د. عبدالكريم أحمد الديلمي
أستاذ الإدارة الاستراتيجية– جامعة ذمار
لا ينبغي أن تقتصر علاقتنا بالقرآن الكريم على التلاوة والتعبد، مع عظيم منزلتهما، فالقرآن كتاب هداية للحياة كلها، يبني الإنسان، ويهذب السلوك، ويرشد إلى العدل والخير في العبادة والأخلاق والعمل والعلاقات والمجتمع. قال تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ النحل: 89.
ومن هنا، فإن علاقتنا بالقرآن لا ينبغي أن تقف عند قراءته فقط، على عظمة القراءة وأجرها، بل ينبغي أن تمتد إلى فهم قيمه، وتحويل هداياته إلى سلوك عملي في حياتنا اليومية: في البيت، والمدرسة، والجامعة، والسوق، والوظيفة، والمؤسسة، ومواقع القيادة والمسؤولية.
ومن القيم القرآنية الكبرى التي نحتاجها اليوم قيمة الإحسان، فهو ليس ترفًا أخلاقيًا ولا عملًا زائدًا، بل هو الاهتمام بأمر الآخرين، والارتقاء بالواجب إلى أفضل صورة، يجمع بين الإتقان والعدل والرحمة وحسن التعامل واستشعار المسؤولية.
وقد بيّن القرآن الكريم منزلة الإحسان، وأنه قيمة يحبها الله، وأن المحسن لا يكتفي بالأداء الشكلي، بل يرتقي بعمله نيةً وسلوكًا وأثرًا. قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ البقرة: 195. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ النحل: 128.
والإحسان في القرآن واسع المعنى، فهو قيمة قرآنية واسعة تضبط علاقة الإنسان بالله وبالناس وبالمسؤولية، فيشمل الجهاد في سبيل الله والإنفاق، والعبادة، والإحسان للوالدين، والقول، والتعامل، والصبر، والعفو، واستعمال ما آتاه الله للإنسان من مال أو علم أو منصب أو قدرة في الخير والنفع ...
وانطلاقاً من هذا الفهم، تأتي هذه السلسلة لا لتُحمّل النص القرآني ما لا يحتمل من مصطلحات الإدارة الحديثة، بل لتستلهم من هداياته الكبرى ما يرشد السلوك الإداري، ويهذب السلطة، ويجعل المؤسسة أقرب إلى العدل والرحمة وخدمة الإنسان.
فبعد تناول مفهوم التقوى الإدارية في مقالات سابقة، نقف هنا عند قيمة قرآنية مركزية لا تقل أهمية وتأثيراً، هي قيمة الإحسان.
فالإحسان هو قيمة إيمانية وقرآنية واسعة، تعني أن يكون الإنسان محسناً في علاقته بالله وبالناس، مهتماً بأمر الآخرين، عاملاً بالخير، متعاوناً على البر، ناصراً للمظلوم والمستضعف، ومتعاملاً مع الناس بروح الرحمة والاحترام والمسؤولية، فلا يكتفي بترك الإساءة، بل يبادر إلى النفع والعمل الصالح.
وإذا كان الإحسان في معناه القرآني يتجاوز حدود العبادة الفردية إلى القول والعمل، والاهتمام بأمر الآخرين، والقيام بالمسؤولية وفق توجيهات الله، مع حضور الرحمة والتعاون ونصرة المستضعفين، بحيث لا يكتفي الإنسان بعدم الإساءة، بل يبادر إلى الخير والنفع والعمل الصالح.
فإن الإدارة من أكثر المجالات حاجة إلى هذا المعنى، لأنها تمس مصالح الناس وحقوقهم وكرامتهم اليومية.
لماذا نحتاج إلى الإحسان الإداري اليوم؟
قد يدخل أحدنا إلى مؤسسة، فيجد أمامه مكاتب منظمة، ونماذج مطبوعة، وأنظمة إلكترونية، ولوائح معلقة على الجدران. ومع ذلك، يخرج منها مثقلًا بالضيق، أو يشعر أن إنسانيته لم تُحترم، لأن أحدًا لم يشرح له الإجراء، أو لأن الموظف تعامل معه بجفاف، أو لأن معاملته انتقلت من مكتب إلى آخر دون جواب واضح.
