أصيل علي البجلي
في ميزانِ التاريخِ ومحكمِ التنزيل، لا تضيعُ الحقوقُ التي يُدافعُ عنها الأحرار، ولكنّها تُسلبُ حين تغيبُ البصيرة، وتُستباحُ حين يختلُّ ميزانُ الولاء.
عدن، ثغرُ اليمنِ الباسم ودرتُه المكنونة، تقفُ اليومَ في محرابِ التاريخِ، كشاهدٍ حيٍّ على مأساةِ الانحراف عن جادةِ الحق، في زمنٍ قلَّ فيه الرجالُ الذين يدركون أنَّ ثمنَ العزةِ لا يُقايضُ بفتاتِ عطايا الغزاة.
لقد وضعَ القرآن الكريمُ في محكمِ آياته الفارقَ الجوهريَّ بين فريقين:
فريقٍ تولَّى اللهَ سبحانَه ورسولَه والإمامَ عليًّا وأولياءه، فاستمدَّ منهم العزةَ التي لا تلينُ والبصيرةَ التي لا تضلُّ طريقَ الحقِّ مهما تعاظمتِ الخطوب،
وفريقٍ ارتضى الذلَّ بالولاء لطُغاةِ العصر، من ترامبَ ونتنياهو إلى ابن سلمان وابن زايد، فاستحقوا صفةَ التولي المذموم: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم﴾.
وهنا يتجلّى التباينُ الصارخُ في واقعِنا اليماني؛ فصنعاءُ، رغمَ الحصارِ المطبقِ والعدوانِ الغاشم، أبت إلا أن تظلَّ منارةً للإباء، تستمدُّ قوتَها من ولائِها الصادقِ للهِ وأولياءه، فانتصرت كرامتُها وعلتْ رايتُها.
بينما عدنُ، التي أُسرت في قيودِ العمالة، تُكابدُ المهانةَ وتغرقُ في أوحالِ الارتهان لمن لا عهدَ لهم ولا ذمة.
إنَّ صنعاءَ اليومَ هي تجسيدٌ لمبدأِ الولايةِ الصادقةِ التي أورثتِ الشعبَ اليمانيَّ الحكمةَ والإيمان، فصارتْ حصنًا منيعًا لا يزحزحُه طغيانُ المستكبرين، أما عدنُ، فقد غدتْ ساحةً لتنفيذِ أجنداتِ "الاستعمار الوكيل"؛ حَيثُ يُقايضُ المرتزِق شرفَ المدينِة بوعودٍ زائفةٍ من أُولئك الطغاةِ الذين جعلوا من دماءِ المسلمين قربانًا لشهواتِهم السلطوية.
فكيفَ يستوي من استنارَ بنورِ اللهِ فأبصرَ دربَ العزةِ، ومن أظلمتْ بصيرتُه في ظلالِ التبعيةِ والارتزاق، فصارَ أدَاة رخيصةً يهدمُ بها دارَه ويستبيحُ بها كرامتَه ومستقبلَ أجياله؟
أيها الغافلُ عن حقيقةِ ما يجري، تأملْ هذا التباينَ المريع:
صنعاءُ تصنعُ المجدَ من رحمِ المعاناة، وعدنُ تئنُّ بين مخالبِ المرتزِقة؛
فالفرقُ في "عقيدةِ الولاء"، ليس في الموارد ولا في الجغرافيا.
صنعاءُ تولتِ الحقَّ فنصرها، وعدنُ تولتِ الباطلَ فخذلها؛ فمَن والى أعداءَ اللهِ استحقَّ الهوانَ والندامةَ في الدنيا والآخرة،
ومن اعتصمَ بحبلِ اللهِ كان النصرُ حليفَه، مهما طالَ أمدُ الحصارِ أَو اشتدَّ وطيسُ المؤامرات.
يا أهلَنا في عدن، يا حراسَ الفجر، إنَّ بقاءَ الغزاةِ وأدواتهم مرهونٌ بتفرُّقِكم وارتزاقهم، ورحيلَهم محتومٌ بوحدتِكم وتبرُّؤِكم من مدرسةِ النفاقِ العصرية.
إنَّ روحَ المقاومةِ التي أحيت صنعاءَ هي ذاتُها التي ستطهِّرُ عدنَ من دنسِ العمالة، لتعودَ كما كانت، شمسًا لا تغيبُ في سماءِ اليمنِ الحرّ، فاللهُ ينصرُ من ينصرُه، ولا نصرَ مع العمالةِ ولا عزةَ مع الارتزاق.
إنها معركةُ وعيٍ وبصيرة، ستنتصرُ فيها عدنُ حتمًا، وتلفظُ جسدَ الخيانةِ لتستعيدَ وجهَها المشرقَ بنورِ الحرية، فالغزاةُ إلى زوال، والعملاءُ إلى اندثار، والحقُّ باقٍ ما بقيَ فينا عرقٌ ينبضُ بالإيمانِ والولاء، وسيبقى هذا العهدُ محفورًا في ذاكرةِ التاريخِ، أنَّ عدنَ ستظلُّ يمانيةً، أبيةً، حرةً، ولن تنحنيَ إلا للهِ الواحدِ القهار.




.jpg)


