المستقبل، من الماضي حقائق فيما قد مضى وحدث، وفي المستقبل فيما يحدث، وهو يبيِّن الحقائق بكل الأساليب، هذا أسلوب من أساليب القرآن الكريم في تبيين الحقائق المهمة، التي ينبغي أن نعرف بها وأن نوقن بها.

{نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[القصص:3]، {نَتْلُو}: مصدر هذه القصة هو الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، قدَّمها من خلال كتابه المبارك، في إطار هداية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لنبيه ورسوله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، وللمؤمنين على امتداد التاريخ، وهداية مقدَّمة إلى كل الناس.

{عَلَيْكَ}[القصص:3]: المتلقي لهذا الوحي الإلهي، لهذه التلاوة، لهذا الهدى، لهذا القصص من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو خاتم النبيين: رسول الله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، الذي هو المهتدي بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، المنتفع بما يتلقَّاه من الهدى؛ نوراً، وعلماً، وبصيرةً، وزيادة يقين ووعي، وكذلك الذي يستلهم من سيَّر الأنبياء، فيما يحتاج فيه في مسيرته العملية في إطار مهمته المقدَّسة الرسالية، وفي سعيه لهداية الناس.

{مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[القصص:3]: المتلو، النبأ والخبر المقدَّم هو: من نبأ موسى وفرعون، من خبرهم العجيب، المهم، الذي فيه الكثير من العبر والدروس المهمة جداً.

موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، الذي هو نموذج لرحمة الله بعبادة، وللإحسان إلى عباد الله، وللخير، ولمقارعة الطغيان والاستكبار والظلم، موسى الذي جسَّد كل القيم الإلهية في مسيرة حياته، في مرحلة ما قبل النبوَّة، ومرحلة الإعداد للمهمة العظيمة، والمرحلة التالية كذلك منذ بدايته في تنفيذ مهمته الرسالية العظيمة.

{مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ}[القصص:3]: البعض من خبرهم؛ لأن القرآن الكريم قدَّم لنا نماذج، وقدَّم لنا من أهم ما تضمنته قصتهم؛ لأنها قصة طويلة، فيها الأحداث الكثيرة والكبيرة، واستمرَّت لسنوات طويلة، لكنَّ القرآن الكريم يركِّز لنا على موطن العبرة، ويختار لنا الأهم، الذي نحتاج إليه في مقام الهداية، في مسيرتنا العملية في إطار مهامنا ومسؤولياتنا، وفي إطار ما نحتاج إليه فيما نواجهه في هذه الحياة، في إطار رحمة الله بنا.

{مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ}[القصص:3]: فرعون هو نموذج للطغيان، للإجرام، للتكبُّر، نموذج للشر، للإفساد في الأرض، للممارسات الإجرامية الوحشية، للصد عن سبيل الله، نموذج سيء، وأتى في التفصيل القرآني والقصص القرآني ما يكشف لنا هذا النوع من الشخصيات، التي تشكِّل خطورة على المجتمعات البشرية، ولاسيَّما أنها تحظى- لاعتبارات خاطئة- بالتفافٍ واسع، من الأتباع، والأعوان، والأنصار، ثم تكون جنايتها الكبيرة، ويكون شرها الواسع، بالشكل الذي يطال الجميع، يطال من يتبعونهم نهاية أمرهم الخسران والوبال، وما يعانيه غيرهم أيضاً من اضطهاد وظلم.

{بِالْحَقِّ}[القصص:3]: القرآن الكريم يقدِّم الله لنا فيه ما يقدِّمه من القصص بالحق، سليماً من كل شائبة خرافة، أو باطل، أو تجنٍ، أو مبالغات تتجاوز الحق... وغير ذلك، وكذلك ما يقدِّمه الله لنا هو بهدف هدايتنا، والاستفادة من ذلك، الحكمة تقتضي ذلك، ليس تقديماً عبثياً، أو لأهداف ليس لها أهمية ولا قيمة؛ بل كله بالحق، بالحق في أن يقدِّمه لنا، وبالحق في أن يقدِّم لنا المضمون والمحتوى الخالص، السليم من كل شائبةٍ سيئة.

{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[القصص:3]: يقدَّم هذا الهدى العظيم، هذا النور المبارك، هذا القصص العجيب، هذا النبأ المهم، من خلال وحي الله تعالى إلى عبده ورسوله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ لأنهم هم من يستفيدون من هذا القصص، الذي هو في البداية من دلائل وحي الله ورسالته إلى عبده ورسوله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، وهو في محتواه وما تضمَّنه من هدى، من عبر، من دروس، بما يفيد الذين يؤمنون؛ يزيدهم إيماناً، يقيناً، ثقةً بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بصيرةً، وكذلك في إطار مهامهم، مهامهم الإيمانية، التي يحتاجون فيها إلى هذه الدروس من التاريخ، ويستلهمون منها الكثير من الهداية، التي هي ذات أهمية لهم:

  • في مسيرة حياتهم.
  • وفي نهوضهم بمسؤولياتهم.
  • وفي أدائهم لمهامهم الإيمانية المقدَّسة والعظيمة.