وفي المقابل، قد ينجز موظف بسيط معاملة مراجع بكلمة طيبة، وشرح واضح، واحترام للوقت، فيشعر الإنسان أن حاجته لم تُقضَ فقط، بل كرامته قد حُفظت.
من هنا تبرز الحاجة إلى الحديث عن الإحسان الإداري، فالمؤسسات لا تحتاج إلى الأنظمة وحدها، بل تحتاج إلى الروح التي تحسن تطبيق هذه الأنظمة، وتجعل الإدارة أقرب إلى العدل والرحمة وخدمة الإنسان.
فالإدارة ليست معاملات وأوراقًا وتوقيعات فحسب، بل تعامل مع الناس، وقضاء لمصالحهم، وحفظ لحقوقهم، وتيسير لحياتهم. لذلك تحتاج الإدارة إلى الإحسان كما تحتاج إلى النظام، وإلى الرحمة كما تحتاج إلى اللوائح، وإلى الضمير كما تحتاج إلى الرقابة.
ومما سبق يمكن تعريف الإحسان الإداري بأنه: أن يؤدي الموظف أو القائد أو المؤسسة العمل بأفضل صورة ممكنة، بإتقان وعدل ورحمة، مع تيسير مصالح الناس، وحفظ كرامتهم، وتحقيق أثر نافع في العمل والمجتمع.
فالإحسان الإداري لا يعني أن يكون الموظف لطيفًا فقط، ثم يترك المعاملة معطلة، ولا يعني أن يكون القائد حسن الكلام، ثم يظلم فريقه أو يهمل تطويرهم، بل أن يجتمع حسن الأداء مع حسن الخلق، وأن يلتقي النظام بالرحمة، وأن تكون الكفاءة في خدمة الإنسان لا على حسابه.
الإحسان والإتقان والجودة: تقارب لا تطابق
الإحسان والإتقان والجودة مفاهيم متقاربة لكنها ليست متطابقة. فالإحسان أوسعها وأعمقها، لأنه قيمة قرآنية وإيمانية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى أداء عمله بمسؤولية ومراقبة لله، وتجاوز الحد الأدنى إلى ما هو أنفع وأفضل.
أما الإتقان فهو الجانب العملي من الإحسان، ويعني أداء العمل بدقة ومهارة وتنظيم، مع تقليل الأخطاء والالتزام بالمعايير. بينما الجودة مفهوم إداري يركز على مطابقة الأداء للمعايير، ورضا المستفيد، وقياس النتائج، والتحسين المستمر.
ولا يقلل الإحسان الإداري من أهمية الجودة، بل يرتقي بها، فالجودة تسأل: هل أُنجز العمل؟ وهل تحسنت الخدمة؟ أما الإحسان فيسأل أيضاً: كيف أُنجز العمل؟ هل كان بعدل؟ هل حُفظت كرامة الإنسان؟ وهل شعر المستفيد بالاحترام والتقدير؟
لذلك قد تحقق المؤسسة نتائج جيدة وسرعة في الإنجاز، لكنها تفتقد الإحسان إذا كان تعاملها جافاً أو غير عادل. فالجودة تنظّم العمل، والإحسان يمنح هذا التنظيم روحه ومعناه، وبذلك لا تُقاس المؤسسة بكفاءة إجراءاتها فقط، بل بعدلها ووضوحها ورحمة تعاملها ونفعها للناس.
الإحسان الإداري مسؤولية فردية ومؤسسية
لا ينبغي أن يُفهم الإحسان الإداري على أنه مسؤولية الموظف الفرد وحده، وكأن تحسين التجربة الإدارية متوقف على لطف شخصي أو مبادرة عابرة.
فالإحسان في الإدارة مسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة، يظهر في ضمير الموظف وأمانته، كما يظهر في عدالة النظام ووضوح الإجراءات. فقد يكون الموظف حريصًا على خدمة الناس، لكن الإجراءات معقدة، أو النماذج غامضة، أو الصلاحيات متداخلة، أو قنوات الشكاوى غير مفعلة، وحينها يصبح الإحسان بحاجة إلى تنظيم مؤسسي لا إلى نوايا فردية فقط.
لذلك فإن الإحسان المؤسسي يتجلى في تبسيط الإجراءات، ووضوح النماذج، وسرعة الرد، وعدالة التقييم، وتدريب العاملين، وتفعيل قنوات الشكاوى، ومراجعة الخدمات من زاوية المستفيد.
فالمؤسسة المحسنة ليست تلك التي تعتمد على اجتهاد موظف طيب فحسب، بل هي التي تبني نظامًا يساعد جميع العاملين على أداء واجبهم بعدل وكفاءة ورحمة.
عناصر الإحسان الإداري
ومن الدلالات العامة لقيمة الإحسان في القرآن يمكن أن نستلهم عدداً من العناصر الإدارية المهمة، مع التأكيد أن المفاهيم الإدارية الحديثة هي اجتهادات بشرية لها سياقاتها وأدواتها، وليست مصطلحات قرآنية بالمعنى المباشر. غير أنها قد تلتقي مع القيم القرآنية الكبرى في مقاصدها العامة، مثل العدل، والإتقان، وخدمة الإنسان، وتحسين العمل، وصيانة الحقوق.
ومن أبرز عناصر الإحسان الإداري: تجاوز الحد الأدنى من العمل، وحسن التعامل، ونصرة المظلوم، وكظم الغيظ والعفو، والإتقان، واحترام العاملين، وتقدير جهودهم، والاهتمام بأصحاب المصلحة، والتحسين المستمر، والمسؤولية تجاه الضعفاء.
وستتناول هذه السلسلة "إن شاء الله" عدداً من الموضوعات المرتبطة بالإحسان، وعناصره الإدارية واحداً بعد آخر، لا بوصفها شعارات، بل ممارسات واقعية تظهر في المكتب، والاجتماع، والقرار، وخدمة المستفيد، وإدارة الموظفين، وتطوير الخدمات.
فالإحسان الإداري يبدأ أحيانًا من لحظة صغيرة لا تظهر في التقارير، لكنها تبقى عميقة في أثرها: موظف يشرح بوضوح، قائد ينصف موظفًا، زميل يساعد زميله، وإدارة تراجع إجراءً معقدًا لتيسير حياة الناس.
ويظهر الإحسان الإداري في مواقف يومية كثيرة. يظهر في موظف لا يكتفي بقول: "راجع المكتب الآخر"، بل يوضح للمستفيد أين يذهب، وما الوثائق المطلوبة، ومتى يمكنه العودة. ويظهر في مسؤول لا يقيس أداء موظفيه بالأرقام فقط، بل ينظر أيضًا إلى ظروفهم، وعدالة توزيع المهام بينهم، وحاجتهم إلى التدريب والتوجيه.
ويظهر الإحسان الإداري حين تراجع المؤسسة إجراءاتها من عين المستفيد لا من عين الموظف فقط، فتسأل: هل النماذج واضحة؟ هل الخطوات مفهومة؟ هل المتطلبات معلنة؟ هل قنوات التواصل فعالة؟ هل يجد صاحب الحاجة جواباً في الوقت المناسب؟ وهل يشعر الموظف نفسه بالإنصاف والتقدير؟
فالمؤسسة المحسنة لا تترك الناس يدورون بين المكاتب بحثاً عن معلومة، ولا تجعل الشكوى مجرد رقم في سجل، بل تنظر إلى كل تعقيد متكرر بوصفه خللاً يجب إصلاحه، لا عبئاً ينبغي أن يتحمله المستفيد.
وفي المقال القادم، إن شاء الله، سننتقل من تعريف الإحسان الإداري وبيان علاقته بالجودة والإتقان، إلى مناقشة أكثر واقعية حول حدود تطبيقه داخل المؤسسة: كيف نوازن بين المعنى والتطبيق؟ ومتى تكون الرحمة مطلوبة؟ ومتى تصبح المساءلة جزءاً من الإحسان لا نقيضاً له؟ وما ملامح المؤسسة التي يمكن أن نصفها بأنها مؤسسة محسنة؟
وسيكون المقال القادم بعنوان: الإحسان الإداري (2): حين يكون الحزم وجهاً من وجوه الإحسان.
إن الإحسان الإداري ليس شعاراً يعلّق على الجدران، بل روح تظهر في القرار، والكلمة، والإجراء، والعلاقة، والخدمة. وحين يدخل الإحسان إلى الإدارة، لا تصبح المؤسسة أكثر كفاءة فقط، بل أكثر عدلاً ورحمة وإنسانية. وهنا ينتقل العمل من مجرد جودة في الأداء إلى سموّ في المقصد، ومن إنجاز المعاملة إلى حفظ كرامة الإنسان.



.png)
.png)
.png)
.jpg)