إذاً هي دروس هادفة، تأتي إلى واقعنا العملي، في إطار مهامنا الجهادية، نحتاج إليها في كل زمان؛ ولذلك لم تكن تلك الأحداث مجرَّد أحداث تاريخية عابرة، انتهت قيمتها، أهميتها، بانتهاء زمنها؛ بل تبقى منها العبرة، والدروس المهمة جداً، التي يحتاج إليها المؤمنون، وهم الذين يستفيدون منها؛ لأن من شأنهم الاستفادة من الأحداث والوقائع في زمنهم وما قبل زمنهم، هذا من شأن الإنسان المؤمن: لديه اهتمام بأن يستفيد من كل ما يحدث ويجري، في مقام العظة، والاعتبار، والدروس، والاستفادة العملية.

ثــم تبــدأ القصـــة: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:4]، تبدأ القصة بهذه الصيغة المؤكدة: (إن)، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}[القصص:4]، يعني: هذه من الحقائق المؤكَّدة التي حدثت فعلاً في التاريخ.

فرعــون، الذي كان على رأس دولةٍ تحكم مصر في عصره، دولة ذات قوَّة عسكرية ضاربة، وتمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، ولديها شعبٌ سامعٌ، مطيعٌ، موالٍ وخاضع، وفي نفس الوقت لها نفوذ في محيطها، نفوذ إلى حدٍ كبير، فهو وظَّف كل تلك الإمكانات والقدرات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، في ممارسة الطغيان والتَّكبُّر، بلغ به تكبُّره وطغيانه وعتوّه أن يقول: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات:24]، وأن يقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص:38]، أن يدَّعي الألوهية، وأن يزعم بنفسه الربوبية.

ويتَّجه الطغيان والاستكبار إلى واقع الناس، الطغاة حينما يمارسون طغيانهم يمارسونه في حياة الناس، في واقع الناس، ويكون شره على المجتمع نفسه، وعواقبه كذلك على المجتمع نفسه، فهذا هو البارز في نهج فرعون: الطغيان، والاستكبار، والممارسة للظلم.

{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}[القصص:4]، في سياسته تجاه المجتمع اعتمد السياسة التي يعتمدها الطغاة، التي يعبَّر عنها بجملة قصيرة، هي: [فَرِّق تَسُد]، التفرقة بين أبناء المجتمع، وإثارة التباينات فيما بينهم، ثم توظيف ذلك في أشكال من الاستغلال لكل فئة، ويجعلون من ذلك وسيلةً للسيطرة على المجتمع المتباين فيما بينه، والذي له ارتباطاته- في نفس الوقت- التي توظَّف لاستغلال كل فئة بما يريده الطغاة، (جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا).

{يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}[القصص:4]، وهذه السياسة: سياسة التفريق بين المجتمع بهدف التمكُّن من السيطرة عليه، أيضاً يستخدمها الطغاة- كما قلنا- في كل عصر، ويستخدمها طاغوت العصر المستكبر: اليهود الصهاينة، وأمريكا وإسرائيل، يستهدفون المجتمعات؛ للتفرقة بينها، بكل ما يتمكنون من خلاله إلى تحقيق هذا الهدف، تفرقة تحت عناوين عنصرية، عناوين مذهبية، عناوين سياسية، وبأسباب وأساليب متنوعة، ثم يستغلون حالة التباين؛ للاستقطاب، والاستغلال، والتوظيف، ويكون ذلك لمصلحتهم، وسيلة من وسائل السيطرة

{يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}[القصص:4]، في إطار سياسته تجاه المجتمع اتَّجه لاستضعاف طائفة منهم، استضعاف لها: ممارسة الاضطهاد، والظلم، والقهر، والإذلال تجاهها، هذه الطائفة كانت بني إسرائيل، بنو إسرائيل كانوا جزءاً من المجتمع؛ لأنهم استمروا في مصر منذ انتقال نبي الله يعقوب "عَلَيْهِ السَّلَام" وبنيه، إلى نبي الله يوسف "عَلَيْهِ السَّلَام" في مصر، واستقرارهم هناك، تكاثروا واستقروا لمدَّة قرون من الزمن، وأصبحوا جزءاً من المجتمع هناك، ولكن كانت سياسة فرعون تجاههم هي الاستضعاف، يعني: ممارسة الظلم، الاضطهاد، الإذلال، القهر تجاههم.

ووصل الحال في الاستضعاف لهم إلى درجة قال عنها القرآن: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}[القصص:4]، وصل به الحال إلى هذا المستوى من الاستضعاف، والقهر، والاضطهاد، والظلم: الذبح للأبناء، وهذا يعتبر من أفظع الإجرام، ومن أسوأ- كذلك- أشكال التعذيب، وهي ممارسة فظيعة جداً مارسها فرعون تجاههم، فلماذا؟

هناك عدَّة أسباب دفعت بفرعون إلى اتِّخاذ هذه الممارسة الإجرامية الوحشية تجاههم:

  • في مقدِّمتها: أنه أخبره الكُهَّان والمنجِّمون في دولته، ومن يعتمد عليهم في التنبؤ تجاه أخبار المستقبل، البعض يقولون: في تفسيرهم لرؤيا رآها، والبعض لا يذكرون مسألة الرؤيا، الخلاصة: أنهم أخبروه أن زوال ملكه سيكون على يد غلامٍ من بني إسرائيل، وأن نهاية ما هو فيه من السطوة، والجبروت، والتمكُّن، والسيطرة، ستكون على يده، هذا في مقدِّمة الأسباب التي دفعته لاتِّخاذ إجراء يهدف إلى الحيلولة دون أن يولد هذا الغلام؛ لأنهم أخبروه أنه لم يولد بعد، أنه سيولد وينشأ ثم يحدث ذلك على يديه، فهو اتَّجه في إطار هذه الممارسة الإجرامية كسياسة للحيلولة دون أن يتحقق هذا الأمر.
  • من الأهداف أيضاً: ما يعبَّر عنه بتحديد النسل، يعني: في ضمان أن تبقى تلك الفئة من المجتمع فئةً مستضعفة، وألَّا تحظى بالتكاثر الذي يزيدها رصيداً في كثرتها، في حضورها الاجتماعي كفئة كثيرة العدد، تحديد النسل والاستضعاف لها إلى أنهى حد، إلى درجة الأمر بقتل الأبناء، يعني: الذكور، واستحياء النساء، فكانت وسيلةً من وسائل أن تبقى تلك الفئة مستضعفة، ومستذلة، ومقهورة، ومغلوبة على أمرها، وأن يَحُدَّ من تكاثرها، بل أن يعمل على أن تتقلَّص هذه الفئة؛ لتتلاشى في نهاية المطاف، ليكون مسارها على المستوى الاجتماعي يتَّجه نحو الفناء، نحو الزوال.
  • وأيضاً من الأهداف لهذا الإجراء الوحشي هو: ممارسة التعذيب تجاه تلك الفئة، كما عبَّر عنه القرآن الكريم، بقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}، سوم لسوء العذاب، هو بهذه الممارسة المستمرة التي هي من أشد وأقسى أنواع التعذيب، عندما يتعامل معهم بهذا الشكل: أبناءهم كلما وُلِد لهم أبناء يتَّجهون بهم للذبح، بكل استباحة، وبكل وحشية، وبكل إجرام، على مرأى ومسمعٍ منهم، وهم قد بلغ بهم مستوى الاستضعاف، والاضطهاد، والقهر، إلى درجة أنهم لا يقومون بأي رد فعل تجاه ذلك؛ إنما يتعاملون بخضوع تام، في الوقت الذي هم فيه في حالة عذاب نفسي شديد، الآباء والأمهات كيف سيكون حزنهم، شعورهم بالقهر، بالضيم، بالألم، عندما ينتزع أبناؤهم من بين أيديهم، أو يذبحونهم بين أيديهم، أو ينتزعونهم من بين أيديهم ويذهبون بهم للذبح، وكأنهم خرافٌ صغيرة، ممارسة من ممارسة الطغيان، والإجرام، والتكبُّر، والظلم، والبطش، والجبروت، إلى أسوأ مستوى.

وحالة الاستضعاف، التي قد وصلت إليها تلك الفئة من المجتمع، كانت قد بلغت فعلاً إلى مستوى عجيب جداً من الضعف، من العجز، من الوهن، من الاستسلام، من الخضوع، ألَّا يحصل رد فعل تجاه ذلك

أمَّا الاستحياء للنساء، فكان له أهداف متعدِّدة، منها:

  • الاستغلال لهنَّ في الخدمة.
  • الاستغلال لهنَّ أيضاً في الفساد اللاأخلاقي... وغير ذلك.
  • وباعتبار أن فرعون يعتبرهن لا يمثِّلن رصيد قوَّة، فيما يتعلق بقتال، أو مواجهة، ويعتبر أن مصيرهم سيكون إلى الانقراض عندما يستمر ذلك السلوك معهم.

هذا النهج الفرعوني، في الطغيان، والتَّكَبُّر، والظلم، كان يمارس كل أشكال الفساد: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:4]، كل هذا يأتي الحديث عنه بالتأكيد على هذه الحقائق، فهو كان يمارس كل صور الفساد بأبشعها، وأشكالها المختلفة، فالفساد، والطغيان، والتَّكَبُّر، والظلم، وسيلة يستخدمها ويعتمد عليها، وسياسة في نفس الوقت؛ ليتحكَّم من خلالها بالمجتمع، ويتعامل معه بذلك الشكل، ويعامل تلك الفئة من أبناء المجتمع بتلك الطريقة.

نكتفي بهذا المقدار، ونواصل- إن شاء الله- المشوار في إطار هذه القصَّة المهمة والمفيدة.

نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

 


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر